مروان حامد.. من مشروع مخرج واعد إلى «صنايعي شاطر»

0 140

كتب: أحمد السيد رفعت

في بداية مشواره، وهو في الرابعة والعشرين من عمره فقط، قدّم مروان حامد فيلمه القصير «لي لي»، المأخوذ عن قصة «أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟» للأديب الكبير يوسف إدريس، والتي تولى مروان بنفسه كتابة السيناريو المقتبس عنها.

كانت مشاهدتي الأولى للفيلم في مهرجان ميلانو للسينما الإفريقية، حيث شارك آنذاك في المسابقة الرسمية، وحظي عند عرضه بإشادة جماهيرية لافتة. وكان المهرجان، الذي يقام في مدينة ميلانو الإيطالية، يمثل نافذة أوروبية مهمة للتعريف بالسينما الإفريقية، وإتاحة الفرصة أمام تجارب مخرجيها للوصول إلى جمهور أوروبي ودولي.

منذ تلك التجربة المبكرة، بدا واضحًا أننا أمام موهبة سينمائية تستحق الانتباه.

لم يكن الأمر مجرد مخرج شاب يعرف أين يضع الكاميرا، أو يمتلك حسًا بصريًا لافتًا، بل كان الانطباع أكبر من ذلك: نحن أمام مشروع مخرج صاحب شخصية، ورؤية فنية مستقلة، ورغبة حقيقية في صناعة عالمه السينمائي الخاص.

«عمارة يعقوبيان».. الإعلان الكبير عن مخرج جديد

بعد سنوات قليلة، جاء أول أفلام مروان حامد الروائية الطويلة، «عمارة يعقوبيان»، المأخوذ عن رواية علاء الأسواني الشهيرة، وبمشاركة كوكبة من أبرز نجوم السينما المصرية.

كان الفيلم، منذ لحظاته الأولى، بمثابة إعلان عن مخرج يمتلك أدواته جيدًا.

فإدارة فيلم يجمع هذا العدد من النجوم والشخصيات والخطوط الدرامية المتشابكة لم تكن مهمة سهلة، خصوصًا بالنسبة إلى مخرج يخوض تجربته الطويلة الأولى، لكن مروان نجح في تقديم عمل جماهيري واسع الانتشار، احتفظ في الوقت نفسه ببصمته البصرية وقدرته على صناعة مشاهد ذات حضور سينمائي واضح.

والأهم أنه، رغم صغر سنه وقلة تجاربه الطويلة آنذاك، لم يبدُ مرتبكًا أمام هذا الكم من النجوم والخبرات.

كان يعرف كيف يدير المشهد، وكيف يمنح كل شخصية مساحتها، وكيف يحول رواية ضخمة ومتعددة الشخصيات إلى فيلم قادر على الوصول إلى الجمهور.

كان مروان حامد، وقتها، يبدو كأنه لا يقدم مجرد فيلم ناجح، بل يعلن عن مشروع سينمائي ينتظر أن يتشكل.

«إبراهيم الأبيض».. تأكيد الموهبة

ثم جاء «إبراهيم الأبيض» ليؤكد أن ما حدث لم يكن مصادفة.

فيلم شديد القتامة، عنيف في كثير من مشاهده، ومثير للجدل فنيًا، لكنه حمل جرأة واضحة في الصورة والإيقاع والأداء.

ونجح مروان حامد في إدارة مجموعة قوية من الممثلين، وفي تقديم شخصيات تركت أثرًا واضحًا لدى الجمهور، من بينها «عشري» التي قدمها عمرو واكد، و«عبد الملك زرزور» التي جسدها محمود عبد العزيز، إلى جانب أحمد السقا وهند صبري.

ومع النجاح الجماهيري للفيلم، بدا مروان وكأنه يثبت قدرته على تحقيق المعادلة الصعبة: فيلم يصل إلى الجمهور، لكنه يحمل في الوقت نفسه شخصية بصرية خاصة.

لكنني أعتقد أن هذه المرحلة كانت أيضًا بداية تحول مهم في مسيرته.

من صاحب مشروع إلى «صنايعي شاطر»

شيئًا فشيئًا، بدأ مروان حامد يقترب من نموذج المخرج شديد الحرفية، أو ما يمكن أن نسميه في لغة السينما المصرية: «الصنايعي الشاطر».

والمقصود هنا ليس الانتقاص من قيمة الحرفة، بل العكس تمامًا.

فالصنايعي الشاطر في السينما هو المخرج الذي يفهم أدواته، ويعرف جمهوره، ويجيد إدارة النجوم والإنتاجات الضخمة، ويدرك لغة السوق، ويعرف كيف يصنع فيلمًا ناجحًا، ثم يمنحه قدرًا كافيًا من الإبهار البصري والتقني.

وقد أتقن مخرجون كبار هذه المعادلة لسنوات، ومن أبرزهم شريف عرفة.

لكن المشكلة، من وجهة نظري، تبدأ عندما تصبح الحرفة هي المشروع، بدلًا من أن تكون الحرفة أداة في خدمة مشروع فني أكبر.

وهنا أصل إلى المرحلة الأهم في تجربة مروان حامد.

أحمد مراد.. حين أصبحت الحرفة صيغة شبه ثابتة

جاءت الشراكة الفنية بين مروان حامد والروائي والسيناريست أحمد مراد لتقدم صيغة بدت شديدة الملاءمة لأدوات المخرج.

كتابات أحمد مراد تعتمد بدرجة كبيرة على التشويق والحبكة والأسرار والمفاجآت والإيقاع السريع، وهي عناصر تمتلك قابلية واضحة للتحول إلى سينما جماهيرية تقوم على الإثارة والإبهار البصري.

ومن هذه الشراكة خرجت مجموعة من الأعمال، من بينها «الفيل الأزرق» بجزأيه، و«الأصليين»، و«تراب الماس»، وصولًا إلى «كيرة والجن».

ولا يمكن إنكار النجاح الجماهيري والتجاري لهذه التجربة، كما لا يمكن تجاهل المستوى التقني والبصري الذي قدمته.

بل إنها أكدت أن مروان حامد أصبح واحدًا من أبرز المخرجين المصريين قدرة على صناعة الفيلم الجماهيري المتقن بصريًا وتقنيًا.

لكن السؤال الذي يعنيني ليس: هل أفلام مروان حامد ناجحة؟ نعم، كثير منها ناجح.

السؤال بالنسبة لي هو: هل ما زال مروان حامد يغامر فنيًا بالقدر الذي كنا نتوقعه من ذلك الشاب الذي ظهر في «لي لي»، ثم فاجأنا بـ«عمارة يعقوبيان»؟

أم أنه اكتشف معادلة تحقق النجاح، فأصبح أكثر اطمئنانًا إلى تكرار عناصرها؟

«كيرة والجن».. عندما تقدمت الفرجة على الإنسان

في «كيرة والجن» بدا أن مروان حامد يمتلك مشروعًا يمكن أن يكون أكثر ثراءً.

فنحن أمام فترة شديدة الخصوبة في التاريخ المصري، وأمام شخصيات وأحداث مرتبطة بلحظة سياسية واجتماعية وإنسانية بالغة الأهمية، وفي القلب منها شخصية الطبيب أحمد عبد الحي كيرة.

لكن الفيلم، رغم ضخامة إنتاجه وجودة تنفيذه، بدا لي في النهاية أقرب إلى فيلم أكشن تاريخي ضخم منه إلى عمل يغوص بعيدًا في شخصياته وتحولاتها النفسية والإنسانية.

تقدمت مشاهد الحركة والمطاردات والمعارك على مساحة كان يمكن منحها لتطور الشخصيات وأسئلتها الداخلية وصراعاتها الإنسانية.

فالفيلم التاريخي لا يعيش طويلًا في الذاكرة بسبب ضخامة المعارك وحدها، وإنما بسبب الإنسان الموجود وسط هذه المعارك.

وبدا لي أحيانًا أن مروان يثق في أدواته البصرية أكثر من ثقته في قدرة الشخصية الإنسانية نفسها على حمل المشهد.

وهنا يصبح السؤال عن «المشروع» أكثر إلحاحًا.

فالمخرج صاحب المشروع لا يكتفي بأن يجعل المشهد مبهرًا، وإنما يجعله ضروريًا؛ ضروريًا لفهم الشخصية، أو تطورها، أو الصراع الذي يدور داخلها.

«الست».. هل نحتاج إلى مروان آخر؟

ثم جاءت تجربة «الست»، عن سيرة أم كلثوم وبطولة منى زكي.

وهنا يصبح النقاش أكثر حساسية وإلحاحًا؛ لأننا أمام واحدة من أهم الشخصيات في التاريخ الفني والثقافي لمصر والعالم العربي.

شخصية بحجم أم كلثوم لا تحتاج فقط إلى فيلم جيد الصنع، وإنما إلى رؤية سينمائية كبيرة تليق بحجمها وتأثيرها وتعقيد تجربتها الإنسانية والفنية.

يمتد الفيلم لنحو 161 دقيقة، ومع ذلك بدا لاهثًا في محاولته المرور على محطات عديدة من حياة أم كلثوم.

وقد تبدو هذه مدة طويلة بمقاييس العرض السينمائي، لكنها تصبح محدودة عندما نحاول اختزال سيرة بهذا الثراء والتعقيد في فيلم واحد، خصوصًا إذا كان الهدف تقديم رحلة إنسانية وفنية متكاملة، لا مجرد المرور على أشهر محطات الحياة.

ولهذا بدت بعض المراحل وكأنها ومضات متتابعة، لا تحصل الشخصيات والأحداث خلالها على المساحة الكافية لكي تنضج دراميًا أمام المشاهد.

