انتخابات إسرائيل تكشف انحيازًا واسعًا نحو اليمين.. لا أغلبية للحكم ولا أفق قريب للدولة الفلسطينية

0 10

كتبت:بريجيت محمد 

كشفت النتائج الجزئية للانتخابات الإسرائيلية عن استمرار الانقسام الحاد بشأن هوية الحكومة المقبلة، مقابل تقارب لافت بين معظم الأحزاب اليهودية الكبرى حول رفض إقامة دولة فلسطينية، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل غزة والضفة الغربية وفرص استئناف أي مسار سياسي يقوم على حل الدولتين.

ومع فرز أكثر من 84% من الأصوات، ظل حزب «الليكود» بقيادة بنيامين نتنياهو في صدارة الأحزاب، لكن معسكره لم يحقق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، أخفق معسكر غادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار!»، في الوصول إلى 61 مقعدًا، لتعود الأحزاب العربية إلى موقع مؤثر في معادلة تشكيل السلطة.

وتشير قراءة سياسية للنتائج إلى أن التنافس الانتخابي لم يكن بين مشروعين متناقضين جذريًا تجاه الفلسطينيين، بل دار بدرجة كبيرة حول القيادة والأمن وإدارة الحرب، بينما بقي رفض الدولة الفلسطينية قاسمًا مشتركًا بين أبرز القوى المتنافسة.

الليكود أولًا من دون أغلبية

أظهرت النتائج الجزئية، بعد فرز نحو 84.5% من الأصوات، حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، مقابل 49 لمعسكر آيزنكوت، بينما حصلت الأحزاب العربية على 17 مقعدًا.

وتظل هذه الأرقام قابلة للتغير مع استكمال الفرز واحتساب المظاريف المزدوجة، ومنها أصوات الجنود والدبلوماسيين والناخبين الموجودين خارج دوائرهم.

وكانت مرحلة سابقة من الفرز، عند احتساب نحو 70% من الأصوات، قد منحت معسكر نتنياهو 54 مقعدًا، ومعسكر آيزنكوت 47 مقعدًا، والأحزاب العربية 19 مقعدًا. ويؤكد تغير الأرقام ضرورة انتظار النتائج الرسمية قبل إعلان الفائز أو تحديد فرص تشكيل الحكومة. The Times of Israel

وبحسب التوزيع الأحدث، بقي «الليكود» أكبر الأحزاب، يليه «ياشار!»، مع احتفاظ الأحزاب العربية بتمثيل قوي قد يمنحها دورًا حاسمًا إذا قررت المعارضة التعاون معها.

انقسام حزبي واتجاه عام نحو اليمين

تعكس النتائج انقسام المجتمع الإسرائيلي بين أحزاب وتكتلات متعددة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول واسع نحو اليمين في القضايا المتعلقة بالفلسطينيين.

فقد تركزت حملة نتنياهو على الأمن ومواجهة إيران ورفض أي حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، إلى جانب تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على مواصلة العمليات العسكرية وحماية إسرائيل.

أما آيزنكوت، الذي حاول تقديم نفسه بديلًا مؤسسيًا وأكثر اعتدالًا في إدارة الدولة، فلم يطرح تحولًا جوهريًا تجاه إقامة دولة فلسطينية.

ولذلك، فإن وصف الانتخابات بأنها منافسة بين مشروع للحرب وآخر للسلام لا يعكس حقيقة البرامج المطروحة؛ إذ اقترب الطرفان في رفضهما قيام دولة فلسطينية، رغم اختلافهما في إدارة الحرب والمؤسسات والتحالفات الداخلية.

آيزنكوت ورفض الدولة الفلسطينية

أعلن آيزنكوت صراحة خلال الحملة أنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية في ظل حكومة يشكلها، ردًا على دعوة منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال.

وقال آيزنكوت: «لا توجد دولة فلسطينية، وفي الحكومة التي سنشكلها لن تُقام دولة فلسطينية»، وهو موقف يوضح أن خلافه مع نتنياهو لا يمثل بالضرورة تغييرًا جذريًا في القضية الفلسطينية. and there won’t

كما استخدم الطرفان هذا الملف في الصراع الانتخابي؛ فاتهم نتنياهو خصومه بأنهم قد يقودون إلى قيام دولة فلسطينية، بينما سعى معسكر آيزنكوت إلى تصوير رئيس الوزراء باعتباره صاحب تنازلات سابقة، مستعيدًا مصافحته للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال التسعينيات.

وهكذا تحول رفض الدولة الفلسطينية إلى أداة للمزايدة الانتخابية، بدل أن يكون موضوعًا لنقاش سياسي حول إنهاء الصراع.

غزة حاضرة في خلفية الانتخابات

جرت الانتخابات في ظل التداعيات السياسية والإنسانية للحرب على غزة، وفي وقت تلاحق نتنياهو مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

وتتهم المحكمة نتنياهو بالمسؤولية المزعومة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل استخدام التجويع وسيلةً للحرب، وتوجيه هجوم ضد السكان المدنيين، إلى جانب القتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى. وتظل هذه اتهامات قضائية لم تُحسم بمحاكمة نهائية. International Criminal Court

وفي سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أعمال إبادة جماعية في قطاع غزة، وحمّلت الدولة الإسرائيلية مسؤولية ارتكابها وعدم منعها أو معاقبة المسؤولين عنها.

وترفض إسرائيل هذه الخلاصات والاتهامات، بينما لم تصدر محكمة دولية حكمًا نهائيًا يحسم مسؤولية الدولة عن جريمة الإبادة الجماعية.

مسؤولية نتنياهو وآيزنكوت

قاد نتنياهو الحكومة الإسرائيلية خلال الجزء الأكبر من الحرب، وظل المدافع الأول عن استمرار العمليات العسكرية، إلى جانب رفضه المتكرر قيام دولة فلسطينية.

كما يواجه داخليًا محاكمة في قضايا فساد واحتيال وخيانة أمانة، وهي اتهامات ينفيها ويصفها بأنها جزء من حملة سياسية لإبعاده عن السلطة.

أما آيزنكوت، الرئيس السابق لأركان الجيش، فقد شارك في حكومة الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، وكان عضوًا في مجلسها المصغر خلال الأشهر الأولى من العمليات العسكرية في غزة.

وبالتالي، لا يمثل صعوده قطيعة كاملة مع السياسات الأمنية والعسكرية السابقة، وإن كان يختلف مع نتنياهو في إدارة المؤسسات، وتشكيل الحكومة، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، والعلاقة مع أحزاب اليمين الديني المتطرف.

صعود غير مسبوق للأحزاب العربية

مثّل ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية إحدى أبرز نتائج الانتخابات، بعدما تراوح نصيبها خلال مراحل الفرز بين 17 و19 مقعدًا.

وفي مرحلة فرز 70.7% من الأصوات، حصلت القائمة المشتركة على 13 مقعدًا، والقائمة العربية الموحدة «راعم» على ستة مقاعد، ليصل مجموعهما إلى 19 مقعدًا. tps.co.il

وقد يمنح هذا التمثيل الأحزاب العربية القدرة على منع نتنياهو من الحصول على أغلبية، أو دعم حكومة بديلة يقودها آيزنكوت، سواء من داخل الائتلاف أو عبر التصويت له من الخارج.

لكن هذا الاحتمال يصطدم برفض معظم قادة الأحزاب اليهودية الاعتماد على القوائم العربية، إضافة إلى الشروط السياسية التي تطرحها القائمة المشتركة، وفي مقدمتها الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وتغيير السياسات تجاه غزة والضفة الغربية.

ووصف منصور عباس عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة بأنها «كارثة»، إلا أن موقف آيزنكوت الرافض لإقامة دولة فلسطينية يجعل التوصل إلى اتفاق بينهما بالغ الصعوبة.

هل أيد 80% من الإسرائيليين الإبادة الجماعية؟

لا يمكن استخلاص أن أكثر من 80% من الإسرائيليين أيدوا «الإبادة الجماعية» لمجرد تصويتهم لأحزاب يهودية أو لقادة شاركوا في إدارة الحرب؛ فهذا استنتاج سياسي وأخلاقي واسع لا تقيسه نتائج الانتخابات وحدها.

كما أن نسبة المقاعد لا تطابق بالضرورة نسبة التأييد الشعبي لكل سياسة، فضلًا عن اختلاف دوافع الناخبين بين الأمن والاقتصاد والدين والهوية وقضايا التجنيد وشخصية المرشح.

لكن النتائج تسمح باستخلاص مؤشر سياسي أكثر دقة: أغلبية الأحزاب اليهودية التي حصلت على المقاعد لا تطرح إنهاء الحرب والاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية بوصفها أولوية، بينما أعلنت قوى رئيسية رفضها الصريح لحل الدولتين.

ولا يعني ذلك غياب أصوات إسرائيلية معارضة للحرب والاحتلال؛ إذ توجد حركات سلام ومنظمات حقوقية وأحزاب وناشطون يطالبون بوقف العمليات العسكرية وحماية الفلسطينيين. إلا أن هذه القوى لم تتحول إلى أغلبية انتخابية قادرة على تغيير الاتجاه العام.

ماذا تعني النتائج للفلسطينيين؟

بصرف النظر عن اسم رئيس الحكومة المقبلة، لا تشير البرامج السياسية للقوى اليهودية الكبرى إلى تحول قريب في ملفات غزة والضفة الغربية والدولة الفلسطينية.

وقد تختلف حكومة يقودها آيزنكوت عن حكومة نتنياهو في علاقتها بالقضاء والمؤسسات والولايات المتحدة واليمين المتطرف، لكنها لن تكون بالضرورة حكومة تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

أما استمرار نتنياهو، فقد يعني محاولة تشكيل حكومة يمينية جديدة، أو الاتجاه إلى ائتلاف وحدة يستبعد بعض حلفائه الأكثر تطرفًا، من دون التخلي بالضرورة عن سياساته الأساسية تجاه الأراضي الفلسطينية.

لذلك، تكمن الدلالة الأهم للانتخابات في أن أزمة تشكيل الحكومة لا تعني وجود انقسام مماثل بشأن الدولة الفلسطينية. فإسرائيل تبدو منقسمة حول من يقودها وكيف تُدار، لكنها أقرب إلى التوافق بين قواها الرئيسية على رفض التسوية التي تقوم على قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وهو ما يجعل صعود الأحزاب العربية مهمًا من حيث القدرة على تعطيل بعض الائتلافات، لكنه لا يكفي وحده لتغيير المسار السياسي ما لم تقبل أحزاب المعارضة اليهودية شراكة حقيقية معها وبرنامجًا مختلفًا تجاه الفلسطينيين.

اقرأ أيضا:
نتنياهو يقلب نتائج الانتخابات ويتصدر الفرز.. وترامب يدفع نحو حكومة وحدة تستبعد بن غفير

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق