حين يصبح العنف بطلًا.. كيف يعيد الفن تشكيل الواقع؟

0 63

كتب: أحمد السيد رفعت

كلما ظهر على الشاشة عمل درامي يتناول العنف أو البلطجة، يتجدد السؤال القديم: هل الفن مجرد مرآة تعكس ما يحدث في المجتمع، أم أنه يشارك أحيانًا في تشكيل نظرتنا إلى هذا المجتمع وقيمه؟

لا يصنع الفن الظواهر الاجتماعية من العدم، لكنه قد يسهم في انتشارها أو ترسيخها عندما ينتقل من مجرد عرضها إلى جعلها مألوفة وجذابة، أو حين يقدم العنف بوصفه الطريق الأقصر إلى القوة والنفوذ والنجاح. وهنا يظهر الفارق بين معالجة الظاهرة فنيًا وتقديمها باعتبارها سلوكًا طبيعيًا أو نموذجًا جديرًا بالتقليد.

السينما المصرية والبحث عن الإنسان

خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اقترب مخرجون مثل عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة من الشارع المصري وتفاصيل الحياة اليومية، وجعلوا الواقع الاجتماعي جزءًا أصيلًا من حكاياتهم.

لم تقتصر أهمية أعمالهم على تناول العنف أو الفقر أو التهميش، بل امتدت إلى البحث عن الإنسان الكامن خلف هذه الظواهر، وفهم الظروف التي دفعته إلى اتخاذ قراراته ومواجهة مصيره.

عاطف الطيب.. العنف بوصفه نتيجة

لم يتعامل عاطف الطيب مع العنف باعتباره وسيلة سهلة للإثارة، بل قدمه غالبًا بوصفه نتيجة لضغوط اجتماعية وسياسية واقتصادية متراكمة.

في فيلم «سواق الأتوبيس» عام 1982، بطولة نور الشريف، نتابع حسن، سائق الأتوبيس الذي يخوض معركة يومية في مواجهة أزمات اقتصادية تهدد أسرته ومستقبله. ومن خلال صراعه الشخصي، يرسم الفيلم صورة أوسع لمجتمع يضغط على أفراده حتى حافة الانفجار.

وفي «البريء» عام 1986، بطولة أحمد زكي، يتحول المجند أحمد سبع الليل إلى جزء من منظومة قاسية تقوم على الطاعة العمياء، قبل أن يبدأ في اكتشاف حقيقة ما يحدث من حوله.

أما فيلم «ضد الحكومة» عام 1992، فيضع المحامي مصطفى خلف أمام مواجهة قاسية مع الفساد، ويدفعه إلى إعادة النظر في مسؤوليته الأخلاقية وحدود ضميره.

محمد خان.. قسوة المدينة في التفاصيل اليومية

اقترب محمد خان من الواقع عبر التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، وجعل المدينة شريكًا أساسيًا في تشكيل شخصياته وصراعاتها.

في «الحريف»، بطولة عادل إمام، يحاول فارس، لاعب الكرة السابق، العثور على مكان له داخل مدينة قاسية لم تمنحه ما كان يحلم به. وبين طموحه وواقعه، تظهر هشاشة الإنسان حين يجد نفسه محاصرًا بالفقر والخيبات.

وفي «زوجة رجل مهم»، بطولة أحمد زكي وميرفت أمين، تتحول الحياة الزوجية إلى نافذة تكشف كيف يمكن لمنطق السلطة والقمع أن ينتقل من المجال العام إلى داخل البيت، فيعيد تشكيل العلاقات الإنسانية ويدمرها.

خيري بشارة.. أحلام المهمشين وصدام الواقع

 

كان خيري بشارة من أكثر المخرجين اقترابًا من نبض الشارع وتناقضاته، إذ منح شخصياته المهمشة مساحة لتكشف عن أحلامها وانكساراتها.

في «يوم مر ويوم حلو» عام 1988، بطولة فاتن حمامة، تعيش أسرة فقيرة تحت ضغط الاحتياجات اليومية، فتتحول تفاصيل المنزل والعلاقات الأسرية إلى صورة مكثفة لمجتمع كامل.

وفي «كابوريا» عام 1990، بطولة أحمد زكي، يسعى حسن هدهد، الملاكم الفقير، إلى مغادرة عالمه بحثًا عن البطولة والمجد، لكنه يكتشف أن طريق الصعود يقوده إلى عالم آخر لا يقل قسوة عن العالم الذي حاول الهروب منه.

ورغم اختلاف تجارب هؤلاء المخرجين، لم تكن الظاهرة الاجتماعية عندهم هي الحكاية بأكملها. كان العنف والفقر والتهميش أبوابًا للوصول إلى الإنسان، لا بدائل عنه.

محمد رمضان وأحمد العوضي.. صورة البطل الشعبي

يمكن في هذا السياق النظر إلى بعض الأعمال التي قدمها محمد رمضان وأحمد العوضي، من دون اختزال تجربتيهما في صورة البطل العنيف، أو تحميلهما مسؤولية ظواهر اجتماعية سبقت الدراما بسنوات طويلة.

ظهر محمد رمضان في عدد من أعماله بشخصية البطل القادم من ظروف صعبة، الذي يسعى إلى الصعود وإثبات ذاته، وغالبًا ما ترتبط رحلته بالقوة والنفوذ والقدرة على مواجهة الخصوم.

وقدم أحمد العوضي بدوره نموذج الرجل الذي تحاصره الظروف القاسية، فيلجأ إلى قوته الجسدية وحضوره الشعبي للدفاع عن نفسه وحماية من حوله.

هذه النماذج ليست مشكلة في حد ذاتها؛ فالدراما تحتاج إلى شخصيات قوية وصراعات واضحة، كما أن تقديم أبطال ينتمون إلى بيئات شعبية أو يواجهون العنف لا يعني بالضرورة الاحتفاء به.

لكن السؤال الحقيقي يتعلق بالطريقة التي تُبنى بها هذه الشخصيات داخل الحكاية: هل نرى دوافعها الإنسانية ونقاط ضعفها وتناقضاتها؟ وهل تواجه نتائج اختياراتها؟ أم تنحصر صورتها في القوة والهيبة والانتصار باعتبارها الوسيلة الأساسية لاكتساب المكانة والاحترام؟

من هنا يختلف معنى الشخصية من عمل إلى آخر، حتى عندما تستخدم الأعمال العناصر نفسها من العنف والصراع والقوة.

النقد لا يعني إدانة الفن

لا تهدف المقارنة إلى إصدار حكم على تجربة محمد رمضان أو أحمد العوضي، ولا إلى المفاضلة بينهما وبين مخرجين من أجيال سابقة، وإنما إلى فهم الطريقة التي تقدم بها الدراما نموذج القوة والعنف، وكيف يتغير معناه بحسب السياق الفني الذي يوضع فيه.

ومن الخطأ أن يتحول النقد إلى اتهام مباشر لهذه الأعمال بأنها «تفسد المجتمع»، فالفن لا يعمل بهذه الآلية البسيطة، والمجتمع لا يتغير بسبب فيلم أو مسلسل واحد.

وفي المقابل، ليس دقيقًا اعتبار الفن مرآة محايدة تمامًا؛ فاختيار زاوية الحكاية، ومنح شخصية معينة التعاطف والجاذبية، ووضعها في موقع المنتصر، كلها عناصر تؤثر في الطريقة التي يتلقى بها المشاهد ما يراه.

ولا تعني المسؤولية الفنية أن يتحول العمل إلى موعظة أخلاقية، أو أن يتجنب عرض العنف ويجمّل الواقع، بل تعني أن يمنح ما يقدمه سياقًا ومعنى، وألا يكتفي بتحويل القوة والبلطجة إلى استعراض مثير يخلو من العواقب.

الفن مرآة تتكلم

الفن مرآة للواقع، لكنه ليس مرآة صامتة. فهو يختار زاويته، ويمنح شخصياته معناها، ويترك لدى المشاهد تصورًا عن القوة والضعف، والنجاح والهزيمة، والعدل والظلم.

ولهذا يستحق الفن أن يُناقش ويُنتقد، وأن يتحمل نصيبه من المسؤولية، من دون أن نحمّله وحده جميع الأزمات التي يعانيها المجتمع.

اقرأ أيضا:

الحكاية لا تموت.. 20 تيمة عالمية أعادت السينما المصرية ابتكارها 
من يصنع الآخر: النجم أم الفيلم؟
الفن الموازي.. من التراث الشعبي إلى المهرجانات: كيف تغيّرت الذائقة وأصبح الجمهور «مؤسسة»؟ 

 

 

 

 

 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق