الحضارة العربيةُ الإسلاميةُ ، فى أساسها العميق حضارةٌ روحية والحضارة الأوروبية قامت علي العقل ونهب ثروات الشعوب غير الأوروبية

1٬176

الدكتور يوسف زيدان

الأَسَاسُ الرُّوحىُّ

لكل حضارة إنسانية أُسس تقوم عليها . فالحضارة الأوروبية الحديثة قامت على أُسسٍ مثل : العقل والمنهج ، محاولة السيطرة على الطبيعة ، نهب ثروات الشعوب غير الأوروبية ، الرأسمالية الصناعية .. إلخ . بينما قامت الحضارة اليونانية القديمة على أُسس راسخة من : النزعة الفردية ، الفلسفة ، نظام دولة المدينة Polis City State / ، الألعاب الأوليمبية .. إلخ .

وإدراك روح كل حضارة إنسانية ، أمرٌ هامٌ ومهم ؛ فمن دون ذلك ، لايمكن تبيُّن صورة الشخصية العامة والسمات الأساسية لهذه الحضارة أو تلك .. فإن غامت الصورة ، غابت الرؤية ، وكان التعسُّر والتعثُّر ! يقول بعض الباحثين :

إنما تتعثَّر الحضارات لأن المفكرين فيها ، لايستطيعون أن يستشفوا روح حضارتهم ، وروح كُلٍّ من سائر الحضارات ، فلا يعرفون تفرقةً ولا يدركون تمييزاً بين ما يصحُّ أن يُقتبس وما يلزم الإعراض عنه .. نقطةُ البدء إذن فى كل نهضة ، أن يستشف المفكرون وقادة الرأى روح حضارتهم ومواهبها الكامنة ، وأن يفجِّروا الطاقات الخلاَّقة .. وبذلك يمكن الإفادة من التاريخ ، والإستفادة من دراسة الحضارات .

والحضارة  العربيةُ الإسلاميةُ ، فى أساسها العميق ، حضارةٌ روحية .. فقد ابتدأ بزوغ شمسُها من كتابٍ سماوىٍّ ظل على مَرِّ السنين، بمثابة النصِّ المحورى الذى انتقل به الناسُ من حالةٍ جاهلية إلى حالةٍ تحضُّرٍ طويل .. فكان القرآن الكريم طيلة تاريخنا الممتد ، معيناً لتوليد الدلالات لاينضب ، ولوحة ربَّانية لايكفُّ تذوُّقها . ومع الدلالات المتجدِّدة ، والأذواق ؛ تنوَّعت وتوالت التجلياتُ الحضارية فكراً وفناً .. وعلماً

فلم يقتصر دور المصحف الشريف على إنشاء وتطوير الأدب والنحو والتفسير ، وغيرها من علوم الدين وإنما تعدَّى دورُه الكبيرُ إلى علوم الدنيا ؛ فإذ يوجِّه القرآنُ النظرَ إلى السماء والنجوم، يتطوَّر علمُ الفلكِ عند المسلمين كعِلْمٍ مرغوبٍ مندوبٍ إليه .

وإذْ يحرِّمُ القرآنُ المسكرات ، ينشأُ عند أَهْل العِلْمِ مبحثٌ كاملُ (الأشربة) لدراسة التخمُّر وأثر الأوانى فى علمية التخْمير ، وغيرِ ذلك من النقاطِ المتعلِّقَةِ بصميم الطبيعةِ والكيمياء .. وإذْ يجرِّمُ بعضُ الفقهاءِ التصويرَ ، ويحرِّمون التزيين ! يخرجُ الفنانُ المسلمُ من هذا المأزق بالقرآن .. فيعكف عليه ، مُزخرفاً ، مُلوناً ، مُبدعاً أسمى آياتِ الفن الإسلامِىِّ الذى بدأ بأغلفة المصاحف .

ثم تجسَّد فى عمارةِ المساجدِ والدُّور والنوافذِ ؛ وهكذا كان المصحف هو الأصل الذى عنه تجلّى فـنٌّ كامِلٌ ارتبط بالحضارةِ العربية .. وهو الفن الذى يُقال له اليوم : الأرابيسك!

احتوى القرآنُ الكريم على الصور الجنينية للحياة الروحية فى الإسلام، إذ أفصحت آياتُهُ ، بقوة ، عن رابطةٍ خاصة ، متميِّزة ؛ تجمع العبد بربه .. هى الحب والمحبة . ومن بين أربعٍ وثمانين مرة ، وردت فيها كلمة الحب ومشتقَّاتها فى آى القرآن ؛ جاءت هذه الآياتُ مخبرةً عن حُبِّ الله لعباده ، وحُبِّهم إياه :

( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله )  . . (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين .) . . ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) . .    ( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) . . ( والله يحب المحسنين ) . . ( والله يحب الصابرين ) . . (والله يحب المطَّهَّرين ) . . ( إن الله يحب المتوكلين.) . . ( إن الله يحب المحسنين) . . (إن الله يحب المقسطي) . . ( إن الله يحب المتَّقين)

ثم تُخبر الآيات ، أن الحبَّ بين الله وعباده ، سيكون البديل الإلهى ، إذا ارتدَّ العوام عن الإسلام ! يقول تعالى :  يا أيها  الذين  آمنوا  مَنْ  يرتد  منكم  عن  دينه  فسوف  يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه )

والعجيب فى الأمر ، أن الحب الإنسانى ورد ذكره مرتين فى القرآن الكريم ، فى مقابل ستة عشرة آية عن الحب الإلهى .. وفى هاتين المرتين ، جاء ذكر الحب الإنسانى مرتبطاً بذكر الضلال المبين ! قال تعالى :

( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبة ، إن أبانا لفى ضلال مبين) . . ( وقال نسوةٌ  فى  المدينة  امرأة العزيز  تراود  فتاها  عن  نفسه  قد  شغفها  حباً  إنا لنراها  فى ضلال  مبين ) .

وقد يلقى الله على الناس، حُبَّه لعبدٍ من عباده  .. فيحبُّ الناسُ العبدَ المحبوب من الله ، بحبِّ الله له ! وإلى هذا المعنى أشارت الآية القرآنية التى خاطب الله فيها موسى بقوله : ( وألقيتُ عليك محبة منى ولتُصنع على عينى) وهو ما صرَّح به الحديث الشريف إذا أحبَّ الله عبداً من عباده  قال :

يا جبريل إنى أحبُّ فلاناً ، فأحبُّوه . فينادى جبريل فى السماوات : إن الله عز وجل يحبُّ فلاناً ، فأحبوه  . فيُلقى حُبَّه على أهل الأرض   فيُحبُّ )

ثم يصل الحب فى السيرة النبوية إلى ذرى عالية وآفاق رحيبة ، فيتوجَّه من القلب إلى الله .. ثم إلى خَلْقه ، بل يصير رابطة بين الإنسان والجماد ! وهو ما تجلَّى فى الحديث النبوى الوارد فى الصِّحَاح ، حيث رُوى أن النبى  غاب عن مكة ، وفى طريق عودته إليها رأى جبل أُحد .. فقال  : هذا جبلٌ يحبنا، ونحبه) .

ولا تكاد الأحاديث الشريفة الواردة فى الحب والمحبة تقع من كثرتها تحت الحصر .. وما يهمنا هنا ، هو الإشارة إلى أن بذرة المحبة فى القرآن وفى السيرة النبوية ، ما لبثت أن نمت ، وأثمرت ، فى أرض العلاقة بين العبد وربِّه ، لتكون أساساً تقوم عليه كافة الاتجاهات الروحية فى الإسلام .

ولاشك فى أن رابعة العدوية كانت من أهم الشخصيات التى قامت بدور كبير فى إنماء وإثمار هذا التوجُّه فى الرابطة بين الله والإنسان . وقد اشتهرت أبياتها – التى ينسبها البعض لذى النون المصرى) القائلة :

أُحبُّك حبين ، حبَّ الهـوى

وحبّاً لأنك أهـل لذاكا

فأما الذى هو حُبُّ الهوى

فشغلى بذكرك عما سواكا

فأما الذى أنت أهلٌ له

فكشفك الحجبَ حتى أراكا

فلا الحمدُ فى ذا، ولا ذاك لى

ولكن لك الحمدُ فى ذا ، وذاكا.

اقرأ للكاتب
يوسف زيدان يا قوم .. كفاكم هَرَجًا وسَبَهْلَلةً :المعراج ليس موجود في القرأن

يوسف زيدان: والدة عمرو بن العاص كانت من أصحاب الرايات ومن أرخص بغايا مكة أجرة

تعليق
  1. […] الحضارة العربيةُ الإسلاميةُ ، فى أساسها العميق حضارةٌ … […]

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق