الفن الموازي.. من التراث الشعبي إلى المهرجانات: كيف تغيّرت الذائقة وأصبح الجمهور «مؤسسة»؟

0 69

كتب: أحمد السيد رفعت

لم تعد ظاهرة «المهرجانات» مجرد لون موسيقي يمكن حسم الجدل حوله بالإعجاب أو الرفض، كما لا يكفي تفسير انتشارها باعتبارها انعكاسًا للفقر أو العشوائيات أو التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فالظاهرة، على ما تثيره من خلاف حول قيمتها الفنية، تفتح بابًا أوسع للنقاش حول علاقة الفن بالمؤسسة، وتحولات الذائقة، والدور الجديد الذي أصبح الجمهور يلعبه في صناعة الانتشار والنجومية.

ولا أنتمي شخصيًا إلى جمهور المهرجانات، ولا أرى في انتشارها الواسع دليلًا كافيًا على تميزها الفني. لكن محاولة فهمها تقتضي تجاوز الإدانة المسبقة، والنظر إليها باعتبارها الحلقة الأحدث في تاريخ طويل من أشكال التعبير الفني التي نشأت خارج المؤسسات الرسمية، ثم وجدت جمهورها وفرضت وجودها على المشهد.

حين كان التراث الشعبي يصنع فنه

عرف التراث الشعبي المصري عبر تاريخه ألوانًا متعددة من الغناء لم تنتظر اعتراف مؤسسة ثقافية أو فنية حتى تصل إلى الناس.

وكانت أغاني الأفراح والمناسبات الشعبية واحدة من أبرز هذه المساحات المفتوحة للتعبير المباشر، بما تحمله أحيانًا من مبالغة وجرأة وإيحاءات. كانت الأغنية تنتقل شفهيًا بين الناس، وتتغير بعض كلماتها من مكان إلى آخر ومن جيل إلى آخر، وتعيش بقدر ما تجد من يحفظها ويرددها.

لم تكن هناك لجنة تمنح هذه الأغاني «شهادة صلاحية» فنية، ولم تكن هناك مؤسسة تقرر مسبقًا ما ينبغي أن يسمعه الناس. كان الجمهور، بصورة تلقائية، يمارس عملية الاختيار؛ يحتفظ بما يلامسه ويتخلى عما يفقد قدرته على الحضور.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل ما أنتجه الغناء الشعبي كان يحمل قيمة فنية رفيعة، لكنه يكشف حقيقة مهمة: الجرأة والإيحاء والخروج على الذائقة الرسمية ليست ظواهر جديدة على التعبير الشعبي المصري.

ومن هنا تظهر قاعدة تكررت كثيرًا في تاريخ الفنون: المؤسسة لا تصنع الذائقة دائمًا؛ ففي أحيان كثيرة لا تفعل أكثر من الاعتراف بها بعد أن يكون الجمهور قد صنعها بالفعل.

من سيد درويش إلى الفن خارج المؤسسة

شهد تاريخ الموسيقى المصرية تحولات متتالية ارتبطت بتغير المجتمع والجمهور ووسائل التعبير. ومن المهم هنا التمييز بين القيمة الفنية والتاريخية الكبيرة لتجارب مثل تجربة سيد درويش، وبين ظواهر موسيقية معاصرة مختلفة جذريًا في ظروفها وأدواتها وبنيتها الفنية.

فالمقارنة هنا لا تعني المساواة الفنية، ولا القول إن المهرجانات امتداد مباشر لسيد درويش أو لأي تجربة سابقة، وإنما محاولة تتبع فكرة أوسع: قد يبدأ الفن بعيدًا عن المركز والمؤسسة، ثم يصل إلى جمهوره قبل أن يحصل على الاعتراف الرسمي.

وبذلك يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد: هل المهرجانات فن جيد أم رديء؟

السؤال الأهم هو: كيف استطاع هذا اللون أن يصنع جمهورًا واسعًا رغم اعتراض قطاعات من المؤسسات والنخب عليه؟

المهرجانات.. ظاهرة لا يفسرها الفقر وحده

يمكن النظر إلى المهرجانات باعتبارها ظاهرة اجتماعية وفنية تستحق الدراسة، بصرف النظر عن موقفنا الجمالي منها.

ولا يصح اعتبارها امتدادًا مباشرًا لأشكال الغناء الشعبي السابقة، فالفوارق الموسيقية والاجتماعية والتاريخية بينها كبيرة. ومع ذلك، يمكن رصد خيط مشترك يتمثل في ظهور فن خارج المركز، ثم نجاحه في الوصول إلى الجمهور قبل حصوله بالضرورة على اعتراف المؤسسات التقليدية.

ومن هنا يبدو تفسير المهرجانات باعتبارها «ابنة الفقر» أو «ابنة العشوائيات» وحده تفسيرًا قاصرًا.

لا شك في أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورًا في تشكيل الفنون، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير حجم انتشار الظاهرة أو قدرتها على تجاوز بيئتها الأولى والوصول إلى شرائح اجتماعية مختلفة.

هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: الثورة التكنولوجية.

التكنولوجيا غيّرت قواعد اللعبة

أحدث التطور التكنولوجي تحولًا جذريًا في عملية إنتاج الموسيقى وتوزيعها.

فقد أصبحت عملية الإنتاج أقل تكلفة، وتراجعت الحاجة إلى الاستوديوهات التقليدية الضخمة وشركات الإنتاج بوصفها البوابة الوحيدة للوصول إلى الجمهور.

ثم جاءت شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لتفتح طريقًا مباشرًا بين صانع المحتوى والمتلقي.

أصبح من الممكن إنتاج أغنية بإمكانات محدودة، ثم نشرها عبر الإنترنت لتنتقل خلال فترة قصيرة إلى آلاف أو ملايين الهواتف.

وهنا لم تتغير الموسيقى وحدها، بل تغيرت صناعة النجومية نفسها.

ففي النموذج التقليدي، كانت شركة الإنتاج أو الإذاعة أو التلفزيون تستطيع أن تلعب دور حارس البوابة؛ تختار من يظهر، وما الذي يُذاع، ومن يحصل على فرصة الوصول إلى الجمهور.

أما اليوم، فقد تراجعت هذه السلطة أمام فضاء رقمي يستطيع فيه الجمهور أن يصنع شهرة فنان خلال أيام، وأحيانًا خلال ساعات.

حين يصبح الجمهور «مؤسسة»

ربما يكون هذا هو التحول الأهم في المشهد الفني المعاصر.

لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ ينتظر ما تختاره المؤسسات له، بل أصبح قادرًا على الاختيار والنشر والمشاركة وإعادة التوزيع، بل والمساهمة بصورة مباشرة في تحديد ما ينتشر وما يتراجع.

وبهذا المعنى، تحول الجمهور إلى «مؤسسة غير رسمية».

هو لا يمتلك لجان تحكيم أو استوديوهات أو قرارات إدارية، لكنه يمتلك قوة ربما تفوق ذلك كله: القدرة على منح العمل فرصة الوصول والانتشار والاستمرار.

وهذا التحول يفرض إعادة التفكير في فكرة المنع.

فأنا ضد المنع الرسمي لمجرد أن لونًا فنيًا لا يتوافق مع ذائقتي الشخصية. وإذا وجد عمل فني جمهورًا حقيقيًا، فلا أرى أن اختلافنا معه أو اعتقادنا بضعف قيمته الفنية يمنحنا الحق في المطالبة بإلغائه.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، إسقاط النقد أو المساءلة القانونية عن أي محتوى يتجاوز القانون أو يعتدي على حقوق الآخرين.

لكن الفارق كبير بين النقد والتنظيم القانوني من جهة، والوصاية على الذوق العام من جهة أخرى.

فالمنع لا يمكن أن يكون بديلًا عن النقد، كما أن ذوق السلطة أو المؤسسة لا ينبغي أن يتحول إلى معيار وحيد يحدد للناس ما يسمعونه وما يرفضونه.

«فلترة الجمهور».. من يبقى ومن يختفي؟

يمتلك الجمهور آلية أخرى أكثر هدوءًا، لكنها شديدة التأثير على المدى الطويل: الفلترة.

كم من أغنية حققت ملايين المشاهدات ثم اختفت؟

وكم من اسم لمع بسرعة، ثم غاب بالسرعة نفسها؟

الانتشار قادر على صناعة لحظة من الشهرة، لكنه ليس ضمانًا للخلود.

وهنا يظهر الفارق بين الانتشار والقيمة.

فالجمهور يستطيع أن يمنح العمل فرصة هائلة للوصول، لكنه لا يمنحه تلقائيًا الجودة الفنية، كما أن عدد المشاهدات لا يكفي وحده لإدخال أغنية أو مطرب إلى الذاكرة الفنية للمجتمع.

فالعمل الذي يتجاوز حدود الظاهرة العابرة، ويمتلك قدرة حقيقية على التعبير والتأثير والتجدد، هو الأكثر قدرة على مقاومة النسيان.

وهذه العملية لا تحدث بقرار إداري، وإنما من خلال تراكم طويل تشارك فيه عوامل عديدة، أهمها الجمهور والنقد والتحولات الاجتماعية، وقبل ذلك كله الزمن.

الجمهور يمنح الشهرة.. والزمن يمنح البقاء

يكشف تاريخ الفن أن المؤسسات لم تنجح دائمًا في تحديد ما سيبقى، كما أن النخب لم تكن دائمًا قادرة على التنبؤ بما ستحتفظ به الذاكرة.

فقد تختفي أعمال حظيت في زمنها بدعم كبير، بينما تبقى أعمال أخرى بدأت على الهامش ولم تحظَ في بداياتها بالاعتراف نفسه.

ولهذا لا ينبغي الخلط بين ثلاثة أشياء: الانتشار، والاعتراف المؤسسي، والقيمة الفنية.

فالانتشار لا يعني بالضرورة الجودة، والرفض المؤسسي لا يعني بالضرورة الرداءة، والنجاح اللحظي لا يضمن البقاء.

وفي النهاية، قد يمنح الجمهور العمل الفني فرصة للحياة، وقد تمنحه المؤسسة الاعتراف، لكن كليهما لا يستطيع إصدار شهادة بالخلود.

المؤسسة تستطيع أن تفتح الباب أو تغلقه، والجمهور يستطيع أن يصنع الشهرة، أما الزمن فهو الناقد الأخير؛ وحده يكشف ما كان مجرد ضجيج عابر، وما كان فنًا يستحق أن يبقى.

اقرأ أيضا:
«أسد».. فيلم انتصر بصريًا أكثر مما انتصر دراميًا هل تفوقت الصورة على الحكاية؟

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق