تفنيد وهم اللغة القبطية: رحلة في التاريخ واللغة مع الدكتور يوسف زيدان

597

فرشوطي محمد

في عالم متلاطم يعج بالمفاهيم والتصورات المختلفة، يظهر الوهم أحيانًا بشكل ملفت على أذهان الناس، ليجعلهم يصدقون فيه حقائق خيالية. هذا الوهم، الذي يتكرر على الأسماع، ينبثق أحيانًا من مصادر غير موثوقة، وقد ينشأ عن عدم التوضيح والفهم الصحيح للأمور. ومن هذا المنطلق، يقف الدكتور يوسف زيدان ليكشف عن إحدى هذه الأوهام التي انتشرت في السنوات الأخيرة بين المصريين، والتي تتعلق بمفهوم “اللغة القبطية”.

سيقوم هذا المقال بتفكيك هذا الوهم وتوضيح الحقائق التاريخية واللغوية التي تكمن وراءه. من خلال رؤية الدكتور يوسف زيدان وإضاءته على الأحداث التاريخية والمفاهيم اللغوية، سنستعرض سويًا كيف نشأت هذه الأفكار الخاطئة حول اللغة وما هو واقع الأمور في هذا السياق.

في البداية أوضح الدكتور يوسف زيدان إن فهم الأصول اللغوية والتاريخية للغة القبطية، ومدى ارتباطها بالأمور الدينية والثقافية، يمكن أن يساهم في تصحيح الأفكار الخاطئة والتصورات الزائفة. لذا، دعونا نستمع إلى صوت العلم والبحث الدقيق، من خلال كلمات الدكتور يوسف زيدان، لنتعرف على الحقائق التي قد تغير وجهة نظرنا حول هذا الموضوع المهم.

وتابع الدكتور:مع تكرار الوهم على الأسماع، ظن الناسُ أن الوهم حقيقة. ليس هناك فى واقع الأمر شىء اسمه “اللغة القبطية” وإنما هى خرافة تكررت فى السنوات الأخيرة على مسامع المساكين، حتى ظن هؤلاء أن هناك حقاً ما يسمى باللغة القبطية! والأمر صوابه الآتى:

في بدايات مصر القديمة كان الناس يستعملون لغتين، الأولى في الكتابات المقدسة بالمعابد، وهى التى أسماها اليونانيون “اللغة الهيروغليفية” وهى لغة معقدة وعميقة. والأخرى مخففة بسيطة، استعملها الناس والكهنة (كهنة آمون) وسُميت باليونانية: الهيراطيقية.

وقد تزامن استعمال اللغتين في مصر القديمة (جداً) فكانت الهيروغليفية هى اللغة الرسمية المقدسة التى نقشت على المسلات والجدران، والهيراطيقية هى اللغة المستعملة في الحياة اليومية، وكانت تكتب على أوراق البردى.

وأكد الدكتور بقوله: ففي حقيقة الأمر، فالهيروغليفية والهيراطيقية ليستا لغتين، وإنما هما طريقتان في الكتابة. ولكن كثيرين ظنوا أنهما لغتان مختلفتان، وهذا غير صحيح، لأن اللغة في حقيقة أمرها، هى (الأصوات) التى يستعملها الناس، وهناك فرق بين المنطوق (اللغة) والمدوَّن (الكتابة).

فقد تتغير طريقة الكتابة، وتبقى اللغة على حالها. مثلما حدث في تركيا بعد ثورة أتاتورك، حيث كان الأتراك يكتبون لغتهم بالحروف العربية، ثم صاروا يكتبونها بالحروف اللاتينية.. لكن (اللغة التركية) بقيت كما هى على الحالين.

وأشار زيدان بالقول: “وفى القرن السابع قبل الميلاد، استعمل الناس في مصر، طريقة أخرى في الكتابة، هى التى صارت تسمى (الديموطيقية).. وفى القرن الثالث قبل الميلاد، تطورت هذه الطريقة وصارت تسمى اعتباطاً (القبطية) وهى تسمية لا دلالة لها، لأن (قبطية) تعنى مصرية! وهذه كلها خطوط مصرية (قبطية).”

وأكد الكاتب الكبير علي أن هذه (اللغة) أو بالأحرى (طريقة الكتابة) ظهرت قبل ظهور المسيحية بثلاثة قرون من الزمان! لكن كثيرين منا اليوم، نحن المصريين، يعتقدون أن هذه (القبطية) هى لغة الكنيسة .

وأكد الدكتور قائلاً: يقوم بعضهم بأمر مضحك، هو التكلم بها في بيوتهم! ظناً بأنهم ما داموا مؤمنين “الإيمان القويم” فإن الواجب عليهم أن يتكلموا هذه اللغة المزعومة! وقد خدعهم بعض رجال الدين، وشجعوهم على هذا الفعل. وكتموا عنهم أنها (لغة) لا ارتباط لها بالدين .

وهى فى حقيقة الأمر- وبحسب مصطلحاتهم- لغة وثنية بدأت قبل ابتداء (الديانة) بزمن طويل.. ولو أراد هؤلاء (المتدينون الجدد) أن يستعملوا لغة دينية مسيحية، فعليهم التكلم فيما بينهم باللغة الآرامية (السريانية القديمة) لأنها اللغة التى تحدث بها السيد المسيح.

وتابع :الآرامية (السريانية) لغة، واليونانية لغة، والعربية لغة.. أما هذه القبطية المزعومة، فهى ليست لغة أصلاً. وإنما هى طريقة فى الكتابة، لجأ إليها المصريون (الوثنيون) بعد الاحتلال اليونانى لمصر، واستقرار الحكم البطلمى فيها.. وهى كنظام كتابة (ملفق) يضم أربعة وعشرين حرفاً يونانياً، وسبعة أحرف مصرية قديمة.

واستعمل الناس هذه الطريقة فى الكتابة حتى مرت عدة قرون، ثم دخل المصريون كغيرهم من الشعوب المجاورة فى الديانة المسيحية. وفى الإسكندرية (آهٍ من الإسكندرية) ربط رجال الدين المسيحى، فى القرن الثالث الميلادى، بين الديانة وهذه الطريقة فى الكتابة.

وفى منتصف القرن الخامس الميلادى، غضب رجال الكنيسة فى مصر على كنيسة اليونان (الملكانيين = الروم الأرثوذكس) فقرروا أن يستعملوا فى الصلوات وكتابة الأدعية الدينية اللغة القبطية! فتأكد في نفوس الناس الوهم القائل إن هذه المسماة (اللغة القبطية) هى لغة دينية.. ومع تكرار الوهم على الأسماع، ظن الناسُ أن الوهم حقيقة.

وأخيراً، أكد زيدان بالقول: فى الحقيقة، فأوراق البردى لا تضم فى معظمها نصوصاً قبطية، مثلما توهَّم المعترض. بل أقل القليل من البرديات، هو الذى كُتب بالطريقة المسماة (القبطية)..فضلاً عن أن المصريين فى الزمن المسمى اعتباطاً (القبطى) لم يقدموا أى إبداعات أو نصوصاً علمية أو أدبية أو فكرية، حتى تضمها البرديات المصرية المكتوبة فى هذه الفترة.. ولا نكاد نجد فيها إلا الأناجيل (الرسمية والممنوعة) والصلوات والأدعية.

التاريخ (الرسمى) فهو ملىء بالأكاذيب والتلوينات التى تخدم مصالح الذين كتبوه والذين يروِّجون له.

اقرأ للدكتور يوسف زيدان
رؤية جديدة للتاريخ والدين: منطق يوسف زيدان في فهم الأحداث
رواية ‘الوراق’ ليوسف زيدان: استكشاف رحلة العالم القدير أبو الحسن علاء الدين ابن النفيس في زمن التحولات والبحث عن معنى الوجود”

طه حسين واحدٌ من أهم عباقرة زماننا المعاصر.. الدكتور يوسف زيدان وأفكار مستوحاة من رموزنا الخالدين

يوسف زيدان :لم يرد فى القرآن حكم بقتل المرتد و الناس لا يختارون دينهم، و إنما يرثونه من آبائهم
“يوسف زيدان” التاريخ الرسمى ملىء بالأكاذيب والتلوينات التى تخدم مصالح الذين كتبوه

تلقى من 7 إلى 10 طعنات  ..”مؤلف آيات شيطانية” على قيد الحياة ويتلقى الرعاية التي يحتاجها في المستشفى”.
الدكتور يوسف زيدان:المتأسلمين والمتأقبطين كهنةً يوجِّهون العقول بإطلاق البخور وإهداء المسابح

يوسف زيدان :النبى، رغم تسامحه، دعا يومَ فتح مكة إلى قتل أربعة رجال وامرأتين (حتى وإن تعلَّقوا بأستار الكعبة)
يوسف زيدان:مفهوم «الإيمان» صار اليوم من أهم المفاهيم وأكثرها خطورة، وهو ما يقتضى البحث فيه بإمعان.

يوسف زيدان: السعودية تشييع جنازة الوهابية ومصر تستقبلها بالترحيب ومباركة المعمَّمين 

زيدان” يرد على منتقديه: إلى متى سيبقى هؤلاء المرضى يجوبون وسائل التواصل الاجتماعي ويشوِّشون على كل نقاشٍ مجتمعي ؟

يوسف زيدان: فجاجة انتقاد النبى محمد صلى الله عليه وسلم، بسبب كثرة زوجاته

الحضارة العربيةُ الإسلاميةُ ، فى أساسها العميق حضارةٌ روحية والحضارة الأوروبية قامت علي العقل ونهب ثروات الشعوب غير الأوروبية

جند عمرو بن العاص تنازعوا فيما بينهم لإحتلال بيوت اﻹسكندرانيين و سبى ذرية ساكنيها

يوسف زيدان :الدولة الدينية في الإسلام خرافة.. و الشريعة ليست كتالوجاً يجب الالتزام به

يوسف زيدان يا قوم .. كفاكم هَرَجًا وسَبَهْلَلةً :المعراج ليس موجود في القرأن

يوسف زيدان :رأى المسيحيون أن «يسوع» هو المسيح المخلِّص من الخطيئة الأولى، فآمنوا به

يوسف زيدان يعلق علي طعن سلمان رشدى: قصة الآيات الشيطانية وحديث الغرانيق، موجودة منذ ألف سنة في تراثنا الإسلامي

يوسف زيدان :اسطورة المخلص فكرة يهودية

 

Visited 158 times, 1 visit(s) today

التعليقات متوقفه