«أسد».. فيلم انتصر بصريًا أكثر مما انتصر دراميًا هل تفوقت الصورة على الحكاية؟

0 50

كتب: أحمد السيد رفعت

قبل أن يطل فيلم «أسد» على شاشات السينما في مايو 2026، أحاطت به هالة واسعة من الترقب. فمنذ الإعلان عنه، بدا واضحًا أن محمد رمضان لا يتعامل معه بوصفه عملًا جديدًا يُضاف إلى رصيده فحسب، وإنما باعتباره مشروعًا سينمائيًا استثنائيًا يستحق المغامرة والتفرغ.

وبعد النجاح الجماهيري الكبير لمسلسل «جعفر العمدة» في رمضان 2023، قرر رمضان الابتعاد عن الدراما التلفزيونية، والتفرغ للفيلم الذي وصفه بأنه يحتاج إلى جهد استثنائي، نظرًا إلى ضخامته الإنتاجية والفنية. وظل غائبًا عن الشاشة الصغيرة منذ ذلك الحين، حتى وصل «أسد» إلى دور العرض.

أما المخرج محمد دياب، العائد إلى السينما المصرية بعد تجربته العالمية مع شركة «مارفل» وإخراجه عددًا من حلقات مسلسل «Moon Knight»، فقد تحدث عن رحلة طويلة من الكتابة والتحضير، مشيرًا إلى أن إعداد السيناريو استغرق نحو ست سنوات، في محاولة لصناعة تجربة مختلفة على المستويين البصري والدرامي.

طموح يتجاوز الحدود المحلية

لم يتوقف طموح صناع الفيلم عند حدود السوق المحلية؛ ففي عام 2025، أعلن محمد رمضان أن «أسد» سيشارك في جولة بعدد من المهرجانات الدولية، وتحدث عن عرضه أولًا في برلين قبل طرحه تجاريًا.

ورغم أن تلك الخطة لم تتحقق بالصورة التي أُعلنت آنذاك، فإن التصريحات كشفت عن حجم الرهان الذي أحاط بالمشروع منذ بدايته، وعن رغبة واضحة في تقديم فيلم قادر على الوصول إلى الجمهور خارج مصر والمنطقة العربية.

بين الإيرادات والجدل

بعد سلسلة من التأجيلات، بدأ العرض التجاري للفيلم في مصر خلال مايو 2026، محققًا إيرادات لا بأس بها. لكنه وجد نفسه في مواجهة أزمة أخرى خارج الشاشة، بعد تراجع عدد دور العرض المخصصة له، وما أعقب ذلك من اعتراضات من الجهة المنتجة انتهت بسحب الفيلم من بعض الصالات.

وبعيدًا عن معركة شباك التذاكر، تظل هناك معركة أكثر أهمية تدور داخل الفيلم نفسه: هل ارتقت دراما «أسد» إلى مستوى صورته؟

هل تناول الفيلم ثورة الزنج؟

 

منذ الإعلان عن العمل، ربط بعض المتابعين بينه وبين «ثورة الزنج»، إحدى أخطر الثورات التي شهدها العصر العباسي، والتي اندلعت في جنوب العراق بين عامي 869 و883 ميلادية، بقيادة علي بن محمد، المعروف بـ«صاحب الزنج».

لكن من الضروري التوقف عند حقيقة أساسية: «أسد» ليس فيلمًا عن ثورة الزنج.

فقد حسم المخرج محمد دياب هذا الجدل قبل العرض، مؤكدًا أن أحداث الفيلم تدور في القرن التاسع عشر، ولا تربطها صلة مباشرة بثورة الزنج.

وما يقدمه الفيلم ليس إعادة بناء لثورة تاريخية بعينها، ولا سيرة لعلي بن محمد، وإنما حكاية درامية متخيلة عن عبد يُدعى «أسد»، يعيش في عالم تحكمه العبودية والقسوة، قبل أن يقوده الظلم والحب والصراع مع أسياده إلى التمرد والثورة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين التاريخ بوصفه مادة يستلهمها الفيلم، والتاريخ بوصفه موضوعًا مباشرًا له. فـ«أسد» لا يسعى إلى أن يكون كتابًا تاريخيًا مصورًا، وإنما يستخدم العبودية في مصر خلال القرن التاسع عشر إطارًا لبناء عالم درامي يناقش القهر والحرية والتمرد.

لكن هذا الاختيار يضع الفيلم أمام مسؤولية مختلفة؛ فإذا لم يكن هدفه إعادة رواية واقعة تاريخية، فإن نجاحه يصبح مرهونًا بقدرته على تحويل ذلك الإطار إلى تجربة إنسانية ودرامية مقنعة. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة.

«أسد» و«جذور».. تشابه في التيمة لا في الحكاية

عند الحديث عن العبودية والتمرد، تستدعي الذاكرة مسلسل «جذور» (Roots)، الذي عُرض في الولايات المتحدة عام 1977، وتتبع عبر أجيال قصة عائلة إفريقية، بدءًا من كونتا كنتي الذي أُسر وبيع عبدًا في أميركا، وصولًا إلى نهاية الحرب الأهلية.

تحول «جذور» إلى واحدة من أهم التجارب التلفزيونية التي تناولت تاريخ العبودية، لأنه لم يكتف بعرضها بوصفها مرحلة تاريخية، وإنما قدّمها من خلال مصائر إنسانية تركت أثرًا عميقًا لدى المشاهد.

ولا تعني المقارنة بين «أسد» و«جذور» أن الفيلم مقتبس من المسلسل، أو أن هناك تشابهًا مباشرًا في الأحداث والشخصيات؛ فالزمان مختلف، والمكان مختلف، والحكاية كذلك.

إنما يكمن التشابه في التيمة الإنسانية: إنسان يفقد حريته، ومنظومة قهر تحوله إلى ملكية، وعنف يُمارس ضده، ثم مقاومة يسعى من خلالها إلى استعادة كرامته وإنسانيته.

لكن «جذور» جعل من هذه التيمة تجربة إنسانية عميقة، وربط التاريخ بمصائر شخصيات محددة، فكانت العبودية تُرى من خلال الإنسان قبل أن تُرى من خلال الصورة.

ومن هنا يفرض السؤال نفسه في حالة «أسد»: هل نجح الفيلم في جعل الإنسان أهم من المشهد؟

عين على العالم وأخرى على الدراما

منذ البداية، بدا أن «أسد» يحمل طموحًا يتجاوز حدود الفيلم الجماهيري التقليدي. فقد أشارت تصريحات محمد رمضان عن المهرجانات الدولية، وتجربة محمد دياب العالمية، وضخامة الإنتاج وتصميم المعارك والديكورات والملابس، إلى مشروع يراهن على الوصول إلى جمهور أوسع.

وهنا يبرز سؤال مشروع ينبغي طرحه بوصفه تساؤلًا نقديًا لا اتهامًا: هل كان الفيلم يخاطب المشاهد العالمي ولجان المهرجانات بالقدر نفسه الذي يخاطب به الجمهور المصري والعربي؟

لا يوجد ما يثبت أن «أسد» صُمم خصيصًا للجمهور الغربي، وسيكون من الظلم تقديم ذلك باعتباره حقيقة. لكن الطموح الدولي المعلن يمنحنا الحق في التساؤل عن تأثير هذا الطموح في اللغة السينمائية للعمل.

فعندما يسعى المخرج إلى تقديم حكاية محلية بلغة عالمية، فإنه يواجه معادلة شديدة الصعوبة: كيف يحافظ على خصوصية الحكاية، ويجعلها في الوقت نفسه مفهومة ومؤثرة لدى مشاهد قد لا يعرف تاريخها أو ثقافتها؟

ويبدو أن «أسد» اختار مواجهة هذه المعادلة بالرهان بقوة على الصورة.

حين تتفوق الصورة على الحكاية

من الصعب إنكار ما يمتلكه «أسد» من قيمة بصرية واضحة. فالديكورات والملابس وتصميم المعارك وحركة الكاميرا والتكوينات والإضاءة وإعادة بناء العالم التاريخي، جميعها تكشف عن مشروع إنتاجي ضخم ومدروس.

لكن السينما لا تُقاس بجمال الكادر وحده.

قد تدهشنا الصورة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعلنا نحب شخصية. وقد تثير المعركة حماسنا، لكنها لا تكفي كي تجعلنا نخشى على مصير من يخوضها. كما قد يقنعنا الديكور بأننا انتقلنا إلى زمن آخر، لكنه لا يمنح الشخصية تاريخًا داخليًا يجعلنا نفهم دوافعها وتحولاتها.

الدراما وحدها قادرة على فعل ذلك.

وفي بعض لحظاته، يبدو أن «أسد» يمتلك صورة أكبر من الحكاية التي تتحرك داخلها. فالشخصيات والصراعات والحب والقهر والثورة كلها حاضرة، لكن بعض التحولات الدرامية كانت تحتاج إلى مساحة أوسع، حتى نشعر بها بدلًا من الاكتفاء بمشاهدتها.

نرى «أسد» يتحول إلى متمرد، لكن هل عشنا هذا التحول معه بما يكفي؟

ونشاهد القهر الذي يتعرض له، لكن هل ارتبطنا بالإنسان الواقع تحت هذا القهر بالقدر نفسه الذي انبهرنا فيه بالعالم البصري المحيط به؟

المشكلة، إذن، ليست في أن الفيلم اهتم بالصورة أكثر مما ينبغي، وإنما في أن الصورة جاءت مبهرة إلى درجة جعلت مواطن الضعف الدرامي أكثر وضوحًا.

فيلم استحق دراما أكبر

تكمن المفارقة الأساسية في «أسد» في أنه ليس فيلمًا فقيرًا بصريًا يحاول إخفاء ضعفه بالزخرفة؛ بل العكس تمامًا. فهو يمتلك طموحًا واضحًا وبناءً بصريًا ضخمًا وتجربة إنتاجية تستحق التقدير.

لكنه يدفع المشاهد، في بعض لحظاته، إلى التساؤل عن الفيلم الذي كان يمكن أن يصبحه لو امتلك نصًا وحوارًا وشخصيات بالقوة نفسها التي امتلكتها الصورة.

لذلك، فإن وصف «أسد» بأنه فيلم سيئ سيكون حكمًا مبسطًا وظالمًا، تمامًا كما أن الاكتفاء بالاحتفاء بجمالياته البصرية يمثل قراءة ناقصة.

الفيلم تجربة مهمة؛ لأنه يحاول كسر الشكل المألوف في السينما المصرية، ويغامر بدخول منطقة إنتاجية وبصرية مكلفة ونادرة. لكنه يثبت في الوقت نفسه أن الطموح العالمي لا يعفي العمل من أبسط قواعد الدراما، بل يجعله أكثر احتياجًا إليها.

فالفيلم الذي يريد الذهاب إلى العالم لا يحتاج فقط إلى صورة يستطيع العالم فهمها، وإنما يحتاج أولًا إلى حكاية تجعل العالم يهتم بها.

لم تكن مشكلة «أسد» أنه أراد أن يكون فيلمًا عالميًا؛ بل إن مشكلته المحتملة تكمن في امتلاكه صورة عالمية أكثر مما امتلك دراما تليق بها.

اقرأ أيضا:
مروان حامد.. من مشروع مخرج واعد إلى «صنايعي شاطر»
«محمد رمضان… الطموح الذي لا يخشى الفشل»

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق