مدبولي يوضح جدوى المدن الجديدة والمشروعات القومية: 15 مليون مصري يعيشون خارج الوادي والدلتا

0 64

أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة يمثلان ضرورة استراتيجية لمواجهة الزيادة السكانية وحماية الأراضي الزراعية والحد من النمو العشوائي، مشددًا على أن الدولة لم توجه اهتمامها إلى المدن الجديدة على حساب تطوير المناطق القائمة والريف المصري.

واستعرض مدبولي، خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» في اليوم الثاني من «منتدى مصر 2026»، المبررات الاقتصادية والاجتماعية للمشروعات القومية، موضحًا أسباب إنشاء العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة، وحجم الاستثمارات الموجهة إلى الإسكان والنقل والبنية الأساسية وتطوير المناطق غير الآمنة.

ويُعقد المنتدى تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر، بمشاركة وزراء وخبراء وأكاديميين وممثلين عن المؤسسات والقطاع الخاص.

لماذا أنفقت الدولة على المشروعات القومية؟

استهل رئيس الوزراء مداخلته بعرض عدد من الأسئلة التي أثارها المواطنون، وفي مقدمتها أسباب توجيه حجم كبير من الإنفاق إلى مشروعات التشييد والبناء والنقل، والعائد الاقتصادي والاجتماعي لهذه المشروعات، ومدى ملاءمة توقيت تنفيذها في ظل التحديات الاقتصادية.

كما تناول تساؤلات بشأن تركيز الدولة على إنشاء مدن جديدة، وما إذا كان ذلك قد جاء على حساب تحسين الخدمات في المدن القائمة، فضلًا عن أسباب بناء العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة واستمرار إنشاء تجمعات عمرانية أخرى.

وأوضح مدبولي أن القضية الأساسية تتمثل في تمركز السكان، على مدار قرون، داخل مساحة محدودة من الوادي والدلتا، رغم الزيادة الكبيرة في عدد السكان.

وأشار إلى أن عدد سكان مصر كان أقل من 10 ملايين نسمة في بداية القرن العشرين، وبلغ نحو 18 مليونًا مع قيام ثورة يوليو عام 1952، قبل أن يرتفع حاليًا إلى قرابة 110 ملايين نسمة.

النمو العشوائي وتهديد الأراضي الزراعية

قال رئيس الوزراء إن مصر شهدت، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى عامي 2010 و2011، توسعًا كبيرًا في المناطق العشوائية، بالتوازي مع التآكل السريع للأراضي الزراعية وتدهور مستوى الخدمات وارتفاع الكثافة السكانية داخل المدن.

وأضاف أن عددًا من المفكرين والخبراء، وفي مقدمتهم المؤرخ والجغرافي جمال حمدان، أكدوا ضرورة الخروج من الوادي والدلتا والتوسع في تعمير الصحراء باعتباره مسارًا لا غنى عنه لمواجهة الضغوط السكانية.

وأوضح أن البداية الفعلية لإنشاء المدن الجديدة جاءت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات خلال سبعينيات القرن الماضي، رغم ما واجهته الفكرة آنذاك من انتقادات طالبت بتوجيه الموارد إلى تطوير المدن القائمة بدلًا من إقامة مجتمعات عمرانية في الصحراء.

وحتى عام 2014، كانت الدولة قد أنشأت 22 مدينة جديدة، من بينها العاشر من رمضان والسادات والسادس من أكتوبر والعبور والشروق والقاهرة الجديدة.

المدن الجديدة ليست للإسكان فقط

شدد مدبولي على أن أهمية المدن الجديدة لا تقتصر على توفير الوحدات السكنية، بل تمتد إلى إقامة مناطق صناعية واقتصادية متكاملة.

وأشار إلى أن مدن أكتوبر والسادات وبرج العرب والعبور أصبحت من أهم القلاع الصناعية في مصر، وأسهمت في توفير فرص العمل وحماية الأراضي الزراعية من البناء العشوائي.

وأوضح أن غياب التخطيط المسبق وإتاحة المساكن والأراضي يدفع المواطنين إلى البحث عن حلول فردية، وهو ما يؤدي إلى ظهور مناطق عشوائية وغير آمنة.

وقال إن تعمير الصحراء وتنمية الأراضي غير المستغلة يمثلان ضرورة حتمية، مؤكدًا أن تأخير هذه العملية يضاعف تكلفة التنفيذ ويزيد من معدلات التعدي على الأراضي الزراعية.

مخطط عمراني يمتد حتى عام 2052

أوضح رئيس الوزراء أن مشروعات التنمية العمرانية الحالية تستند إلى «المخطط القومي للتنمية العمرانية لمصر حتى عام 2052»، الذي أُعد على مدار عدة سنوات واكتمل في بداية عام 2012.

وأضاف أن المخطط، الذي وضعه خبراء مصريون، يقدم رؤية متكاملة للتنمية على مدى 40 عامًا، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي اطلع عليه قبل توليه المسؤولية، ووجّه بتنفيذ ما يتضمنه من مشروعات وتوجهات.

ووفقًا لمدبولي، يتضمن المخطط إنشاء 39 مدينة جديدة، نُفذت أو يجري تنفيذ 27 مدينة منها، على أن تُقام المدن الـ12 المتبقية خلال المراحل المقبلة.

وتشمل المدن الجاري تنميتها غرب قنا وناصر غرب أسيوط وأسوان الجديدة وشرق بورسعيد ورفح الجديدة والإسماعيلية الجديدة والمنصورة الجديدة، إلى جانب العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة.

15 مليون مصري يعيشون في المدن الجديدة

رفض رئيس الوزراء ما يتردد بشأن خلو المدن الجديدة من السكان، مؤكدًا أن عدد المقيمين فيها بصورة دائمة يتراوح بين 14 و15 مليون نسمة.

وقال إن هذه التقديرات تستند إلى بيانات عدادات الكهرباء، التي تشمل نحو 3.3 مليون عداد سكني وأكثر من 350 ألف عداد للأنشطة التجارية والصناعية والإدارية، بخلاف أعداد المترددين يوميًا على تلك المدن للعمل.

وأشار إلى أن عدد سكان القاهرة الجديدة يقترب من 3 ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد سكان مدينة السادس من أكتوبر نحو مليوني نسمة، مضيفًا: «المدن الجديدة أصبحت مدنًا مليونية».

وأوضح أن المدن التي بدأ إنشاؤها خلال ثمانينيات القرن الماضي تجني الأجيال الحالية ثمارها، بينما تستهدف مدن الجيل الرابع توفير مساحات عمرانية وفرص اقتصادية للأجيال المقبلة.

لماذا أُنشئت العاصمة الجديدة؟

قال مدبولي إن العاصمة الجديدة تندرج ضمن خطة التوسع العمراني، لكن ما يميزها هو انتقال مقر الحكومة والوزارات إليها.

وأشار إلى أن نقل مراكز الحكم والإدارة ليس جديدًا، موضحًا أن الخديوي إسماعيل أنشأ منطقة وسط القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنقل مقر الحكم والوزارات من قلعة صلاح الدين، وظلت المنطقة مركزًا إداريًا للدولة نحو 150 عامًا.

وأضاف أن خبراء التخطيط بدأوا منذ تسعينيات القرن الماضي المطالبة بنقل الوزارات من قلب القاهرة بسبب الاختناق العمراني والمروري.

وأوضح أن حكومة الدكتور أحمد نظيف كلفت هيئة التخطيط العمراني خلال عامي 2007 و2008 بدراسة خمسة مواقع مقترحة، شملت الموقع الحالي للعاصمة الجديدة، والمنطقة المحيطة بمسجد المشير طنطاوي، وجزيرة الوراق، وشمال طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، وموقعًا آخر.

وأكد أن الدراسات رجحت الموقع الحالي للعاصمة الجديدة باعتباره الأكثر ملاءمة للتوسع العمراني طويل الأجل وتحفيز النمو باتجاه شرق القاهرة.

وأضاف أن المنطقة المحيطة بمسجد المشير جاءت في المرتبة الثانية، إلا أن الخبراء حذروا من أن زيادة الحركة المرورية حولها قد تؤدي، بمرور الوقت، إلى تكرار مشكلات وسط القاهرة.

خسائر الزحام تصل إلى 10 مليارات دولار سنويًا

قال رئيس الوزراء إن القاهرة كانت تعاني اختناقًا عمرانيًا ومروريًا يستدعي حلولًا طويلة الأجل، مستشهدًا بدراسة للبنك الدولي حذرت من تفاقم الازدحام وتحول العاصمة إلى ما يشبه ساحة كبيرة لانتظار السيارات.

وأوضح أن متوسط سرعة السيارات في بعض المناطق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات في الساعة، وأن خسائر الازدحام السنوية، الناتجة عن استهلاك الوقود والتلوث وإهدار الوقت والطاقة، تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار.

وأكد أن اختيار موقع العاصمة الجديدة لم يكن قرارًا عشوائيًا، بل استند إلى دراسات تخطيطية شارك فيها متخصصون، مع مراعاة احتياجات مصر خلال الخمسين أو المائة عام المقبلة.

العلمين الجديدة.. من حقول الألغام إلى التنمية

وفيما يتعلق بمدينة العلمين الجديدة، أوضح مدبولي أن الاستغلال السابق للساحل الشمالي اعتمد بصورة أساسية على إقامة قرى سياحية ومصايف تعمل لمدة شهرين فقط خلال العام، دون إنشاء مدن متكاملة تضم أنشطة اقتصادية وصناعية وخدمية.

وقال إن الرؤية الجديدة تستهدف تحويل الساحل الشمالي إلى منطقة قابلة للحياة والعمل على مدار العام، عبر إنشاء سلسلة من المدن التي تجمع بين السياحة والإقامة والإنتاج والخدمات.

وأشار إلى أن منطقة العلمين كانت من أكبر مناطق حقول الألغام، وأن سكان محافظة مطروح تعرضوا لحوادث متكررة بسببها، قبل أن تبدأ الدولة تحويلها إلى منطقة للتنمية الشاملة.

وأضاف أن العلمين الجديدة استقبلت، وفقًا للبيانات التي عرضها، نحو مليون سائح خلال العام الجاري، وأسهمت في جذب الاستثمارات وتوفير موارد اقتصادية بدلًا من بقاء المنطقة غير مستغلة.

المشروعات الكبرى توفر فرص العمل

أكد رئيس الوزراء أن التنمية التي تنفذها الدولة لا تقتصر على الإسكان، بل تشمل الزراعة والصرف الصحي والموانئ والمشروعات الصناعية والسياحية.

وأشار إلى ارتفاع نسبة المساحة المعمورة في مصر إلى نحو 14%، موضحًا أن الدولة تستهدف استيعاب الزيادة السكانية والتخطيط لاحتياجات تمتد إلى ما بين 30 و40 عامًا.

وقال إن نتائج المشروعات الكبرى قد تظهر بعد 15 أو 20 عامًا، وإن تأجيل التنفيذ قد يؤدي إلى تضاعف التكلفة أربع أو خمس مرات.

وأضاف أن معدل البطالة بلغ نحو 13.5% عام 2014، بينما يمثل قطاع التشييد والبناء أحد أسرع القطاعات في توفير فرص العمل، لارتباطه بأكثر من 100 صناعة، فضلًا عن الوظائف التي تستمر بعد تشغيل المدن والمنشآت.

تطوير 350 منطقة غير آمنة

ردًا على الانتقادات المتعلقة بإهمال المدن القديمة، قال مدبولي إن مصر كانت تضم أكثر من 350 منطقة غير آمنة عندما تولى الرئيس السيسي المسؤولية عام 2014، وكان سكانها يعيشون داخل عشش ومساكن تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.

وأضاف أن الدولة انتهت من تطوير هذه المناطق وإعادة تسكين أكثر من 350 ألف أسرة، بما يعادل أكثر من 1.5 مليون مواطن، في وحدات سكنية لائقة.

وأشار إلى مشروعات الأسمرات والمحروسة وروضة السيدة، إلى جانب أعمال تطوير القاهرة القديمة والتاريخية والإسلامية، والمشروعات المنفذة في المدن وعواصم المحافظات.

وأكد أن إنشاء المدن الجديدة وتطوير المدن القائمة نُفذا بالتوازي، وليس على حساب أحدهما الآخر.

«حياة كريمة» تشمل 4600 قرية

وفيما يتعلق بعدالة توزيع الاستثمارات، وصف رئيس الوزراء المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بأنها أهم مشروع تنموي تنفذه الدولة المصرية في القرن الحادي والعشرين.

وأوضح أن المبادرة تستهدف تطوير نحو 4600 قرية يسكنها قرابة 60 مليون مواطن، من خلال ثلاث مراحل.

وقال إن المرحلة الأولى شملت 1477 قرية، بتكلفة تجاوزت 450 مليار جنيه، مشيرًا إلى توجيهات الرئيس ببدء المرحلتين الثانية والثالثة تباعًا لاستكمال تطوير القرى المستهدفة.

ارتفاع تغطية الصرف الصحي في الريف

استعرض مدبولي تطور خدمات الصرف الصحي في القرى، موضحًا أن نسبة التغطية كانت تتراوح بين 11% و12% عام 2014، عندما كان عدد سكان الريف يقارب 60 مليون نسمة.

وأضاف أن نحو 7 ملايين مواطن فقط كانوا يحصلون على الخدمة في ذلك الوقت، بينما تجاوزت نسبة التغطية حاليًا 60%، ليستفيد منها ما بين 36 و40 مليون شخص.

وأشار إلى أن هذا التطور تحقق من خلال مشروعات «حياة كريمة» والخطط الأخرى المخصصة لتطوير القرى وتحسين بنيتها الأساسية.

أكثر من مليوني وحدة لمحدودي ومتوسطي الدخل

وفي ملف الإسكان، قال رئيس الوزراء إن الدولة أنشأت أكثر من مليوني وحدة سكنية خلال الفترة من 2014 إلى 2026، خُصصت لمحدودي ومتوسطي الدخل.

وأوضح أن هذه المشروعات أسهمت في الحد من أزمة الإسكان وظواهر اجتماعية سابقة، من بينها اضطرار بعض المواطنين إلى الإقامة داخل المقابر أو المناطق غير الآمنة.

وأكد أن الزيادة السكانية المستمرة تفرض مواصلة تنفيذ مشروعات الإسكان، خاصة لتلبية طلبات الشباب وتوفير وحدات تناسب احتياجاتهم وقدراتهم.

واختتم مدبولي حديثه بالتأكيد على أن التوسع العمراني لا يستهدف التعامل مع احتياجات الحاضر فقط، بل إقامة مجتمعات متكاملة قادرة على استيعاب النمو السكاني وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود المقبلة.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق