المصريون بالخارج بعد المؤتمر السابع: نجاح في الحوار.. وطموحات بآليات أكثر فاعلية
مشاركون من دول عدة يشيدون بمنصة الحوار المباشر ويطالبون بمجلس استشاري وآليات لمتابعة التوصيات
شكّل المؤتمر السابع للمصريين بالخارج، الذي عُقد يومي 2 و3 أغسطس 2026، محطة جديدة في مسار التواصل بين الدولة وأبنائها في مختلف أنحاء العالم، بعدما طرح عددًا من الملفات والقضايا المرتبطة بحياة المصريين في الخارج، وفتح مساحة للحوار المباشر بينهم وبين ممثلي مؤسسات الدولة.
ورغم بعض الملاحظات التنظيمية التي صاحبت انعقاد المؤتمر، فإن عددًا من المشاركين اعتبروا أن أهم ما تحقق تمثل في تعزيز ثقافة الحوار المباشر بين مؤسسات الدولة والمصريين بالخارج، وإتاحة الفرصة لعرض المشكلات والتحديات أمام المسؤولين دون وسطاء.
«الجمهورية والعالم» استطلعت آراء عدد من المشاركين، ضمن حضور يمثل مصريين من أكثر من 30 دولة، لرصد تقييمهم للتجربة وما يتطلعون إليه في الدورات المقبلة.
والهدف هنا ليس الوقوف عند السلبيات بقدر ما هو تقديم نقد موضوعي وبنّاء يساعد على تطوير المؤتمر وتحويل توصياته إلى نتائج ملموسة يشعر بها المصري في الخارج.
سناء مغازي: المؤتمر أصبح منصة حقيقية تجمع المصريين من أنحاء العالم

قالت سناء مغازي، ممثلة جمعية لوتس ميلانو واتحاد الكيانات المصرية بأوروبا، إن المؤتمر يستحق التقدير لما شهده من جهود هدفت إلى تعزيز التواصل مع المصريين بالخارج.
وأضافت: «لا بد أن نشكر الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، والسفير نبيل حبشي، نائب وزير الخارجية لشؤون المصريين بالخارج، على الجهود الكبيرة التي بُذلت، بعدما أصبح المؤتمر منصة لتلاقي المصريين من مختلف أنحاء العالم وعرض قضاياهم مباشرة أمام المسؤولين».
وأشارت إلى أهمية مشاركة أعضاء من مجلسي النواب والشيوخ في المناقشات المتعلقة بالمغتربين، وما أتاحته من فرصة لطرح عدد من القضايا التي تمس الشباب المصري في الخارج، وفي مقدمتها الملفات المتعلقة بالتجنيد.
كما اعتبرت أن طرح قضية الصحة النفسية للمغتربين يمثل خطوة مهمة، في ظل ما قد يتعرض له المصري المقيم في مجتمع مختلف ثقافيًا من ضغوط تنعكس على الفرد والأسرة.
وفي المقابل، أعربت مغازي عن أملها في أن تشهد الدورات المقبلة مشاركة أوسع للقامات العلمية والوطنية المصرية الناجحة في الخارج، للاستفادة من تجاربها وتسليط الضوء على إنجازاتها.
وضربت مثالًا بالمهندس المصري العالمي هاني عازر، خبير الأنفاق المقيم في ألمانيا، متسائلة عما إذا كان غياب بعض هذه الشخصيات يعود إلى الحاجة لتطوير آليات التواصل معها وإشراكها بصورة أكبر.
بسمة سرحان: نحتاج إلى آلية لمتابعة تنفيذ توصيات ورش العمل

من جانبها، قالت بسمة سرحان، مؤسسة «عظيمات مصر للتنمية»، إن المؤتمر هذا العام بدا مختلفًا من حيث طبيعة الموضوعات المطروحة والمساحة التي أُتيحت للنقاش.
وأضافت أن من أبرز الملفات التي حظيت بالاهتمام قضايا التعليم، إلى جانب استحداث ورش موجهة للشباب أتاحت نقاشًا أكثر فاعلية.
غير أنها شددت على ضرورة ألا تنتهي ورش العمل بانتهاء المؤتمر، مقترحة وضع آلية واضحة لمتابعة ما يصدر عن كل ورشة من توصيات ومقترحات، وقياس ما تحقق منها قبل انعقاد الدورة التالية.
مجلس استشاري للمصريين بالخارج
وتوقفت سرحان أمام الجدل الذي دار بشأن صعوبة التواصل بين بعض أعضاء مجلس النواب المعنيين بالمصريين في الخارج وبين أبناء الجاليات، خاصة في الولايات المتحدة وكندا ودول آسيا وروسيا.
ورأت أن هذا الأمر يؤكد الحاجة إلى فتح قنوات أكثر مباشرة واستدامة للتواصل.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن فكرة إنشاء مجلس استشاري للمصريين بالخارج، التي طُرحت خلال المناقشات، لاقت استحسانًا لدى عدد من المشاركين.
وقالت إن المجلس، حال إنشائه وفق تمثيل حقيقي ومتنوع، يمكن أن يصبح حلقة وصل بين مؤسسات الدولة والمصريين المنتشرين في مختلف دول العالم، على أن يعكس التنوع الجغرافي والمهني والاجتماعي للجاليات المصرية.
مقترح بإنشاء منصة إلكترونية دائمة للمؤتمر
واقترحت بسمة سرحان إنشاء صفحة أو منصة إلكترونية رسمية ودائمة للمؤتمر، تتيح للمصريين بالخارج إرسال أسئلتهم ومقترحاتهم قبل موعد انعقاده.
وبحسب المقترح، يمكن تصنيف الأسئلة وحذف المكرر منها، ثم إرسالها إلى الجهات المختصة قبل المؤتمر، على أن تُعرض الأسئلة المختارة على شاشات القاعات أثناء الجلسات.
وترى «الجمهورية والعالم» أن هذه الفكرة قد تسهم في توسيع قاعدة المشاركة وإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المصريين بالخارج، خاصة أن بعض المشاركين تمكنوا من طرح أكثر من مداخلة، في حين لم تتح الفرصة لآخرين للمشاركة في الحوار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية أكثر تنظيمًا وعدالة لإدارة المداخلات والأسئلة.
كما اقترحت سرحان وجود فريق إعلامي رسمي يتولى تصوير الجلسات وإتاحة الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالمؤتمر للمشاركين ووسائل الإعلام.
وطالبت كذلك بتخصيص جلسة في المؤتمرات المقبلة لمناقشة مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة وتأثيرها في الأمن القومي، مع الاستعانة بخبراء ومتخصصين في هذا الملف.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للمؤتمر ستظهر عندما تتحول الأفكار والتوصيات المطروحة داخله إلى إنجازات يشعر بها المصري المقيم في الخارج.
مدحت شنودة: المؤتمر عرس دولي يجمع أبناء الوطن

بدوره، وصف مدحت شنودة، مدير البيت المصري في السويد، المؤتمر بأنه «عرس دولي يجمع أبناء الوطن تحت العلم المصري».
وقال إنه يحرص على حضور هذا الملتقى لما يوفره من فرصة لعرض المشكلات التي تواجه المصريين بالخارج أمام مؤسسات الدولة، والبحث عن حلول لها من خلال الحوار المباشر.
وأضاف أن المؤتمر لا يقتصر على التواصل مع المسؤولين، وإنما يتيح أيضًا للمصريين المقيمين في دول مختلفة التعارف وتوسيع شبكات التواصل والتعاون فيما بينهم.
وأشاد باستحداث ورش العمل، معتبرًا أنها أتاحت مناقشة عدد من القضايا الشائكة التي تمس حياة المصريين بالخارج، وفي مقدمتها ملف التجنيد، خاصة لمن تجاوزوا سن الثلاثين، إلى جانب الحوار المباشر مع أعضاء مجلس النواب.
«المصري في الخارج ليس كتلة جغرافية واحدة»
وفي الوقت نفسه، طرح شنودة ملاحظة تتعلق بتمثيل المصريين بالخارج داخل البرلمان.
وقال إن المصريين في الخارج لا يعيشون في رقعة جغرافية واحدة، بل ينتشرون في مختلف أنحاء العالم، وبالتالي فإن المشكلات التي تواجه المصري في أوروبا قد تختلف جذريًا عن مشكلات نظيره في الولايات المتحدة أو دول الخليج أو آسيا.
ومن هنا، يرى ضرورة وجود آلية تحدد بصورة أكثر وضوحًا نطاق التواصل بين النواب والمصريين المقيمين في المناطق المختلفة، بحيث يعرف المواطن في الخارج إلى من يلجأ ومن يمثله عندما يواجه مشكلة تحتاج إلى تدخل برلماني.
وأشاد بالدور الذي يقوم به السفير نبيل حبشي وفريق العمل المعني بشؤون المصريين بالخارج، معتبرًا أنهم يمثلون إحدى قنوات التواصل الأساسية مع المصريين عند مواجهة العقبات.
جيهان عبد الملك: المصريون في روسيا ومناطق الصراع يحتاجون إلى اهتمام أكبر
ومن روسيا، طرحت الإعلامية جيهان عبد الملك، من «روسيا اليوم»، مجموعة من المشكلات التي تواجه الجالية المصرية في روسيا ودول آسيا الوسطى، خاصة في ظل تداعيات الحرب والأوضاع الدولية المعقدة.
وقالت إن المصريين في هذه المناطق يواجهون تحديات لوجستية وقانونية ومالية تحتاج إلى معالجة أكثر فاعلية.
ومن أبرز هذه التحديات، بحسب عبد الملك، صعوبة تحويل الأموال نتيجة فصل بعض البنوك عن نظام «سويفت»، الأمر الذي تسبب في مشكلات للطلاب المصريين عند تلقي الأموال من أسرهم في مصر.
وطالبت بالبحث عن بدائل مصرفية وقانونية آمنة تساعد الطلاب والمقيمين على إجراء تعاملاتهم المالية.
مطالب برقمنة الخدمات القنصلية
كما أشارت إلى طول الفترة التي قد تستغرقها بعض إجراءات استخراج أو تجديد جوازات السفر وبطاقات الرقم القومي.
وطالبت بالتوسع في رقمنة المعاملات القنصلية، بما يقلل حاجة المصريين إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى السفارات أو القنصليات، خاصة في دول مترامية الأطراف مثل روسيا.
وتحدثت كذلك عن قضية توثيق ومعادلة الشهادات الجامعية للمصريين الدارسين في دول مثل أوزبكستان وكازاخستان، داعية إلى مناقشة الملف بصورة أوسع بالتنسيق مع المجلس الأعلى للجامعات في مصر.
وأعربت عن أملها في منح المصريين القادمين من مناطق الصراع الدولي مساحة أكبر في الدورات المقبلة لطرح مشكلاتهم، سواء أمام ممثلي الحكومة أو أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.
وأكدت، رغم ملاحظاتها، سعادتها بالمشاركة في المؤتمر ورغبتها في الحضور مجددًا خلال العام المقبل.
د. رفيدا موسى أحمد: الطلاب في روسيا بين التحديات والآمال

من جانبها، أعربت الدكتورة رفيدا موسى أحمد عن سعادتها بالمشاركة في المؤتمر، مشيرة إلى تجربتها في دراسة الطب بإحدى الجامعات الروسية وما واجهته من إجراءات تتعلق بالدراسة والمعادلة في مصر.
وأكدت أن مؤتمر المصريين بالخارج يمثل منصة مهمة لتعزيز الانتماء وفتح قنوات للحوار بين الدولة وأبنائها في الخارج، مثمنة جهود وزارة الخارجية في هذا المجال.
لكنها طرحت مجموعة من المقترحات التي ترى أنها قد تساعد على تطوير المؤتمر مستقبلًا.
تزامن ورش العمل يحرم المشاركين من الاستفادة
ومن أبرز ملاحظاتها تزامن انعقاد بعض ورش العمل في التوقيت نفسه، وهو ما أجبر المشاركين على الاختيار بين ورشتين، وحرمهم بالتالي من الاستفادة من المناقشات المطروحة في الورشة الأخرى.
واقترحت إعادة النظر في الجدول الزمني للورش، بما يسمح للمشاركين بحضور أكبر عدد ممكن منها.
كما أثارت ملف التصاريح الأمنية المتعلقة بسفر بعض الطلاب إلى روسيا، مطالبة بوضع معايير واضحة وشفافة للإجراءات.
واقترحت في هذا السياق تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والتعليم العالي والخارجية لمراجعة أسباب الرفض، مع دراسة إمكانية منح الطالب آلية واضحة للتظلم خلال فترة زمنية محددة.
مطالب بمراعاة أوضاع الطلاب العائدين من مناطق الحرب
وطالبت الدكتورة رفيدا كذلك بدراسة أوضاع الطلاب العائدين من مناطق الحروب والنزاعات بصورة استثنائية، خاصة من بدأوا بالفعل دراستهم الجامعية في الخارج.
واقترحت بحث حلول أكاديمية تراعي ما أنجزه هؤلاء الطلاب من سنوات دراسية، مع وضع اختبارات ومعايير علمية مناسبة لتحديد مستوياتهم، بدلًا من ضياع سنوات من حياتهم التعليمية.
وشددت على أن واقع الطلاب المصريين في روسيا وغيرها من الدول يستدعي وجود آلية متابعة مستمرة وقنوات اتصال دائمة، لا تقتصر على أيام انعقاد المؤتمر.
كما حذرت من وجود وسطاء وسماسرة قد يستغلون حلم بعض الشباب بالدراسة في الخارج، مؤكدة ضرورة توفير معلومات رسمية وموثوقة للطلاب وأسرهم قبل السفر.
وقالت إن الهدف يجب أن يكون ضمان ألا يتحول حلم الشاب في التعليم بالخارج إلى تجربة تهدد مستقبله أو تعرضه لمشكلات قانونية وأكاديمية.
من مؤتمر سنوي إلى منصة مستدامة
تكشف الآراء المختلفة للمشاركين أن المؤتمر السابع للمصريين بالخارج نجح في تحقيق خطوة مهمة على طريق الحوار المباشر بين الدولة ومواطنيها في الخارج، لكنه في الوقت نفسه رفع سقف التوقعات بشأن ما ينبغي أن يحدث بعد انتهاء جلساته.
فالمطالب لم تعد تقتصر على تنظيم مؤتمر سنوي، وإنما تتجه نحو بناء منظومة تواصل مستدامة تشمل منصة إلكترونية، وآليات لمتابعة التوصيات، وتمثيلًا أكثر تنوعًا للمصريين بالخارج، وتطوير الخدمات القنصلية والرقمية، ومنح الشباب والطلاب والمقيمين في مناطق الأزمات مساحة أوسع للتعبير عن قضاياهم.
ويبقى التحدي الأهم بعد إسدال الستار على المؤتمر هو تحويل الحوار إلى متابعة، والتوصيات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج يلمسها المصري في الخارج أينما كان.
فالنجاح الحقيقي لأي مؤتمر لا يُقاس فقط بعدد المشاركين أو الجلسات وورش العمل، وإنما بما يبقى منه بعد أن تنطفئ أضواء القاعات ويعود كل مشارك إلى البلد الذي يقيم فيه.