الطبيعة وأثرها في تجربة الشاعرة صورية حمدوش في ديوان «أأنت زليخة»

0 58

بقلم: د. أمل درويش

يعيش الإنسان موصولًا بالكون والطبيعة؛ فما إن ينفصل الحبل السري الذي يربط الوليد بأمه، حتى تتكشف صلته بعالم أرحب، يستمد منه وعيه، وتنمو في رحابه مداركه. ومن هذا التفاعل تتفتح مواهبه، وينطلق خياله، محلقًا مع نوارس الفكر وفراشات الإبداع.

وفي تجربة الشاعرة صورية حمدوش، تبدو هذه الصلة من منابع الإبداع؛ إذ تقودنا قصائدها إلى عوالم من التأمل، تتداخل فيها رهافة الشعور مع الوعي بالذات، ويتجلى فيها التماهي مع جمال الكون وبدائع الخلق.

وقد ألفت الشاعرة الغوص في التأمل الصوفي، مستلهمة آفاقًا من تجربة مولانا جلال الدين الرومي ومسيرة شمس التبريزي، لتصوغ رؤيتها للوجود في لغة تمزج الوجد بالمعرفة، وتبحث في المحسوس عن دلالاته الروحية.

وفي ديوانها «أأنت زليخة»، يتجه هذا التأمل نحو الذات، في محاولة لاكتشاف طاقاتها وتأكيد استحقاقها للحب والحرية والمكانة التي تليق بها. فالذات هنا لا تنكفئ على عالمها الداخلي، بل تنفتح على الكون، وتستعير من عناصره صورًا تكشف بها عن مشاعرها وتحولاتها.

في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، تستهل الشاعرة خطابها باستحضار قسم الآخرين برب الكعبة وتشبيهها بزليخة، رمز الحسن والعشق، ثم تستجيب لهذا التشبيه مؤكدة أن يوسف يسكن القلب. ومن هذا الاستهلال تمضي إلى التعبير عن قدرتها على الحب والعطاء، في لغة تجمع الاعتزاز بالذات ورهافة الشعور، فتقول:

أما أنا الاستثناء
طيني معجون بماء الحب
في خلواتي سعادة من الرب…

ثم تقول:

الجنان صنيعتي
ولا أنتظرها هبات أتكففها
فروحي عوالم أكوان..

تلتقي في هذه الصور مفردات الطين والماء والجنان والأكوان، لتكشف عن ذات ترى الحب عنصرًا أصيلًا في تكوينها، وتؤمن بقدرتها على صنع سعادتها. وتغدو الروح فضاءً رحبًا يتجاوز حدود الجسد، فيما يتحول الارتباط بالطبيعة إلى تعبير عن الخصب الداخلي والقدرة على العطاء.

ويتواصل هذا الوعي بالذات في قصيدة «أصلي بالسؤال»، التي تستهلها الشاعرة بقولها:

أنا امرأة لا تسكن الجسد
بل تستعيره؛ كما تستعير الروح المعنى
ثم تمضي..

تقدم الشاعرة هنا ذاتًا عصية على الاختزال في الجسد، وتنطلق من هذه الرؤية إلى مساءلة القيود التي يفرضها المجتمع على المرأة. وفي مواجهة تلك القيود، تؤكد روحها الرافضة للخضوع، والباحثة عن حريتها وصلتها بالله من خلال التأمل والسؤال، فتقول:

أنا امرأة تصلي بالسؤال،
وتؤمن بالدهشة،
وترى في الشك سلما لا هاوية..
روحي نصي الوحيد
وقلبي قبلتي
والحرية أقرب أسمائه إليّ
فدعوني أمر
كما تمر الأنفاس لا ترى
لكنها تحيي كل شيء.

يتحول السؤال في هذه المقاطع إلى سبيل للمعرفة، وتصبح الدهشة طاقة تبقي الروح يقظة ومنفتحة على الوجود. وتبلغ الصورة رهافتها في تشبيه الحضور بالأنفاس؛ حضور خفي، يُعرف بأثره وقدرته على إحياء ما حوله.

وفي قصيدة «رسالة شاعرة»، ترسم صورية حمدوش ملامح التجربة الإبداعية، وتقدم رؤية لما تمنحه الكتابة من بصيرة. فالشاعرة، كما تصورها القصيدة، تلتقط المعنى في عيون البشر قبل أن يجد طريقه إلى الكلام، وتتعرف إلى الفرح حين يتخفى في هيئة دموع، وتصغي إلى ما يتوارى خلف الصمت.

إنها تقف على التخوم بين الحلم والحقيقة، وتفتح أبواب الدهشة والحوار، حتى تختتم القصيدة بكلمات تكثف رؤيتها:

امرأة تحمل في قلبها حدس العاصفة
وفي عينيها هدوء البحر بعد الفهم
وسيدة الحكمة
لا تشرح العالم.. بل تعيد كتابته.

تتقابل العاصفة والبحر في هذه الصورة؛ فتمنح الأولى القلب حدسه وتوثبه، ويمنح الثاني العينين هدوء المعرفة. وبين القوتين تتشكل ذات شاعرة تستوعب اضطراب التجربة، ثم تعيد صياغته في رؤية أكثر اتزانًا وعمقًا.

أما في قصيدة «ربابة الشوق»، فتمنح الشاعرة الغياب صوتًا، مستعيرة له الربابة بما تحمله نبراتها من شجن وحنين. وهكذا يغدو الغياب وترًا يستدعي الذكريات ويوقظ ما استقر في أعماق الروح.

وتصور الأحبة أوطانًا صغيرة نحملها في صدورنا، فيما تبدو القلوب المتأججة باللهفة بيوتًا بلا نوافذ، يثقلها الظلام وتفتقد الضوء الذي يبدد حيرتها. وتتكامل هذه الصور لتجسد عزلة الفقد؛ فالوطن يستقر في الداخل، لكن البيت يغلق منافذه، وتبقى الروح معلقة بين دفء الذكرى ووحشة الغياب.

ومن خلال الربابة، تعمق الشاعرة الصلة بين الحنين والموسيقى؛ إذ يتحول الألم إلى نغم، ويستمر الوجد ما استمرت الحياة وتعاقب شروق الشمس.

وفي قصيدة «وقفات»، تعزف الشاعرة على أوتار الزمن، مستعيدة مراحل من حياتها، بدءًا من طفولة عاشت فيها إحساس الأميرة المتوجة، مرورًا بسنوات الصبا، حين جعلتها قدرتها على الاحتواء موضع ثقة وملجأ لأقرانها، وصولًا إلى ما تركته خيبات المقربين من جراح.

وتقودها هذه الرحلة إلى القلم، الذي تراه أوفى الأصدقاء والوطن الأخير؛ فكأن الكتابة تستعيد ما بددته العلاقات، وتمنح الذات ملاذًا تحفظ فيه ذاكرتها وتوازنها.

وتحضر الطبيعة في القصيدة من خلال صورها الجمالية، كما تلتفت الشاعرة إلى بعض أوجه الاختلاف بين الحضر والبدو، فتصل بين تجربتها الشخصية والبيئات التي تشكلت فيها رؤيتها للحياة والناس.

ويستمر التأمل في أثر الزمن في قصيدة «الآن»، حيث تعيد الشاعرة النظر في معنى التغير. فهي تنسب التحول إلى نضج الروح وما تكتسبه من التجارب، وإلى قدرتها المتجددة على فهم الحياة والتعامل معها.

وتصور الروح زهرة تتفتح وسط العواصف، في إشارة إلى إمكان النمو رغم قسوة الظروف. ومن هذه الصورة تمضي إلى اكتشاف الطمأنينة بوصفها حالة داخلية، ونورًا قديمًا ينتظر أن نثق به، فتقول:

أدركت أن الطمأنينة ليست مكانا نصل إليه
بل طريقة الروح
حين نتصالح مع نورها

تعبر هذه الكلمات عن نضج يتيح للذات عبور الأزمات بقدر أكبر من الوعي والاتزان. فالسكينة تنشأ من المصالحة مع الداخل، ومن فهم التجربة واستيعاب أثرها، دون أن تستنزف الروح أو تحجب عنها قدرتها على الفرح.

وفي قصيدة «كل متوقع آت»، تنتقل الشاعرة من التأمل في التجربة إلى تأكيد إرادتها في تشكيل ما يأتي، واختيار الطريق الذي تنشد السير فيه. وتمنح هذه الإرادة صورًا مستمدة من الطبيعة، فتقول:

سأكتب أيامي كما أشتهيها:
نافذة واسعة للشمس
وقلبا لا يعتذر عن فرحه
وأحلاما تتسع لخطواتي القادمة
وأشخاصا يشبهون الضوء.

تغدو الشمس هنا أفقًا للانفتاح، وتتحول النافذة إلى منفذ للحياة، بينما يصبح الضوء صفة إنسانية تمنحها الشاعرة لمن تريدهم في عالمها. وتلتقي هذه الصور في رغبة واضحة في استعادة المبادرة، وصنع أيام تتسع للحلم والفرح والعلاقات المضيئة.

وللمكان حضوره في الديوان أيضًا؛ ففي قصيدة «قرارم – قوقة – ثريا – القلب»، تستحضر الشاعرة بلدتها قرارم بوصفها جزءًا من ذاكرتها ووجدانها، فتقول:

ليس اسما من حجر،
ولا أكواما ترمى على أطراف النسيان
بل لآلئ تحت غبار السنين
تنتظر كفا تعرف كيف تحب
وكيف تنقذ الضوء من العتمة.

تستعيد الشاعرة المكان عبر فعل المحبة، فتزيح عنه غبار الزمن، وتكشف ما تختزنه تفاصيله من قيمة وجمال. ومن خلال صور الحجر واللآلئ والغبار والضوء، تتحول البلدة إلى ذاكرة حية تستحق العناية، وإلى معنى ينبغي حمايته من النسيان.

وهكذا، تتوزع الطبيعة في ديوان «أأنت زليخة» بين الطين والماء، والبحر والعاصفة، والزهرة والشمس والضوء. وتكتسب هذه العناصر دلالاتها من التجربة الشعورية التي تدخل فيها؛ فتعبر عن الحب والغياب، وعن الحرية والنضج، وعن صلة الذات بماضيها وقدرتها على استقبال المستقبل.

ومن خلال هذا التفاعل، تكشف صورية حمدوش عن تجربة تستمد صورها من الكون، ثم تعيدها إليه محملة بوعيها وأسئلتها. فالطبيعة شريكة في تشكيل الرؤية، ومرآة للتحولات التي تعبرها الروح في بحثها عن المعرفة والحب والطمأنينة.

كل التوفيق للشاعرة القديرة صورية حمدوش، ومزيدًا من الإبداع والعطاء.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق