موجة زرقاء تهز واشنطن.. كيف خسر الجمهوريون الكونغرس وكسرت الأقليات حواجز التاريخ؟

0 72

واشنطن – 4 نوفمبر 2026 – بريجيت محمد 

لم تكن خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس أبرز ما حملته انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وحدها؛ فقد امتدت انتصارات الديمقراطيين إلى ولايات اعتاد الحزب الجمهوري التعامل معها بوصفها أرضًا آمنة، وتزامنت مع صعود نساء ومرشحين من أقليات عرقية ودينية إلى مواقع لم يسبق لأبناء مجتمعاتهم الوصول إليها.

وبينما حسمت توقعات شبكات إخبارية انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، بدت واشنطن أمام تحول يتجاوز تبدل المقاعد: رئيس يواجه معارضة أقوى، وحزب جمهوري مطالب بتفسير خسائره، وديمقراطيون أمام اختبار تحويل الانتصار الانتخابي إلى نتائج ملموسة.

فكيف اتسعت الخسارة إلى معاقل محافظة؟ وما الذي تعنيه هذه النتائج للعامين المتبقيين من ولاية دونالد ترامب؟ وهل يكفي وصول وجوه أكثر تنوعًا لتغيير طريقة إدارة السياسة الأمريكية؟

المعاقل المحافظة لم تعد مضمونة

تكشف خريطة النتائج عن حجم الاختراق الديمقراطي. ففي تكساس، فاز جيمس تالاريكو بمقعد في مجلس الشيوخ، منهيًا غياب الديمقراطيين عن الفوز بانتخابات المجلس في الولاية منذ عام 1988.

وفي كانساس، كانت المفاجأة أشد دلالة؛ إذ أطاح القس آدم هاملتون بالسيناتور الجمهوري روجر مارشال، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بانتخابات مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1932.

وامتدت التحولات إلى أوهايو وآيوا وكارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية. ولم تعد المسألة، بذلك، خسارة بعض الدوائر المتأرجحة، بل تراجعًا جمهوريًا في مناطق شكلت جزءًا مهمًا من قوة الحزب الانتخابية.

هذه الاختراقات تجعل وصف الانتخابات بأنها مجرد استجابة معتادة ضد الحزب الحاكم تفسيرًا غير كافٍ بمفرده؛ فاتساع الخسارة جغرافيًا يطرح أسئلة بشأن أداء الإدارة، واختيار المرشحين، وقدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بتحالفهم الانتخابي.

لماذا عاقب الناخبون الجمهوريين؟

أشارت التغطيات الانتخابية إلى حضور الغلاء وتكاليف المعيشة والقلق من الفساد والحرب مع إيران ضمن العوامل التي أثقلت كاهل الجمهوريين. كما رصدت تحولات بين ناخبين شباب ومن أصول لاتينية ابتعدوا عن الحزب مقارنة بالانتخابات السابقة.

وفي كانساس، قدم استطلاع للناخبين أجرته «إيه بي سي نيوز» مؤشرًا أوضح: عبّر نحو أربعة من كل عشرة ناخبين في سباق مجلس الشيوخ عن غضبهم من اتجاه البلاد، وصوّت هؤلاء بفارق واسع لهاملتون. وأظهر الاستطلاع أيضًا أن قرابة ستة من كل عشرة لا يوافقون على أداء ترامب.

لكن هذه الأرقام تخص سباقًا بعينه، ولا تكفي وحدها لتفسير النتيجة الوطنية. فانتخابات الكونغرس تجمع مئات المنافسات، وتتداخل فيها صورة الرئيس مع قضايا محلية وشخصيات المرشحين وحملاتهم. والأقرب أن النتيجة جاءت من تفاعل هذه العوامل، لا من سبب منفرد.

ترامب: تهديد بالفيتو وباب مفتوح للتعاون

عكست تعليقات ترامب الأولى مسارين مختلفين في التعامل مع الهزيمة. فعلى «تروث سوشيال»، لوّح باستخدام حق النقض، ونشر صورة لقبعة تحمل كلمة «VETO»، كما أعلن أنه سيحلل أسباب فوز المرشحين وخسارتهم.

وفي الوقت نفسه، حاول الفصل بين شعبيته ونتائج حزبه، معتبرًا أن الجمهوريين كانوا سيحققون فوزًا كبيرًا لو كان اسمه على ورقة الاقتراع. ثم أقر، في مقابلة مع «فوكس نيوز»، بأن الديمقراطيين أدوا جيدًا، وأبدى استعدادًا للعمل معهم.

ولا تعني هذه الرسائل أن الإدارة حسمت طريقة تعاملها مع الأغلبية الجديدة.

لكنها تكشف عن خيارين سيلازمان المرحلة المقبلة: مواجهة تشريعية يستخدم فيها الرئيس صلاحياته، أو تفاوض على ملفات يستطيع الطرفان تقديمها بوصفها إنجازات للناخبين.

ماذا يستطيع الكونغرس الجديد أن يغيّر؟

تمنح الأغلبية الديمقراطية الحزب قدرة أكبر على تحديد أولويات التشريع وعقد جلسات الاستماع ومراقبة أداء الإدارة. كما تعزز سيطرته على مجلس الشيوخ تأثيره في التعيينات التي تحتاج إلى موافقة المجلس.

لكن الانتصار لا يمنح الديمقراطيين حرية تنفيذ برنامجهم كاملًا. فترامب يحتفظ بالرئاسة وحق النقض، وقد تتحول الخلافات بشأن الإنفاق والقوانين إلى مواجهات تستلزم تسويات أو تؤدي إلى تعطيل.

وسيكون حجم الأغلبية النهائي عاملًا مهمًا أيضًا؛ فكلما ضاق الفارق، ازدادت أهمية الخلافات داخل الحزب نفسه، وأصبح إرضاء النواب المنتخبين في دوائر محافظة أصعب من الاكتفاء بخطاب موحد ضد الرئيس.

جورجيا ونيو مكسيكو.. نساء يعبرن حواجز قديمة

بالتوازي مع الصراع على الأغلبية، حملت الانتخابات تحولات في هوية من يتولون السلطة.

ففي جورجيا، أصبحت كيشا لانس بوتومز، عمدة أتلانتا السابقة، أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية أمريكية. ويحمل الفوز وزنًا رمزيًا في ولاية ارتبط تاريخها بالعبودية والفصل العنصري، وكانت ساحة رئيسية لنضالات الحقوق المدنية.

وفي نيو مكسيكو، أصبحت ديب هالاند، المنتمية إلى شعب لاجونا بويبلو، أول امرأة من السكان الأصليين تُنتخب حاكمة لولاية أمريكية.

وسبق لها أن كسرت حاجزًا آخر بتولي وزارة الداخلية في إدارة جو بايدن.

هذه الانتصارات توسع التمثيل السياسي، لكنها تضع الفائزات أمام الاختبارات اليومية نفسها التي تواجه أي حاكم: الخدمات والاقتصاد وإدارة الموارد، والقدرة على تمثيل ناخبين لم يصوتوا لهن.

مجلس الشيوخ يستقبل وجوهًا غير مسبوقة

في مينيسوتا، انتُخبت بيغي فلاناغان لتصبح أول امرأة من السكان الأصليين تفوز بعضوية مجلس الشيوخ. وفي ميشيغان، أصبح عبدول السيد أول مسلم يُنتخب للمجلس.

أما في نيوهامبشير، فقد أصبح كريس باباس أول رجل مثلي الجنس مُعلن الميول يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ، بعد سنوات في مجلس النواب.

والدقة هنا ضرورية: فلاناغان أول امرأة من السكان الأصليين تصل إلى المجلس، وباباس أول رجلمثلي مُعلن الميول يُنتخب له؛ فالسابقة تتعلق بهذين الوصفين، وليست غيابًا كاملًا لتمثيل السكان الأصليين أو المثليين عن تاريخ المؤسسة.

وتشير هذه النتائج إلى اتساع الفرص أمام مرشحين من خلفيات متنوعة. لكنها لا تثبت أن الهوية وحدها حسمت التصويت؛ إذ تظل البرامج والظروف المحلية وأداء المنافسين جزءًا أساسيًا من تفسير الفوز.

جيفريز أمام فرصة لم تُحسم بعد

تفتح استعادة مجلس النواب الطريق أمام زعيم الديمقراطيين حكيم جيفريز للترشح لرئاسته. وإذا اختاره أعضاء المجلس، فسيصبح أول أمريكي أسود يتولى المنصب.

لكن رئاسة المجلس تحتاج إلى تصويت منفصل عند انعقاد الكونغرس الجديد، ولذلك تظل سابقة محتملة، بخلاف الانتصارات التي حُسمت في صناديق الاقتراع.

وسيواجه جيفريز، إذا انتُخب، مهمة الجمع بين تيارات ديمقراطية مختلفة، والتفاوض مع البيت الأبيض، وإثبات أن الحزب يستطيع إدارة المجلس وتقديم بدائل عملية.

أوباما يدعو للعمل.. وماسك يختار السخرية

قرأ باراك أوباما النتائج باعتبارها دعوة إلى سياسة أقل انقسامًا وأكثر اهتمامًا بالحلول، وأشاد بتنوع المرشحين والمتطوعين والعاملين في الانتخابات، مطالبًا باستثمار العامين المقبلين لإحداث تغييرات ممكنة.

وعلى الجانب الآخر، علّق إيلون ماسك ساخرًا بأن «أشعة الليزر الفضائية» التي يستخدمها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة؛ وهي مزحة نشرها عقب خسائر الجمهوريين، وليست إقرارًا بواقعة تدخل.

وبين الدعوة إلى العمل والسخرية من الخسارة، يبقى السؤال السياسي أكثر صعوبة: كيف يستجيب الحزبان للناخبين الذين غيّروا موازين الكونغرس؟

الفوز بداية اختبار جديد

تمنح النتائج الديمقراطيين أدوات أقوى لمساءلة الإدارة، لكنها تمنحهم أيضًا نصيبًا أكبر من المسؤولية عن أداء المؤسسات.

وفي المقابل، يواجه الجمهوريون ضرورة مراجعة أسباب خسائرهم، بدلًا من اختزالها في مرشحين بعينهم أو في طبيعة انتخابات منتصف المدة.

أما وصول شخصيات من مجتمعات لم تحظَ بتمثيل مماثل من قبل، فيضيف إلى المشهد معنى يتجاوز التنافس الحزبي.

وسيظل الحكم على هذا التحول مرتبطًا بما يقدمه الفائزون بعد الاحتفالات: قوانين قابلة للتنفيذ، وخدمات أفضل، واستجابة لمشكلات المعيشة التي لا يحلها تغيير الأغلبية وحده.

اقرأ أيضا:
ترامب يعلن اتفاقًا لوقف المساعدات لإسرائيل بنهاية 2026.. وغموض بشأن التنفيذ

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق