وابل صاروخي في بحر اليابان.. رسالة كيم إلى ترامب بين الردع وفتح باب التفاوض
كتبت:بريجيت محمد
أطلقت كوريا الشمالية نحو عشرة صواريخ باليستية قصيرة المدى باتجاه بحر اليابان، في استعراض عسكري جاء بالتزامن مع مساعٍ أميركية لإعادة فتح قنوات الحوار بين الرئيس دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
وبحسب هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية، أُطلقت الصواريخ بصورة متزامنة من منطقة بيونغ يانغ مساء الخميس 20 أغسطس 2026، وقطعت مسافة تقارب 300 كيلومتر قبل سقوطها في المياه الواقعة شرق شبه الجزيرة الكورية.
وأكدت السلطات اليابانية رصد عمليات الإطلاق، مشيرة إلى أن المقذوفات سقطت خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، من دون تسجيل أضرار.
وعقد مجلس الأمن القومي الكوري الجنوبي اجتماعًا طارئًا عقب عمليات الإطلاق، داعيًا بيونغ يانغ إلى وقف تجارب الصواريخ الباليستية المحظورة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي. أسوشيتد برس
الإطلاق يتزامن مع دعوة ترامب للقاء كيم
جاء الاستعراض الصاروخي بعد ساعات من إعلان ترامب عزمه لقاء كيم جونغ أون قبل نهاية العام، في محاولة جديدة لإحياء مسار دبلوماسي متوقف منذ سنوات.
وقال ترامب إنه يعرف الزعيم الكوري الشمالي جيدًا، وإنه يتوقع عقد لقاء معه خلال عام 2026، لكنه لم يكشف عن موعد أو مكان محتمل للقمة.
وتدرس الإدارة الأميركية، وفق تقارير إعلامية، إمكانية ترتيب اللقاء خلال جولة آسيوية مرتقبة، إلا أن الاستعدادات الرسمية لم تبدأ بعد، كما لم تؤكد بيونغ يانغ موافقتها على عقد القمة.
وسبق أن التقى ترامب وكيم ثلاث مرات خلال ولايته الرئاسية الأولى، أبرزها قمة سنغافورة عام 2018، ثم قمة هانوي في فبراير 2019، التي انتهت من دون اتفاق بسبب الخلاف حول العقوبات ونزع السلاح النووي.
كيم يو جونغ تشكك في الاتصالات الأميركية
قابلت بيونغ يانغ حديث ترامب عن التواصل مع كيم جونغ أون بلهجة حذرة. وقالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وإحدى أبرز الشخصيات المؤثرة في النظام، إنها لا تعلم بوجود اتصالات حديثة بين شقيقها والرئيس الأميركي.
ومع ذلك، أكدت أن العلاقة الشخصية بين الرجلين لا تزال «ممتازة»، وأن كيم يحتفظ بذكريات إيجابية عن لقاءاته السابقة مع ترامب.
لكنها شددت في الوقت نفسه على أن العلاقات الشخصية لا تكفي لتغيير سياسة الدولة، معتبرة أن ما تصفه بيونغ يانغ بـ«السياسة الأميركية العدائية» لم يتبدل.
ويعكس هذا الخطاب استراتيجية كورية شمالية تجمع بين إبقاء باب التفاوض مواربًا ورفض تقديم أي تنازلات قبل حدوث تحول جوهري في موقف واشنطن.
تقليص مناورات «درع الحرية»
سبق إطلاق الصواريخ قرار أميركي بتقليص مناورات «أولتشي درع الحرية» السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
وبدأت التدريبات في 17 أغسطس، وكان من المقرر استمرارها حتى 27 من الشهر نفسه، قبل الاتفاق على إنهائها في 21 أغسطس، مع تقليص عدد من التدريبات الميدانية وإلغاء المرحلة الهجومية.
ويشارك في المناورات نحو 18 ألف جندي من كوريا الجنوبية، إلى جانب قوات أميركية لم يُعلن رسميًا عددها.
وجاء قرار التقليص استجابة لتوجيهات ترامب، الذي وصف المناورات بأنها مكلفة وترسل إشارة «عدائية» إلى كوريا الشمالية، مشيرًا إلى رغبته في تهيئة الأجواء لاستئناف الحوار مع كيم. يونهاب
لكن كيم يو جونغ قللت من أهمية هذه الخطوة، مؤكدة أن خفض مدة المناورات وحجمها لا يغير، من وجهة نظر بيونغ يانغ، طبيعتها «الاستفزازية والهجومية».
وقالت إن كوريا الشمالية لا تهتم بالإعلان الأميركي، وإن واشنطن لن تحصل على النتيجة التي ترغب فيها إذا حاولت تقديم التقليص بوصفه بادرة حسن نية.
لماذا أطلقت كوريا الشمالية الصواريخ الآن؟
يمكن قراءة الإطلاق من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة. يتمثل الأول في الرد التقليدي لبيونغ يانغ على المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، التي تصفها كوريا الشمالية باستمرار بأنها تدريب على غزو أراضيها.
ويتعلق البعد الثاني برغبة بيونغ يانغ في اختبار جدية ترامب ومدى استعداده لتقديم تنازلات إضافية قبل عقد أي قمة جديدة.
أما البعد الثالث فيرتبط باستراتيجية «دبلوماسية الصواريخ»، التي تعتمد فيها كوريا الشمالية على التصعيد العسكري لرفع ثمن التفاوض وتحسين موقعها قبل الدخول في محادثات سياسية.
ولا يعني استخدام صواريخ قصيرة المدى أن بيونغ يانغ اختارت أعلى درجات التصعيد. فلو أرادت توجيه رسالة أشد خطورة، لكان بإمكانها اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات أو سلاح قادر على الوصول إلى الأراضي الأميركية.
ومن هذه الزاوية، يبدو الوابل الصاروخي رسالة محسوبة: إظهار القدرة والرفض من دون إغلاق باب التفاوض بصورة كاملة.
«دبلوماسية الصواريخ» تعود إلى الواجهة
ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها كوريا الشمالية عمليات إطلاق متزامنة لإظهار قوتها العسكرية أو الضغط على خصومها.
وتلجأ بيونغ يانغ عادة إلى الصواريخ قصيرة المدى لإرسال رسائل مباشرة إلى كوريا الجنوبية واليابان والقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، بينما تستخدم التجارب بعيدة المدى عند رغبتها في رفع مستوى التهديد الموجه إلى واشنطن.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن كوريا الشمالية لا تريد العودة إلى المفاوضات من الموقع نفسه الذي دخلت منه محادثات 2018 و2019، إذ توسعت قدراتها الصاروخية والنووية، كما عززت تعاونها العسكري والسياسي مع روسيا.
لذلك، تسعى بيونغ يانغ إلى فرض معادلة تفاوضية جديدة تقوم على الاعتراف بها قوة نووية، بدلًا من العودة إلى محادثات هدفها النهائي التخلي الكامل عن ترسانتها النووية.
في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تعلن تمسكها بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وهو ما يمثل العقبة الأساسية أمام استئناف المفاوضات.
مخاوف داخل التحالف الأميركي الكوري
أثار قرار تقليص المناورات مخاوف بشأن مستوى الجاهزية العسكرية للتحالف بين واشنطن وسيول، خاصة مع استمرار تطوير كوريا الشمالية قدراتها الصاروخية واتساع تعاونها الدفاعي مع موسكو.
وتنظر بعض الأوساط السياسية والأمنية في كوريا الجنوبية بحذر إلى القرارات الأميركية المفاجئة، خشية أن تتحول المناورات المشتركة أو الوجود العسكري الأميركي إلى ورقة تفاوضية في محادثات مباشرة بين ترامب وكيم.
وتنشر الولايات المتحدة نحو 28,500 جندي في كوريا الجنوبية، في إطار اتفاق دفاعي يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الكورية.
ولا تزال الكوريتان في حالة حرب من الناحية التقنية، لأن حرب 1950-1953 انتهت باتفاق هدنة وليس بمعاهدة سلام دائمة.
هل يمهد التصعيد لقمة جديدة؟
لا يشير إطلاق الصواريخ بالضرورة إلى رفض كوريا الشمالية العودة إلى الحوار. ففي تجارب سابقة، سبقت عمليات التصعيد العسكري جولات تفاوضية بهدف تحسين شروط بيونغ يانغ ورفع سقف مطالبها.
كما أن تأكيد كيم يو جونغ استمرار العلاقة الشخصية الجيدة بين شقيقها وترامب يحمل إشارة إلى أن باب الاتصال لم يُغلق تمامًا، رغم تشكيكها في وجود محادثات حديثة.
غير أن نجاح أي قمة جديدة سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات التي أسقطت قمة هانوي، وفي مقدمتها مستقبل العقوبات الدولية، ومكانة كوريا الشمالية النووية، وحجم المناورات الأميركية الكورية الجنوبية.
ويكشف الوابل الصاروخي الأخير أن بيونغ يانغ لا تستقبل المبادرات الدبلوماسية بالصمت أو التنازل، بل بالقوة أولًا. والرسالة التي توجهها إلى ترامب تبدو واضحة: العلاقة الشخصية قد تفتح الباب، لكن الدخول إلى طاولة المفاوضات ستكون له شروط جديدة وثمن أعلى.