من مكاسب الانتخابات إلى صراع الهوية.. اليسار يختبر مستقبل الحزب الديمقراطي
كتب: أحمد السيد رفعت
لم تقتصر دلالات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي جرت في الثالث من نوفمبر الجاري، على هزيمة الجمهوريين وانتصار الديمقراطيين، أو التصويت العقابي ضد إدارة دونالد ترامب؛ فقد كشفت أيضًا عن تحولات داخل الحزب الديمقراطي، مع تنامي نفوذ التيارات التقدمية والاشتراكية الديمقراطية، واتساع قدرتها على منافسة المؤسسة التقليدية في تحديد أولويات الحزب ومستقبله.
فبينما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، حقق مرشحون محسوبون على اليسار مكاسب انتخابية لافتة في عدد من الولايات، إلى جانب إعادة انتخاب ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب.
غير أن تحديد حجم الكتلة الاشتراكية بدقة يقتضي التمييز بين العضوية في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين «DSA»، والحصول على دعمها الانتخابي، والانتماء إلى التيار التقدمي الأوسع.
ولا تتعلق أهمية هذه المكاسب بعدد المقاعد وحده، بل بما تعكسه من اتساع الحضور السياسي والتنظيمي لتيار مارس طويلًا دور المعارض لقيادة الحزب من الداخل، وأصبح يمتلك أدوات أكبر للمشاركة في صياغة أجندته التشريعية والسياسية.
من بيرني ساندرز إلى زهران ممداني.. جذور صعود اليسار
لفهم التحولات الجارية، لا بد من العودة إلى تجربتي السيناتور بيرني ساندرز في سباق الترشيح للرئاسة عامي 2016 و2020، حين نجح في نقل أفكار الاشتراكية الديمقراطية إلى قلب النقاش السياسي الأمريكي.
طرح ساندرز برنامجًا يقوم على توسيع مظلة الرعاية الصحية، وخفض تكلفة التعليم الجامعي، وزيادة الضرائب على أصحاب الثروات الكبرى، وتقوية النقابات العمالية، والحد من نفوذ الشركات والمليارديرات في صناعة القرار.
ورغم إخفاقه في الحصول على ترشيح الحزب للرئاسة، تركت حملتاه أثرًا في الخطاب الديمقراطي، وفتحتا المجال أمام جيل من السياسيين وجد في أفكاره أساسًا لبناء مشروع أكثر ارتباطًا بقضايا العمل والخدمات العامة والعدالة الاقتصادية.
وتبرز في هذا السياق أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب وإلهان عمر وسمر لي، مع اختلاف انتماءاتهن التنظيمية ومواقفهن من بعض الملفات، وعدم انضوائهن جميعًا تحت إطار سياسي واحد.
وعلى المستوى التنظيمي، أسهمت منظمة «Justice Democrats» في دعم مرشحين تقدميين لمنافسة ممثلي المؤسسة التقليدية خلال الانتخابات التمهيدية. أما «DSA» فتمثل إطارًا تنظيميًا للاشتراكية الديمقراطية، يعمل على بناء قواعد شعبية ونقابية ودعم مرشحين في الانتخابات المحلية والولائية والاتحادية.
واكتسب هذا الاتجاه زخمًا إضافيًا مع صعود زهران ممداني وفوزه بمنصب عمدة نيويورك عام 2025، ليصبح أحد أبرز وجوه الاشتراكية الديمقراطية في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يظل التمييز بين التقدمية والاشتراكية الديمقراطية ضروريًا؛ فهما تلتقيان في مطالب عديدة، لكنهما لا تمثلان تنظيمًا واحدًا، ولا تتبنيان بالضرورة التصور نفسه للاقتصاد أو للدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة.
العدالة الاقتصادية في قلب المنافسة
يتجاوز الخلاف داخل الحزب الديمقراطي أسماء المرشحين والمناصب القيادية إلى سؤال أكثر جوهرية: لمن تعمل السياسات الاقتصادية، وكيف تتوزع ثمار النمو والثروة في المجتمع الأمريكي؟
يدعو التقدميون والاشتراكيون الديمقراطيون، بدرجات متفاوتة، إلى زيادة الضرائب على المليارديرات والشركات الكبرى، وتوسيع التغطية الصحية، وتعزيز حقوق العمال والنقابات، وتوفير مساكن بأسعار مناسبة، وتحسين خدمات التعليم ورعاية الأطفال.
وتستند هذه المطالب إلى انتقادات لاتساع الفجوة بين أصحاب الثروات والطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، في وقت ترتفع فيه تكاليف السكن والعلاج والتعليم، ويشعر فيه كثيرون بأن العمل لم يعد يضمن الاستقرار المعيشي.
لكن طموحات هذا التيار لا تتوقف عند إعادة توزيع الثروة وتوسيع الخدمات؛ إذ يسعى أيضًا إلى تغيير موازين القوى داخل الحزب، عبر تقليص تأثير الشركات وجماعات الضغط في تمويل الحملات، ومنح القواعد الشعبية والنقابات والحركات الاجتماعية دورًا أكبر في تحديد الأولويات.
وبذلك، يرتبط الخلاف على البرنامج الاقتصادي بالخلاف على مَن يملك سلطة صياغته، ولمن تستجيب القيادة الحزبية عند تعارض مصالح الممولين مع مطالب الناخبين.
اختراق انتخابي لا يعني السيطرة على الحزب
رغم مكاسب اليسار، فإن الحديث عن سيطرته على الحزب الديمقراطي يظل سابقًا لأوانه. فالحزب يضم تحالفًا واسعًا يمتد من تيارات الوسط إلى الليبراليين والتقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين، وتحتفظ قياداته التقليدية، وفي مقدمتها تشاك شومر وحكيم جيفريز، بنفوذ كبير في العمل الحزبي والبرلماني.
مع ذلك، يمنح اتساع التمثيل اليساري أصحابه فرصة لبناء تنسيق أكثر فاعلية، والتفاوض على التشريعات، والتأثير في اختيار القيادات وتحديد الأولويات.
وتزداد قيمة هذا التنسيق عندما يكون الفارق بين الأغلبية والمعارضة محدودًا؛ إذ يمكن لأصوات عدد قليل من النواب أن تؤثر في تمرير مشروع قانون، أو تدفع القيادة إلى تعديل مضمونه للحصول على تأييدهم.
لكن ثمة مسافة بين التأثير في جدول الأعمال والقدرة على فرض برنامج متكامل. فالتشريعات تحتاج إلى توافقات أوسع، وتخضع لحسابات مجلس الشيوخ وموقف الرئيس، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والسياسية خارج الكونغرس.
لذلك، يتمثل الاختبار الحقيقي في قدرة اليسار على تحويل التمثيل الانتخابي إلى تغييرات مستدامة، مع الحفاظ على صلته بقواعده وقدرته على بناء التحالفات.
السياسة الخارجية.. خلاف حول دور الولايات المتحدة
لا تقتصر التباينات بين اليسار والمؤسسة التقليدية على الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، بل تمتد إلى رؤية الولايات المتحدة لدورها في العالم، وحدود استخدام القوة، وطبيعة العلاقات مع الحلفاء والمنافسين.
غير أن اليسار الأمريكي نفسه لا يتحدث بصوت واحد في هذه الملفات؛ فتتقاطع مكوناته في بعض المواقف وتختلف في أخرى، تبعًا لخلفياتها السياسية وتقديرها للمصالح والمخاطر.
إسرائيل وفلسطين
شكّلت الحرب في غزة والمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أحد أبرز الملفات التي أظهرت اتساع الخلاف داخل الحزب الديمقراطي.
فقد اتخذ عدد من رموز اليسار مواقف أكثر انتقادًا للسياسة الإسرائيلية، وطالبوا بوقف الحرب وربط المساعدات باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. وذهب بعضهم إلى المطالبة بوقف إمدادات السلاح ومراجعة العلاقة العسكرية والسياسية بين البلدين.
وتتجاوز هذه المطالب الاعتراض على قرارات حكومة إسرائيلية بعينها إلى مناقشة شروط الدعم الأمريكي وحدوده وآليات مساءلة المستفيدين منه، وهو ما يجعل الخلاف أعمق من تباين عابر في الخطاب.
روسيا والحرب في أوكرانيا
لا يوجد موقف يساري أمريكي موحد من الحرب الروسية الأوكرانية. فهناك أصوات تعطي الأولوية للتفاوض، وتنتقد استمرار التصعيد والمساعدات العسكرية دون تصور واضح لإنهاء الحرب، كما تطرح تساؤلات بشأن توسع حلف الناتو ودوره في الأمن الأوروبي.
وفي المقابل، يؤيد تقدميون دعم أوكرانيا وحقها في الدفاع عن أراضيها، مع التشديد على منع انزلاق المواجهة إلى حرب أوسع بين روسيا والغرب.
ومن ثم، فإن وضع جميع التقدميين في خانة معارضة المساعدات لأوكرانيا أو تأييد الموقف الروسي يتجاهل خلافات فعلية داخل هذا التيار.
الصين والمنافسة الدولية
في التعامل مع الصين، يرفض جانب من اليسار تحويل المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية إلى مواجهة عسكرية أو سياسة احتواء شاملة، ويرى ضرورة الحفاظ على مجالات للتعاون والتفاوض، خصوصًا في القضايا ذات التأثير العالمي.
وفي الوقت نفسه، تؤيد أصوات تقدمية حماية الصناعات والعمال الأمريكيين، ومواجهة الممارسات التجارية التي تعتبرها ضارة بحقوقهم.
ويعكس ذلك محاولة للجمع بين حماية المصالح الاقتصادية المحلية وتجنب التصعيد بين القوى الكبرى، دون أن يعني الاتفاق على سياسة موحدة تجاه بكين.
الشرق الأوسط والتدخلات العسكرية
تدعو مكونات من اليسار إلى مراجعة الانتشار العسكري الأمريكي في الخارج، وتقليل التدخلات والإنفاق العسكري، وتوسيع دور الدبلوماسية في إدارة الأزمات.
وفي الملف الإيراني، تتبنى بعض هذه المكونات مواقف رافضة للحرب، وتطالب بالعودة إلى التفاوض ومراجعة كلفة المواجهة على الأمريكيين وشعوب المنطقة.
ولا تعني هذه المواقف بالضرورة الدعوة إلى الانعزال أو الانسحاب الكامل من الشؤون الدولية؛ إذ يمكن رفض التدخل العسكري مع تأييد دور دبلوماسي واقتصادي نشط، يقوم على التعاون والمؤسسات الدولية وتسوية النزاعات.
نحو 2028.. معركة البرنامج والمرشح
تكشف المكاسب الانتخابية أن اليسار الأمريكي يمتلك حضورًا يتجاوز الاحتجاج إلى المنافسة والتنظيم والعمل داخل مؤسسات الحكم. لكن هذا الحضور لا يحوّل الحزب الديمقراطي تلقائيًا إلى حزب اشتراكي، ولا ينهي نفوذ قياداته التقليدية.
الأقرب أننا أمام منافسة متصاعدة على اتجاه الحزب: حجم التزامه بقضايا الطبقة العاملة، وموقفه من الثروة ونفوذ الشركات، وحدود استعداده لمراجعة سياساته الخارجية.
وستكون انتخابات الرئاسة عام 2028 محطة مهمة لقياس قدرة هذا التيار على توسيع تحالفاته والتأثير في اختيار المرشح الديمقراطي وبرنامجه، خصوصًا أن النجاح في دائرة انتخابية أو مدينة لا يضمن وحده بناء أغلبية وطنية.
كما ستُختبر قدرته على مخاطبة ناخبين خارج قواعده المعتادة، وترجمة المطالب الواسعة إلى سياسات واضحة من حيث التمويل والتنفيذ والنتائج.
فالخلاف داخل الحزب الديمقراطي يتعلق بمن سيقوده، وبالسياسات التي سيعرضها على الناخبين، وبقدرته على الجمع بين تنوع مكوناته وبرنامج قابل للحكم.
وما حققه اليسار يمنحه موقعًا أقوى في هذه المنافسة، بينما تبقى قدرته على تغيير اتجاه الحزب مرهونة بما ينجزه من داخل المؤسسات، وما يبنيه من ثقة خارجها.
اقرأ أيضا:
ترامب بين بوتين وإيران.. هل تُشترى التهدئة بالنفط؟