من يصنع الآخر: النجم أم الفيلم؟
من أنور وجدي وفاتن حمامة إلى عصر التريند.. كيف تغيّرت صناعة النجومية في السينما المصرية؟
كتب: أحمد السيد رفعت
يخرج المشاهد أحيانًا من قاعة السينما حاملًا في ذاكرته اسم البطل أكثر من اسم الفيلم. يتذكر الوجه الذي تصدّر الملصق الدعائي، بينما تتوارى خلفه عشرات الأسماء التي شاركت في صناعة العمل.
ومن هنا تبرز إحدى أقدم إشكاليات السينما: هل يُبنى الفيلم حول النجم، فتدور الحكاية في فلكه وتُفصَّل على مقاس صورته الجماهيرية؟ أم يُصنع الفيلم أولًا، ثم يفرض النجم حضوره من خلال جودة العمل؟
فالسينما، في جوهرها، فن وصناعة جماعية، حتى عندما يتصدرها وجه واحد. والنجم، مهما بلغت موهبته وجماهيريته، لا يستطيع وحده صناعة فيلم جيد، مثلما لا يضمن الفيلم الجيد، بالضرورة، ولادة نجم.
وبين الطرفين تشكّلت، عبر تاريخ السينما المصرية، علاقة معقدة تداخلت فيها الموهبة والكاريزما والسوق والدعاية وذائقة الجمهور.
أنور وجدي.. عندما يصبح النجم مشروعًا
برز أنور وجدي خلال أربعينيات القرن الماضي نموذجًا مبكرًا لما يمكن وصفه بـ«مهندس النجومية». لم تكمن قوته فقط في موهبته التمثيلية، بل في امتلاكه حسًا استثنائيًا بالسوق، وفهمًا مبكرًا لآليات صناعة النجم.
جمع وجدي بين التمثيل والإنتاج والاستعراض، ووظّف مختلف عناصر الفيلم لبناء صورته وتعزيز حضوره الجماهيري والتجاري. لم ينتظر أن تصنع الأفلام نجوميته، بل جعل من كل فيلم خطوة محسوبة في مشروع صناعة اسمه.
أما فريد الأطرش، فقدم نموذجًا مختلفًا؛ إذ دخل السينما مستندًا إلى نجومية غنائية واسعة، فجاءت أفلام عديدة مصممة لاستثمار صوته وشعبيته. كان الجمهور يذهب إلى دور العرض لمشاهدة فريد والاستماع إلى أغانيه بقدر اهتمامه بمتابعة الحكاية. وهنا أصبح النجم نقطة البداية، بينما جاء المشروع السينمائي ليُبنى من حوله.
الخمسينيات والستينيات.. النجومية داخل المشروع
شهدت السينما المصرية خلال الخمسينيات والستينيات تنوعًا أكبر في معادلة النجم والمشروع. فلم يكن فريد شوقي، الملقب بـ«ملك الترسو»، مجرد نجم يحقق إيرادات مرتفعة، بل تحول إلى ظاهرة جماهيرية ارتبطت بصورة بطل الشارع، المدافع عن الضعفاء والباحث عن العدالة الشعبية.
ثم جاء عمر الشريف بحضوره اللافت وموهبته، لينتقل من النجومية المحلية إلى العالمية، مؤكدًا أن المشروع الفني القوي يمكن أن يفتح أمام النجم آفاقًا تتجاوز حدود السوق الذي انطلق منه.
وعلى الجانب النسائي، صنعت فاتن حمامة مسيرة أصبحت فيها اختياراتها الفنية جزءًا أساسيًا من مشروعها ووعيها بقيمة السينما. أما سعاد حسني، فجمعت بين الموهبة والكاريزما وخفة الظل والقدرة على التنوع، فتحولت إلى واحدة من أبرز أيقونات السينما المصرية.
هذه النماذج لم تعتمد على الحضور وحده، بل بنت نجوميتها من خلال أعمال بقيت في ذاكرة الجمهور، وأثبتت أن النجم الحقيقي لا ينفصل عن قيمة المشروع الذي يقدمه.
من شباك التذاكر إلى سلطة المنصات
لم تعد صناعة النجومية اليوم مرتبطة بشباك التذاكر أو الملصقات والإعلانات التقليدية وحدها. فقد دخلت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي والخوارزميات بقوة إلى معادلة الشهرة، وأصبحت قادرة على توجيه الانتباه وصناعة الانطباعات، وربما تضخيم أسماء لم تُختبر فنيًا بعد.
ليس كل ما يتصدر «التريند» مصنوعًا، كما أن النجاح الجماهيري ليس زائفًا بالضرورة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المنصات من وسيلة تعكس رأي الجمهور إلى أداة تصنع له انطباعًا مسبقًا عمّا ينبغي أن يراه ويصدقه.
فتكرار عبارات مثل «الأكثر مشاهدة» و«الأعلى أجرًا» و«نجم الموسم» قد يحوّل الانطباع إلى حقيقة متداولة، حتى قبل أن يثبت العمل جودته أو قدرته على البقاء.
وهنا تختلف اللعبة عن الماضي؛ فقد كان الفيلم يُبنى غالبًا حول نجم يمتلك جمهورًا حقيقيًا ونجاحات سابقة، أما اليوم فقد تبدأ صناعة صورة النجم قبل وصول العمل نفسه إلى الجمهور.
من يصنع النجم؟
هل تصنعه الموهبة، أم الكاريزما، أم الجمهور، أم المنتج، أم السوق، أم الدعاية، أم الخوارزميات؟ أم أن النجومية ثمرة مزيج معقد من هذه العناصر جميعًا؟
الحقيقة أن النجومية ليست موهبة خالصة، وليست كذلك صناعة تسويقية محضة، بل هي حصيلة الموهبة والحضور والقبول الجماهيري والتوقيت المناسب والدعاية وقوانين السوق، وربما قدر من المصادفة. غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد صناعة النجم، لا قبلها.
فالتريند يمنح الشهرة، والدعاية تفتح الأبواب، وقد تضخّم الحملات الإلكترونية الحضور، لكن العمل وحده يمنح النجومية شرعيتها.
ليس كل من تصدّر المشهد نجمًا حقيقيًا، وليس كل من حقق ملايين المشاهدات موهوبًا بالضرورة، كما أن النجاح الرقمي لا يتحول دائمًا إلى نجومية مستدامة.
قد يفتح النجم شباك التذاكر، لكن المشروع هو الذي يحدد ما إذا كان سيبقى في ذاكرة الجمهور.
وقد يجذب الاسم اللامع المشاهدين إلى العمل، لكن العمل نفسه هو الذي يختبر قيمة هذا الاسم.
أما «التريند»، فمهما ارتفع، يظل لحظة عابرة؛ لأن التاريخ الفني لا يحتفظ طويلًا بمن تصدّروا اللحظة، بل بمن امتلكوا أعمالًا استطاعت البقاء بعد انطفاء الأضواء.
اقرأ أيضا:
الفن الموازي.. من التراث الشعبي إلى المهرجانات: كيف تغيّرت الذائقة وأصبح الجمهور «مؤسسة»؟