الكرملين يلوّح بالنووي ويشيد بإيران.. رسائل موسكو من فوق حافة الهاوية

0 85

كتب: أحمد السيد رفعت

لم يكن ظهور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الجلسة العامة لمنتدى «فالداي» مجرد مناسبة لعرض رؤيته للنظام الدولي، بل تحول إلى منصة لإرسال رسائل شديدة اللهجة إلى الغرب، في توقيت تتسع فيه دوائر التوتر من الحرب الأوكرانية إلى الشرق الأوسط.

فبين التلويح باستخدام جميع الأسلحة المتاحة لروسيا إذا تعرضت أراضيها لهجوم مباشر، والتحذير من بلوغ «نقطة اللاعودة»، والإشادة بصمود إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية، بدا خطاب بوتين محاولة لإعادة رسم حدود الردع الروسي، من دون إعلان رغبة مباشرة في الانزلاق إلى حرب أوسع.

وعُقدت الدورة الثالثة والعشرون لمنتدى «فالداي» تحت عنوان «المسؤولية عن المستقبل: حدود الممكن أم إمكانات بلا حدود؟»، بمشاركة مسؤولين وخبراء وباحثين لمناقشة التحولات التي يشهدها النظام العالمي ومخاطر التصعيد العسكري.

النووي.. ردع مشروط لا إعلان للحرب

استحوذ حديث بوتين عن السلاح النووي على الجانب الأكبر من الاهتمام، بعدما أكد أن تعرض الأراضي الروسية لهجوم مباشر من شأنه أن يضع استخدام «جميع الأسلحة» الموجودة في ترسانة موسكو على جدول الأعمال بصورة فورية.

ووضع الرئيس الروسي إقليم كالينينجراد في قلب هذا التحذير. ويُعد الإقليم جيبًا روسيًا شديد الأهمية الاستراتيجية، يقع بين بولندا وليتوانيا، العضوين في حلف شمال الأطلسي، ويضم منشآت وقواعد عسكرية روسية رئيسية.

وقال بوتين إن أي هجوم مباشر على كالينينجراد، أو على مناطق روسية أخرى، سيجعل مسألة استخدام جميع الأسلحة المتاحة لبلاده مطروحة «حتماً وفوراً». وجاءت تصريحاته بعد تحذير روسي رسمي للناتو من محاولة عزل الإقليم أو فرض حصار عليه.

ورغم وضوح البعد النووي في الرسالة الروسية، فإن بوتين لم يعلن اتخاذ قرار باستخدام السلاح النووي، بل قدّم موقفه باعتباره تحذيرًا مشروطًا بوقوع هجوم مباشر على الأراضي الروسية.

وفي المقابل، أكد حلف الناتو أنه تحالف دفاعي ولا يستهدف كالينينجراد، مندداً بما وصفه بـ«الخطاب النووي غير المسؤول».

كما شدد بوتين على أن بلاده لا تخطط لمهاجمة أي دولة أوروبية، وأنها تسعى إلى التعايش السلمي، في صياغة تجمع بين نفي النوايا الهجومية والتهديد برد واسع إذا رأت موسكو أن خطوطها الحمراء قد جرى تجاوزها.

«نقطة اللاعودة».. الخطر في دوامة الرد والرد المضاد

لم تتوقف رسالة الرئيس الروسي عند حدود كالينينجراد، إذ حذر من أن تتابع الإجراءات الانتقامية قد يقود العالم سريعًا إلى مرحلة يصعب بعدها احتواء التصعيد.

وقال إن اللحظة التي يصبح فيها تغيير المسار مستحيلًا قد تأتي بصورة سريعة ومفاجئة، محذرًا من أن منطق الردود المتبادلة والمتزايدة في حدتها قد ينتهي إلى «نقطة لا عودة قاتلة».

وتكتسب هذه العبارة أهميتها في ظل امتلاك القوى الكبرى ترسانات قادرة على إحداث دمار واسع. لذلك لم يكن الخطاب مجرد تذكير بالقوة العسكرية الروسية، بل تحذيرًا من أن سوء التقدير أو الثقة المفرطة قد يحول الردع إلى مواجهة فعلية.

أوكرانيا.. لا هدنة لضربات العمق

ظل ملف الحرب الأوكرانية حاضرًا بقوة في خطاب بوتين، الذي رفض مقترحات وقف الضربات الروسية على أهداف أوكرانية في منطقة البحر الأسود، مقابل وقف الهجمات الأوكرانية على المنشآت الروسية.

وأقر الرئيس الروسي بأن ضربات كييف على مصافي النفط داخل روسيا حققت بعض أهدافها، مشيرًا إلى أنها كلفت الاقتصاد الروسي ما يعادل نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يؤكد أن موسكو بدأت الرد بالمثل.

ويكشف هذا الاعتراف أن منشآت الطاقة أصبحت جبهة أساسية في الحرب، بعدما تحولت المصافي ومرافق الإمداد والنقل إلى أهداف يراد من خلالها الضغط على قدرة الخصم الاقتصادية والعسكرية.

وفي الوقت نفسه، قال بوتين إن موسكو لا تعتزم مهاجمة مصانع الأسلحة الأوروبية التي تمد أوكرانيا بالمعدات «غدًا»، لكنه اعتبر الدعم الغربي للضربات بعيدة المدى داخل روسيا تهديدًا يمكن أن يوسع نطاق المواجهة مستقبلًا.

وبذلك تحاول موسكو الحفاظ على معادلة دقيقة: الاستمرار في الحرب والرد على ضربات العمق، مع إبقاء المواجهة المباشرة مع الدول الأوروبية دون عتبة الانفجار.

إيران.. إشادة تتجاوز حدود المجاملة

احتلت إيران مساحة لافتة في خطاب بوتين، إذ أشاد بما وصفه بشجاعة الشعب الإيراني وبطولته وصموده، معتبرًا أن العالم يتابع ما يجري بإعجاب.

كما تحدث عن امتلاك طهران كوادر داخل مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والحرس الثوري مستعدة للتضحية من أجل مستقبل بلادها، وفق ما نقلته وكالة «تسنيم» الإيرانية.

ولا تبدو هذه الإشادة منفصلة عن رؤية موسكو للنظام الدولي؛ فروسيا تقدم نفسها باعتبارها جزءًا من جبهة سياسية أوسع ترفض انفراد الولايات المتحدة والغرب بتحديد قواعد العلاقات الدولية.

لكن ذلك لا يعني إعلان موسكو دخول أي مواجهة عسكرية نيابة عن طهران. فالرسالة الروسية تبدو سياسية واستراتيجية في المقام الأول: إيران ليست معزولة، والضغوط الغربية عليها لا تلغي موقعها داخل التوازنات الإقليمية والدولية.

وتنسجم هذه اللغة مع حديث بوتين المتكرر عن عالم متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة بين روسيا والصين والهند وإيران وغيرها من الدول الصاعدة، بدلًا من بقائها محصورة في معسكر غربي واحد.

لماذا يرفع بوتين سقف خطابه الآن؟

لا تكمن أهمية تصريحات الرئيس الروسي في مضمونها فقط، وإنما في توقيتها أيضًا. فالعالم يشهد مسارات متزامنة من التصعيد؛ تبدأ من الحرب في أوكرانيا، وتمتد إلى التوتر بين روسيا والناتو، وتصل إلى المواجهة الأمريكية الإيرانية واضطراب أسواق الطاقة والممرات البحرية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة خطاب بوتين باعتباره مجموعة من الرسائل المتوازية:

إلى الغرب، بأن الضغط على كالينينجراد أو استهداف الأراضي الروسية بصورة مباشرة قد يغير طبيعة المواجهة.

وإلى إيران، بأن موسكو لا تنظر إليها بوصفها طرفًا معزولًا في مواجهة الولايات المتحدة.

وإلى الداخل الروسي، بأن القيادة لا تزال تمتلك أوراق القوة وقادرة على الدفاع عن مصالح البلاد وخطوطها الحمراء.

أما الرسالة الأوسع، فهي أن تراكم الضربات والإجراءات الانتقامية قد يدفع العالم إلى لحظة يصبح فيها التصعيد خارج السيطرة.

الردع على حافة الهاوية

يحاول بوتين تقديم التلويح بالقوة النووية باعتباره وسيلة لمنع الحرب لا مقدمة لبدئها. لكن خطورة هذا الخطاب تكمن في أن تكرار إدخال السلاح النووي إلى لغة الصراع السياسي والعسكري قد يرفع احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير.

وبينما تؤكد موسكو أنها لا تريد خوض حرب مع أوروبا، تواصل استخدام ترسانتها النووية لتثبيت خطوط ردعها، في حين يرفض الناتو ما يصفه بالابتزاز النووي ويستمر في دعم أوكرانيا وتعزيز وجوده العسكري شرقي أوروبا.

وهنا يظل السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن للأطراف الاستمرار في اختبار الخطوط الحمراء من دون تجاوزها؟

ففي أزمات بهذا القدر من التشابك، قد لا تبدأ المواجهة الكبرى بقرار مخطط له، وإنما بخطوة محسوبة بصورة خاطئة، تتبعها إجراءات انتقامية متسارعة، حتى يجد الجميع أنفسهم عند النقطة التي حذر منها بوتين نفسه: نقطة اللاعودة.

اقرأ أيضا:
من كالينينغراد إلى ترانسنيستريا.. كيف يعيد الكرملين قراءة خريطة ما بعد الاتحاد السوفيتي؟ 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق