حين يتحول العظماء إلى ملائكة.. لماذا تخشى دراما السيرة الذاتية إظهار أبطالنا بشرًا؟
كتب: أحمد السيد رفعت
ثمة فارق كبير بين احترام الشخصيات العظيمة وتحويلها إلى كائنات مثالية لا تخطئ. ولعل هذه واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه دراما السيرة الذاتية في مصر والعالم العربي.
فعندما تتناول الدراما شخصية تركت أثرًا استثنائيًا في التاريخ أو الفن أو السياسة، سرعان ما تتحول في مخيلة الجمهور من إنسان يمتلك نقاط قوة وضعف إلى أسطورة مكتملة لا تحتمل النقد أو النقص.
ومن هنا يبرز السؤال: هل نريد أن نشاهد الإنسان الذي صنع التاريخ، أم الصورة الأسطورية التي صنعناها نحن عنه؟
بين السيرة والأسطورة
قدمت الدراما المصرية والعربية، على مدار عقود، أعمالًا عديدة تناولت شخصيات أصبحت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجماعية، بداية من مسلسل «الأيام» عن عميد الأدب العربي طه حسين، ومسلسل «أم كلثوم»، مرورًا بأفلام «ناصر 56» و«أيام السادات» و«حليم»، ووصولًا إلى مسلسلي «أسمهان» و«ممالك النار»، وأخيرًا فيلم «الست».
وعلى الرغم من تفاوت هذه الأعمال في مستواها الفني، واختلاف رؤيتها للشخصيات والأحداث، فإنها تضعنا أمام سؤال جوهري: أين تنتهي السيرة الحقيقية وتبدأ صناعة الأسطورة؟
جاءت إحدى البدايات المهمة مع مسلسل «الأيام»، الذي عُرض عام 1979، وأخرجه يحيى العلمي، وكتب السيناريو والحوار له أمينة الصاوي وأنور أحمد، بينما جسد أحمد زكي شخصية طه حسين.
وفي عام 1999، عُرض مسلسل «أم كلثوم»، إحدى أشهر تجارب السيرة الذاتية وأكثرها نجاحًا جماهيريًا، من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي، وبطولة صابرين.
وانتقلت السيرة إلى فضاء السينما السياسية مع فيلم «ناصر 56» عام 1996، الذي كتبه محفوظ عبد الرحمن وأخرجه محمد فاضل، وجسد فيه أحمد زكي شخصية الرئيس جمال عبد الناصر.
ثم قدم أحمد زكي شخصية الرئيس أنور السادات في فيلم «أيام السادات» عام 2001، من تأليف أحمد بهجت وإخراج محمد خان، ليخوض تجربته الكبرى الثانية في تجسيد رئيس مصري.
وفي عام 2006، عُرض فيلم «حليم»، من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج شريف عرفة، وجسد فيه أحمد زكي شخصية الفنان عبد الحليم حافظ. وكان العمل آخر أفلامه؛ إذ رحل قبل استكمال التصوير، فتولى ابنه هيثم أحمد زكي أداء بعض المشاهد.
حصانة تمنع الاقتراب من الحقيقة
تكمن المفارقة في أن النجاح الفني أو التاريخي للشخصية يمنحها، في نظر بعض الجمهور، حصانة من طبيعتها البشرية، وكأن الاعتراف بأخطائها أو تناقضاتها ينتقص من عظمتها.
لكن أم كلثوم لم تصبح «كوكب الشرق» لأنها كانت ملاكًا، وطه حسين لم يصبح عميدًا للأدب العربي لأنه عاش بلا صراعات أو تناقضات. وكذلك لم يكن عبد الناصر أو السادات أو عبد الحليم حافظ أو أسمهان عظماء لأن حياتهم خلت من الأخطاء.
كانوا جميعًا بشرًا، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. امتلكوا مواهب استثنائية وتركوا آثارًا باقية، لكنهم عرفوا الضعف والخوف والتردد والانتصار والانكسار.
والاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من مكانتهم، بل قد يجعل إنجازاتهم أكثر إثارة للإعجاب؛ لأننا ندرك حينها أنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه رغم صراعاتهم الداخلية ونقاط ضعفهم وتناقضاتهم الإنسانية.
الإنسانية لا تعني التشهير
الدفاع عن إنسانية الشخصيات التاريخية لا يعني تحويل السيرة الذاتية إلى سجل للفضائح، فهناك فارق واضح بين تقديم التناقضات التي تساعد على فهم الشخصية، وبين اقتحام حياتها الخاصة بحثًا عن الإثارة أو التشهير.
ليس مطلوبًا من صانع العمل أن يفتش في غرف نوم الراحلين أو يطارد التفاصيل التي لا تضيف شيئًا إلى فهم تجربتهم. لكن عندما تكون هناك وقائع موثقة أثرت في تكوين الشخصية أو قراراتها أو مسيرتها، يصبح تجاهلها لمجرد إرضاء الجمهور إخلالًا بالحقيقة وبالفن معًا.
فالدراما الحقيقية لا تُبنى على التمجيد المطلق، كما لا تُبنى على التشويه المتعمد. إنها تبحث عن الإنسان في المسافة الفاصلة بين الاثنين.
لماذا نحتاج إلى الأسطورة؟
لا تكمن المشكلة في رؤية عيوب العظماء، بل في عدم قدرتنا أحيانًا على تقبل أن يكون العظيم إنسانًا يشبهنا.
ربما نتمسك بالصورة المثالية لأننا نحتاج إلى الأسطورة أكثر من حاجتنا إلى الحقيقة.
فالأسطورة تمنحنا بطلًا مكتملًا نستطيع الاحتماء به، بينما يضعنا الإنسان الحقيقي أمام أسئلة أكثر تعقيدًا عن النجاح والفشل والاختيار والثمن.
ولهذا لا ينبغي أن تكتفي دراما السيرة الذاتية بالقول: «انظروا كم كان هذا الرجل عظيمًا»، بل عليها أن تسأل: «كيف أصبح هذا الإنسان عظيمًا؟».
ما الذي أخافه؟ وما الذي أغراه؟ أين انتصر وأين انهزم؟ متى بدا قويًا ومتى كشف عن ضعفه؟ وما الثمن الذي دفعه حتى يصبح الشخصية التي بقيت في الذاكرة؟
عندما تطرح الدراما هذه الأسئلة، تتحول السيرة الذاتية من مادة للتمجيد إلى عمل فني حقيقي، ويصبح البطل أكثر قربًا منا، لا أقل مكانة.
فنحن، في النهاية، لا نتعلق بالملائكة، بل بالبشر. والعظمة الحقيقية لا تعني أن يعيش الإنسان بلا أخطاء، وإنما أن يترك أثرًا استثنائيًا رغم ضعفه وتناقضاته، ورغم أنه كان إنسانًا.
إقرأ أيضا:
مروان حامد.. من مشروع مخرج واعد إلى «صنايعي شاطر»
«محمد رمضان… الطموح الذي لا يخشى الفشل»