أمريكا تنسحب من العراق بعد 23 عامًا.. فراغ أمني يضع بغداد أمام اختبار السيادة

0 54

بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، غادر آخر الجنود الأمريكيين الأراضي العراقية، لتُطوى صفحة عسكرية خلفت آلاف القتلى وكلفة مالية وسياسية هائلة، بينما تفتح البلاد فصلًا جديدًا تحيط به مخاوف من تمدد نفوذ الفصائل المسلحة وعودة تنظيم «داعش» واستمرار الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران.

واكتملت عملية الانسحاب في 30 سبتمبر 2026، بمغادرة آخر القوات الأمريكية قاعدة في أربيل، تنفيذًا للاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وبغداد عام 2024 خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، قبل أن تنفذه إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ترامب يعلن نهاية «المستنقع العراقي»

رحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإتمام الانسحاب، معتبرًا أنه يضع نهاية لما وصفه بمغامرة عسكرية مكلفة استمرت سنوات طويلة.

وأشاد ترامب برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، معربًا عن أمله في أن تتمكن حكومته من التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد خلال المرحلة المقبلة.

ويمثل الانسحاب نهاية الوجود العسكري الأمريكي المباشر الذي بدأ مع غزو العراق عام 2003 وإطاحة نظام صدام حسين. وكانت القوات الأمريكية قد انسحبت للمرة الأولى عام 2011، قبل أن تعود عام 2014 بناءً على طلب بغداد، ضمن التحالف الدولي لمواجهة تنظيم «داعش» بعد سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وخلال سنوات التدخل العسكري، قُتل نحو 4600 جندي أمريكي، إلى جانب أعداد كبيرة من الضحايا العراقيين، فيما ظلت نتائج الحرب وإرثها السياسي والأمني موضع جدل واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.

نهاية مهمة التحالف داخل العراق

أنهى الانسحاب الوجود العسكري المرتبط بمهمة «العزم الصلب» داخل العراق، مع انتقال قيادة عمليات مكافحة تنظيم «داعش» إلى الأردن.

ولا يعني ذلك انقطاع العلاقات الأمنية بين واشنطن وبغداد بصورة كاملة، إذ يُتوقع استمرار التعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمراقبة، ضمن علاقة دفاعية ثنائية جديدة تقود فيها القوات العراقية المسؤولية المباشرة عن أمن البلاد.

وفي المقابل، تظل مهمة حلف شمال الأطلسي في العراق قائمة رسميًا بوصفها مهمة غير قتالية تركز على الاستشارات وبناء قدرات المؤسسات الأمنية العراقية.

وكان الحلف قد نقل جميع أفراده من بغداد إلى قيادة القوات المشتركة في نابولي خلال مارس 2026، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية الإقليمية، مع استمرار تنفيذ مهام الدعم والاستشارات من خارج الأراضي العراقية.

الفصائل الموالية لإيران تحتفل بالانسحاب

قدّمت جماعات عراقية مسلحة مرتبطة بإيران رحيل القوات الأمريكية باعتباره انتصارًا سياسيًا وعسكريًا لما تطلق عليه «محور المقاومة».

ويثير الانسحاب مخاوف من اتساع نفوذ طهران داخل العراق، خاصة في ظل الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتفاظ عدد من الفصائل الشيعية بترسانات عسكرية وقدرات مستقلة عن السيطرة الكاملة للحكومة.

وتواجه بغداد الآن اختبارًا بالغ الصعوبة يتمثل في فرض احتكار الدولة للسلاح، بعدما فقدت الفصائل المسلحة أحد أبرز المبررات التي استخدمتها للاحتفاظ بترساناتها، وهو وجود القوات الأمريكية داخل البلاد.

نزع سلاح الفصائل.. الاختبار الأصعب

تضم ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» نحو عشرة فصائل مسلحة، يقدر عدد عناصرها بنحو 50 ألف مقاتل، وتمتلك بعضها صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة ومنظومات مضادة للطائرات.

وبينما أعلنت فصائل محدودة استعدادها لمناقشة تسليم السلاح أو وضعه تحت سلطة الدولة، رفضت جماعات أكثر قوة ونفوذًا حل هياكلها المستقلة، وربطت أي خطوة من هذا النوع بشروط سياسية وأمنية متعددة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب اندماج عدد من هذه التشكيلات رسميًا في قوات الحشد الشعبي التابعة للدولة، مع احتفاظ بعضها بسلاسل قيادة وقدرات عسكرية مستقلة.

وأمام مقاومة الفصائل، اضطرت حكومة علي الزيدي إلى تمديد المهلة المقررة لنزع السلاح حتى يونيو 2027، بعد تعثر الموعد السابق الذي تزامن مع انسحاب القوات الأمريكية.

داعش لم ينتهِ بعد

رغم القضاء على «الخلافة» المكانية لتنظيم داعش، لا تزال خلاياه النائمة تمثل خطرًا أمنيًا، خصوصًا في المناطق الصحراوية والجبلية والحدودية.

وتخشى جهات أمنية عراقية وكردية أن يستغل التنظيم أي فراغ أمني أو خلافات بين بغداد وأربيل لإعادة تنظيم صفوفه وتنفيذ هجمات جديدة.

ويضع هذا التهديد القوات العراقية أمام مسؤولية مباشرة في حماية البلاد ومنع عودة التنظيم، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة تحديًا موازيًا يتعلق بضبط الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

مخاوف كردية من مرحلة ما بعد الانسحاب

كان إقليم كردستان العراق من أكثر الأطراف تحفظًا على الانسحاب الأمريكي، لا سيما بعد مغادرة القوات قاعدة أربيل وإزالة أنظمة دفاعية كانت توفر قدرًا من الحماية للإقليم.

وحذر مسؤولون أكراد من أن الانسحاب يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد تعرض الإقليم لسلسلة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة خلال الصراع الإقليمي الأخير.

كما يخشى الإقليم من تزامن تهديد خلايا داعش مع نشاط الفصائل المدعومة من إيران، في ظل استمرار الخلافات الأمنية والسياسية بين أربيل والحكومة الاتحادية في بغداد.

نفوذ اقتصادي أمريكي مستمر

وعلى الرغم من انتهاء الوجود العسكري، لا تزال المصالح الأمريكية والغربية حاضرة في العراق، خصوصًا في قطاع الطاقة.

ويُعد العراق أحد أكبر منتجي النفط في العالم، كما يمثل النفط المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة، ما يجعل قطاع الطاقة محورًا أساسيًا لجذب الاستثمارات والشركات الدولية.

وتسعى بغداد إلى زيادة طاقتها الإنتاجية وتنويع علاقاتها الاقتصادية، لكنها تدخل مرحلة ما بعد الانسحاب وسط معادلة معقدة تجمع بين النفوذ الإيراني والمصالح الغربية والاعتماد الكبير على عائدات النفط.

العراق أمام مرحلة جديدة

لا يضع رحيل القوات الأمريكية نهاية تلقائية للأزمات التي خلفتها سنوات الحرب، بل ينقل مسؤولية مواجهتها بصورة كاملة إلى مؤسسات الدولة العراقية.

ويظل نجاح بغداد مرهونًا بقدرتها على منع عودة داعش، وضبط الفصائل المسلحة، وحماية إقليم كردستان، وتحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع واشنطن وطهران.

وبينما تصف الولايات المتحدة الانسحاب بأنه انتقال إلى شراكة أمنية جديدة، تقدمه الفصائل الموالية لإيران بوصفه هزيمة للمشروع الأمريكي. وبين الروايتين، يبدأ العراق اختبارًا حاسمًا: هل يتمكن من تحويل رحيل القوات الأجنبية إلى خطوة نحو استعادة السيادة، أم يصبح الفراغ الذي خلفه الانسحاب مدخلًا لجولة جديدة من الصراع؟

اقرأ أيضا:
ترليونا دولار مفقودة.. هل يقود أكبر ملف فساد في العراق إلى شبكة إقليمية لتهريب النفط؟ 

Visited 2 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق