الشهرة أم المعرفة؟ كيف صنعت السوشيال ميديا خبراء الصحة الوهميين

0 49

محمد غنيم

في الأزمنة القديمة كان الإنسان يبحث عن الحكيم في المعابد والجامعات ومجالس العلماء، أما اليوم فقد أصبح يبحث عنه في شاشة هاتف لا يتجاوز حجمها راحة اليد.

وبينما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فرصة غير مسبوقة لتبادل المعرفة ونشر الوعي، فقد فتحت في الوقت ذاته الباب واسعاً أمام ظاهرة خطيرة تتمثل في صناعة “الخبراء الوهميين” الذين يتحدثون في الطب والصحة والتغذية والنفس البشرية دون علم أو اختصاص.

القضية لم تعد مجرد مخالفة قانونية أو انتحال صفة مهنية، بل أصبحت سؤالاً فلسفياً يتعلق بطبيعة الحقيقة نفسها في العصر الرقمي. فهل ما نراه حقيقة أم مجرد صورة مصممة بعناية؟ وهل أصبحت الشهرة بديلاً عن المعرفة، وعدد المتابعين بديلاً عن المؤهلات العلمية؟

لقد أدرك الفيلسوف الفرنسي جان بودريار مبكراً خطورة عالم الصور عندما تحدث عن “الواقع الفائق”، وهو عالم تصبح فيه الصورة أكثر تأثيراً من الحقيقة ذاتها.

وهذا ما نشهده اليوم بوضوح؛ فالمؤثر الذي يقف أمام كاميرا احترافية ويرتدي معطفاً أبيض ويتحدث بثقة،قد يبدو للجمهور أكثر إقناعاً من طبيب قضى سنوات طويلة في الدراسة والبحث العلمي. هنا لا تنتصر الحقيقة، بل تنتصر الصورة والخرافة.

إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود المحتالين فقط، فالتاريخ الإنساني عرف الدجالين في كل عصر، وإنما في وجود جمهور مستعد لتصديقهم.

فكلما ضعفت الثقافة العلمية وقلّ التفكير النقدي، ازدادت قابلية المجتمع للوقوع في فخ الوهم.

ولعل أخطر ما في وسائل التواصل الاجتماعي أنها لا تكافئ الحقيقة دائماً، بل تكافئ الجاذبية والإثارة والقدرة على جذب الانتباه، حتى لو كان المحتوى مضللاً أو زائفاً.

من هذا المنطلق يمكن فهم وقائع انتحال صفة الأطباء وخبراء التغذية التي تتكرر بين الحين والآخر.

فهؤلاء لا يصنعون أنفسهم وحدهم،بل تصنعهم بيئة رقمية تمنح الثقة لمن يجيد العرض أكثر ممن يمتلك المعرفة. إنهم أبناء عصر أصبحت فيه الخوارزميات حكماً علىالشهرة، لا على العلم.

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط دعا الإنسان إلى استخدام عقله بشجاعة، وجعل من التفكير المستقل أساساً للحرية.

واليوم تبدو هذه الدعوة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمتابع ليس مجرد مستهلك للمحتوى، بل مسؤول أخلاقياً عن التحقق مما يراه ويسمعه، خاصةعندما يتعلق الأمر بصحته وحياته.

إن المعطف الأبيض ليس قطعة قماش، بل رمز للعلم والمسؤولية والأمانة المهنية.

وعندما يتحول إلى أداة للخداع، فإن الضرر لا يصيب المرضى فقط، بل يمتد ليهز الثقة المجتمعية في المؤسسات العلمية والطبية بأكملها.

لذلك فإن مواجهة ظاهرة “الأطباء الوهميين” لا تكون بالقانون وحده، رغم أهميته، بل تبدأ ببناء وعي نقدي يجعل الإنسان قادراً على التمييز بين الحقيقة ومظهرها، وبين العلم وصورته التسويقية.

ففي عصر السوشيال ميديا لم يعد السؤال: من يتحدث؟ بل أصبح السؤالالأهم: بأي علم يتحدث؟ وما الدليل على ما يقول؟

إن معركة المستقبل ليست بين الحقيقة والكذب فقط، بل بين المعرفة والوهم، وبين العقل والصورة. وفي هذه المعركة يظل الوعي هو اللقاح الوحيد الذي لا يمكن تزويره.

اقرأ أيضاً:
حين تتراجع المعرفة: من يقود المجتمع؟ 

Visited 6 times, 8 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق