ترامب بين بوتين وإيران.. هل تُشترى التهدئة بالنفط؟
كتب: أحمد السيد رفعت
زيارة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى روسيا، وتقارب موسكو وطهران، وتهديدات دونالد ترامب باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران؛ هل تمثل هذه التطورات مسارات منفصلة، أم أنها أجزاء من مفاوضات أوسع تتجاوز حدود الحربين الأوكرانية والإيرانية؟
في السياسة الدولية، لا تكشف التصريحات وحدها اتجاه الأحداث، كما لا تكفي الزيارات الدبلوماسية لفهم ما يدور خلف الأبواب المغلقة. أحيانًا تكمن أهمية الحدث في توقيته، والملفات التي تتزامن معه، وما قد يترتب عليه من تفاهمات، أكثر مما تكمن في البيانات الرسمية الصادرة عنه.
وخلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026، تزامنت مجموعة من التطورات التي تستحق قراءتها في سياق واحد: لقاء ويتكوف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستعداد موسكو لاستئناف المفاوضات بشأن أوكرانيا، وبدء تصدير الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، والتحضير لزيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو، إلى جانب انتقال ترامب من استبعاد الهجوم على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي إلى التلويح بعملية عسكرية جديدة.
فهل نحن أمام مصادفة فرضها تقارب المواعيد، أم أصبح النفط مفتاحًا لإدارة المساومات بين واشنطن وموسكو وطهران؟
ويتكوف في روسيا.. أوكرانيا ليست الملف الوحيد
في 21 أكتوبر، التقى ستيف ويتكوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرج، في إطار الجهود الأمريكية الرامية إلى استئناف المفاوضات بشأن الحرب الأوكرانية.
وأعلن الكرملين، عقب اللقاء، أن موسكو مستعدة من حيث المبدأ للمشاركة في محادثات جديدة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا خلال نوفمبر، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق بشأن شروط التسوية أو القضايا الخلافية الأساسية. reuters.com
لكن المحادثات لم تجر في فراغ سياسي أو اقتصادي؛ فقد تزامنت مع اتفاق مثير للجدل يسمح بتصدير الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه إدارة ترامب ضغوطًا داخلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتداعيات الحرب مع إيران.
وغادرت بالفعل ناقلة تحمل نحو 40 ألف طن من الديزل الروسي متجهة إلى نيويورك، فيما تقول الإدارة الأمريكية إن شحنات إضافية قد تسهم في تخفيف الضغوط على سوق الوقود. غير أن خبراء يشككون في قدرة هذه الكميات على إحداث انخفاض ملموس في الأسعار، بينما ترى كييف أن عائدات الطاقة تمنح موسكو موارد إضافية لمواصلة الحرب.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: واشنطن التي استخدمت العقوبات الاقتصادية للضغط على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، باتت تبحث عن إمدادات روسية تساعدها في مواجهة أزمة الوقود التي تفاقمت نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت عن أوكرانيا أو عقدت تسوية شاملة مع موسكو، لكنه يكشف أن ملفات الحرب والطاقة وإيران أصبحت تتحرك داخل دائرة تفاوض واحدة، حتى إن بقيت التفاهمات جزئية ومؤقتة.
النفط الروسي.. من هدف عسكري إلى ورقة تفاوض
تحولت منشآت الطاقة الروسية خلال الحرب الأوكرانية إلى جزء أساسي من معادلة الضغط المتبادل، بعدما استهدفت كييف عددًا من المصافي والمستودعات النفطية لإضعاف قدرة موسكو على تمويل الحرب وتعطيل الإنتاج والتصدير.
وفي المقابل، واصلت روسيا ضرب البنية التحتية الأوكرانية، خصوصًا منشآت الكهرباء والطاقة، ما جعل أي حديث عن «هدنة للطاقة» مرتبطًا بشروط وضمانات يصعب الاتفاق عليها.
وكان ترامب قد طرح تفاهمًا للحد من الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، لكن الخلاف استمر بشأن نطاقه وآليات تنفيذه، وسط اتهامات متبادلة بخرقه.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الساحة الأوكرانية: هل تسعى واشنطن إلى تقليص استهداف المصافي الروسية فقط لتسهيل مفاوضات السلام، أم أن حماية تدفقات الوقود ومنع اضطراب الأسواق أصبحت جزءًا من الحسابات الأمريكية؟
بالنسبة إلى موسكو، تمثل الطاقة أحد أهم مصادر الدخل والنفوذ السياسي. أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن استقرار أسعار النفط والوقود أصبح ضرورة اقتصادية وانتخابية، خصوصًا قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر.
وهكذا تتقاطع حسابات الحرب مع الحسابات الداخلية الأمريكية؛ فما يحدث في مصفاة روسية أو مضيق بحري بالشرق الأوسط قد ينعكس مباشرة على سعر الوقود الذي يدفعه الناخب الأمريكي.
زيارة بزشكيان إلى موسكو.. لماذا يكتسب التوقيت أهمية؟
من المقرر أن يزور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان موسكو في 27 أكتوبر للمشاركة في قمة للدول المصدرة للغاز، وعقد لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وتأتي الزيارة في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية واقتصادية متصاعدة، بينما تحاول روسيا توسيع هامش حركتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة من دون خسارة شراكتها الاستراتيجية مع طهران.
بالنسبة إلى إيران، لا تقتصر أهمية موسكو على التعاون العسكري والاقتصادي؛ فالعلاقة مع روسيا تمنحها منفذًا سياسيًا في مواجهة الضغوط الأمريكية، وفرصة لتقليل آثار العزلة الدولية.
أما موسكو، فتريد الحفاظ على شراكتها مع طهران، خصوصًا في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن قدرتها على التواصل مع إيران قد تتحول إلى ورقة تفاوض مهمة في علاقتها مع واشنطن.
وتستطيع روسيا، نظريًا، أن تلعب دور الوسيط أو ناقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها قد تستخدم هذا الدور أيضًا لتحسين موقعها في ملفات أوكرانيا والعقوبات والتعاون الاقتصادي.
ومع ذلك، لا توجد معلومات معلنة تثبت أن موسكو تعتزم مقايضة إيران بتنازلات أمريكية في أوكرانيا، أو أن زيارة بزشكيان تمثل ردًا مباشرًا على لقاء بوتين وويتكوف.
الأقرب إلى الواقع أن روسيا تحاول الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الأوراق، والتعامل مع كل ملف باعتباره فرصة لتحسين موقفها في الملفات الأخرى، من دون الالتزام بتحالف يحرمها حرية المناورة.
ترامب وإيران.. لماذا تغيّر الخطاب؟
في 8 أكتوبر، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لن تستأنف ضرباتها العسكرية على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، مشيرًا إلى وجود مناقشات وصفها بالإيجابية.
لكن في 23 أكتوبر، عاد الرئيس الأمريكي ليتحدث عن احتمال تنفيذ عملية عسكرية جديدة ضد إيران، من دون الكشف عن توقيتها أو أهدافها أو نطاقها. apnews.com
وقد يبدو الموقفان متناقضين، إلا أن التصريح الأول استبعد الهجوم خلال فترة زمنية محددة، بينما أبقى الثاني خيار التصعيد قائمًا بعد الانتخابات.
يتحرك ترامب تحت ضغط معادلة شديدة التعقيد؛ فهو يريد إظهار أن القوة العسكرية والعقوبات تستطيعان دفع إيران إلى تقديم تنازلات، لكنه يواجه في الوقت نفسه تكلفة اقتصادية متزايدة للحرب، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والوقود.
كما أن أي عملية عسكرية جديدة قد تمنحه أداة ضغط إضافية على طهران، لكنها تحمل خطر توسيع الحرب وتعطيل الملاحة ورفع أسعار الطاقة إلى مستويات أشد تأثيرًا في الاقتصاد الأمريكي.
ولا تثبت تصريحات ترامب أن قرار الهجوم قد اتُّخذ بالفعل، كما أن استبعاد الضربات قبل الانتخابات لا يضمن استمرار التهدئة بعدها. إنها مساحة للمساومة السياسية والعسكرية، لكنها قد تتحول إلى جولة جديدة من الحرب إذا فشلت الاتصالات الدبلوماسية.
الطاقة تجمع الملفات الثلاثة
إذا جُمعت التطورات السابقة في مشهد واحد، تبدو الطاقة نقطة الالتقاء الأوضح بين الحرب الأوكرانية والأزمة الإيرانية والحسابات الانتخابية الأمريكية.
في أوكرانيا، تؤثر الضربات التي تستهدف المصافي والمنشآت النفطية في قدرة روسيا على الإنتاج والتصدير وتمويل عملياتها العسكرية.
وفي الشرق الأوسط، أدت الحرب مع إيران والاضطرابات المحيطة بممرات الملاحة إلى زيادة أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين، ما انعكس على الاقتصاد العالمي والمستهلك الأمريكي.
أما روسيا، فتحاول الاستفادة من حاجات واشنطن في سوق الوقود، مع الاحتفاظ بشراكتها مع إيران، وفي الوقت نفسه فتح باب التفاوض بشأن أوكرانيا والعقوبات والعلاقات الاقتصادية.
بهذا المعنى، لا يعود النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل يصبح أداة تفاوض تمنح مالكه القدرة على التحرك بين الأزمات ومبادلة التنازلات بالمصالح.
هل نحن أمام صفقة كبرى؟
تبدو فرضية «الصفقة الكبرى» جذابة؛ إذ يمكن تصور تفاهمات تشمل أوكرانيا وإمدادات الطاقة والعقوبات والأزمة الإيرانية ضمن مفاوضات أوسع بين واشنطن وموسكو.
وقد تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على تعاون روسي لضبط أسعار الوقود وفتح مسار مع إيران، في مقابل تخفيف بعض القيود الاقتصادية على موسكو أو منحها مساحة أوسع في مفاوضات أوكرانيا.
لكن الانتقال من هذا الاحتمال إلى تأكيد وجود صفقة سرية يحتاج إلى أدلة غير متوافرة حتى الآن.
الأكثر واقعية هو النظر إلى ما يحدث باعتباره محاولة لإعادة ترتيب أوراق التفاوض. واشنطن تريد تقليل تكلفة الحرب مع إيران، والحد من ارتفاع أسعار الطاقة، وتحقيق تقدم في أوكرانيا. وموسكو تسعى إلى تخفيف عزلتها والعقوبات المفروضة عليها، واستعادة العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط.
أما طهران، فتحاول منع عزلتها من التحول إلى هزيمة استراتيجية، وتجنب تقديم تنازلات تحت التهديد العسكري وحده، مستفيدة من علاقتها بروسيا في توسيع هامش المناورة.
من يملك النفط يملك مساحة أوسع للمساومة
لا تكمن أهمية هذه التطورات في إثبات وجود اتفاق سري بين واشنطن وموسكو بشأن إيران، بل في كشف مدى تداخل ملفات الطاقة والحروب والعقوبات والعلاقات الاقتصادية.
فحين ترتفع أسعار الوقود، تتغير أولويات الحكومات، وتصبح التنازلات التي كانت تبدو مستحيلة قبل أشهر قابلة للنقاش. وحين تتحول المصافي والناقلات وخطوط الإمداد إلى أدوات في الصراع، يصبح النفط شريكًا خفيًا على طاولة المفاوضات.
والسؤال خلال الأيام المقبلة لن يكون فقط: هل تستأنف الولايات المتحدة ضرب إيران؟
بل أيضًا: هل تستطيع موسكو وواشنطن تحويل حاجتهما المتبادلة في ملف الطاقة إلى تفاهم سياسي أوسع؟ وهل تنجح روسيا في فتح قناة جدية بين واشنطن وطهران؟ وهل تُترجم التهدئة حول المنشآت النفطية إلى تقدم في مفاوضات أوكرانيا؟
الإجابة لن تظهر في التصريحات وحدها، بل في القرارات التي ستليها: ما الذي سيتغير على جبهات القتال؟ وهل تتراجع الهجمات على منشآت الطاقة؟ وهل يظل التلويح العسكري أداة للضغط، أم يتحول إلى جولة جديدة من الحرب؟
عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت التهدئة قد اشترتها الدبلوماسية، أم دفع ثمنها النفط.
اقرأ أيضا :
ترامب يصعّد هجومه على زيلينسكي: حان الوقت لمفاوض آخر باسم أوكرانيا
حين تتغير المصالح.. هل يصبح الكرملين شريكًا لليمين القومي الغربي؟