منى زكي والمسافة مع أم كلثوم

أما منى زكي، فلا يمكن إنكار اجتهادها وإحساسها العالي بالشخصية ورغبتها الواضحة في الاقتراب منها.

لكن الاختلاف الكبير في الملامح، إلى جانب المكياج الذي لم ينجح، في رأيي، في إتمام التحول المطلوب، خلق مسافة بين الممثلة والشخصية التاريخية التي تؤديها.

وهذه المسافة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشخصية يعرف الجمهور وجهها وصوتها وحركاتها، ويحمل لها صورة راسخة في ذاكرته.

فالمشاهد هنا لا يرى الممثلة فقط، وإنما يقارن ــ ربما دون قصد ــ بين ما يراه على الشاشة وبين صورة أم كلثوم التي عاش معها طويلًا.

ومع ذلك، لا أعتقد أن مشكلة «الست» تكمن في منى زكي وحدها.

المسألة، في تقديري، ترتبط قبل ذلك باختيار المعالجة نفسها، وبالإيقاع الذي تحرك به الفيلم بين محطات حياة شخصية بحجم أم كلثوم.

وهنا يعود السؤال الذي يطاردني منذ مشاهدة الفيلم:

هل كان مروان حامد يحتاج إلى أن يصنع فيلمًا عن أم كلثوم، أم كان يحتاج إلى أن يعيد اكتشاف نفسه من خلال أم كلثوم؟

أين مروان الذي وعدنا به؟

هذا هو جوهر ملاحظتي على تجربة مروان حامد. أنا لا أراه مخرجًا فاشلًا، ولا حتى مخرجًا عاديًا. على العكس تمامًا. مروان حامد مخرج موهوب، شديد الحرفية، يمتلك حسًا بصريًا مميزًا، ويعرف كيف يدير الإنتاجات الضخمة والنجوم، وكيف يصنع مشاهد جماهيرية، ويحول النصوص المعقدة إلى أفلام قابلة للمشاهدة والنجاح.

لكنني أراه اليوم أقرب إلى «الصنايعي الشاطر» منه إلى ذلك «المشروع الفني الواعد» الذي رأيته في بداياته. والفرق بين الاثنين، بالنسبة لي، كبير.

الصنايعي الشاطر يعرف كيف يصنع فيلمًا جيدًا.أما المخرج صاحب المشروع، فيعرف لماذا يريد أن يصنع هذا الفيلم تحديدًا؛ وما الذي يريد أن يقوله من خلاله؛ وما الذي سيضيفه هذا العمل إلى السينما، وإلى الجمهور، وإلى تجربته هو كمبدع.

الحرفة يجب أن تخدم الرؤية

ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لمروان حامد لكي يعيد النظر في تجربته، ويبتعد ــ ولو مؤقتًا ــ عن المنطقة التي أتقنها إلى درجة كبيرة.

أن يغامر. أن يبحث عن موضوعات جديدة، وكتاب مختلفين، وربما نصوص أقل ضمانًا للنجاح الجماهيري وأكثر تحديًا لقدراته.

وأن يسمح لنفسه، إذا تطلب الأمر، بأن يفشل مرة أو مرتين، إذا كان ثمن ذلك أن يعثر على صوته السينمائي من جديد.

ليس مطلوبًا منه أن يتخلى عن نجاحه التجاري، ولا عن براعته التقنية، ولا عن قدرته على صناعة الفرجة. على العكس، فهذه نقاط قوة نادرة يجب الحفاظ عليها.

لكن المطلوب أن تصبح الحرفة في خدمة الرؤية، لا أن تحل محلها.

مروان حامد الذي شاهدته في «لي لي»، ثم في «عمارة يعقوبيان»، كان يعدنا بشيء أكبر من مجرد مخرج يعرف كيف يصنع فيلمًا ناجحًا.

كان يعدنا بمخرج له صوت خاص.

وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أعتقد أن هذا المخرج موجود بداخله.

ولهذا، فإن هذه الكلمات ليست حكمًا نهائيًا على تجربة مروان حامد بقدر ما هي دعوة إلى إعادة اكتشافها.

فأنا لا أريد من مروان حامد فيلمًا ناجحًا آخر فحسب. أريد منه أن يفاجئني من جديد.

أريد أن أرى ذلك الشاب الذي دخل السينما في الرابعة والعشرين بفيلم قصير مأخوذ عن يوسف إدريس، ولفت الانتباه في مهرجان أوروبي، ثم عاد بعد سنوات قليلة بـ«عمارة يعقوبيان»، وكأنه يقول للجميع: أنا هنا.. ولي رؤيتي الخاصة.

ذلك المخرج ما زلت أراه في مروان حامد. فقط أتمنى أن يعيد هو أيضًا اكتشافه.

اقرأ أيضا:
«محمد رمضان… الطموح الذي لا يخشى الفشل» 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق