أوروبا في الشوارع.. من ميلانو إلى باريس وتيرانا وبروكسل خريطة غضب تتجاوز الحدود
كتبت: د/ سارة غنيم
من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أزمة التعليم والبطالة وسياسات التقشف، شهدت عدة دول أوروبية موجة متزامنة من الاحتجاجات التي أخرجت مئات الآلاف إلى الشوارع، وكشفت عن اتساع الفجوة بين الحكومات وقطاعات متزايدة من الشباب والعمال.
ولا تمثل هذه التحركات حركة أوروبية موحدة أو تنظيمًا عابرًا للحدود، إذ تختلف دوافعها من دولة إلى أخرى. لكنها تتقاطع عند شعور متصاعد بفقدان الأمان الاقتصادي والاجتماعي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وضيق الفرص المتاحة أمام الأجيال الجديدة.
ففي فرنسا، انطلقت التعبئة من أزمة المدارس وارتفاع الأسعار، بينما تركز الغضب في إيطاليا على تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات. وفي ألبانيا، تحولت احتجاجات طلابية وبيئية إلى تحدٍّ مباشر لرئيس الحكومة، فيما خرجت النقابات والطلاب في بلجيكا رفضًا للتقشف والإصلاحات الحكومية.
ميلانو.. الاحتجاج يتحول إلى مواجهات ونهب
شهدت مدينة ميلانو الإيطالية مواجهات عنيفة بعدما تحولت مظاهرة ضد ارتفاع الأسعار والتضخم وتقليص الخدمات العامة إلى اضطرابات في محيط ساحة الدومو وعدد من الشوارع التجارية بوسط المدينة.
وبدأت التحركات بمشاركة مئات الأشخاص، بعد دعوات انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تنفصل مجموعات ملثمة عن المسيرة وتدخل في مواجهات مع الشرطة، مستخدمة الحجارة والزجاجات والمفرقعات النارية.
وردت قوات الأمن بإطلاق الغاز المسيل للدموع واستخدام خراطيم المياه، فيما تعرضت متاجر للنهب وتحطمت واجهات محال تجارية، إلى جانب تدمير مركبة تابعة لقوات الكارابينيري وإشعال حواجز في الشوارع.
واستمرت الاضطرابات لليوم الثاني، وارتفع عدد المحتجزين في ميلانو إلى أكثر من 200 شخص منذ بداية الأحداث، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام إيطالية، مع الإشارة إلى أن نسبة كبيرة منهم من القاصرين.
وقدّرت جمعية التجار الإيطالية «كونفكوميرتشو» الخسائر التي لحقت بالمتاجر والأنشطة التجارية بأكثر من نصف مليون يورو، بينما لا تزال عمليات حصر الأضرار مستمرة.
وأعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني عقد اجتماع أمني لتقييم الموقف ودراسة إجراءات إضافية لمواجهة من وصفتهم بمستغلي التظاهرات المشروعة لنشر الفوضى والعنف.
لكن المشهد الإيطالي أثار أيضًا نقاشًا بشأن التعامل الأمني مع احتجاجات يشارك فيها عدد كبير من المراهقين، ومدى قدرة السلطات على الفصل بين المتظاهرين السلميين والمجموعات التي تنخرط في أعمال التخريب.
فرنسا.. أزمة المدارس تتحول إلى غضب وطني
تمثل فرنسا مركز الموجة الاحتجاجية الجديدة، بعدما تحولت تحركات طلاب المدارس الثانوية إلى تعبئة واسعة شارك فيها العمال والنقابات ونشطاء من حركة «السترات الصفراء» وقوى سياسية واجتماعية مختلفة.
وبدأت الأزمة بشكاوى تتعلق بنقص المعلمين والموظفين، وتدهور منشآت المدارس، وطول اليوم الدراسي، وصعوبة إجراءات القبول الجامعي. ثم توسعت المطالب لتشمل غلاء المعيشة والأجور والمعاشات وتراجع نموذج الرعاية الاجتماعية.
وتراوحت تقديرات المشاركة في مظاهرات 17 أكتوبر بين 550 ألفًا، وفق تقديرات رسمية، و800 ألف شخص بحسب المنظمين، موزعين على عشرات المسيرات في أنحاء البلاد.
ورغم الطابع السلمي لأجزاء واسعة من الاحتجاجات، شهدت باريس وليون ومرسيليا وبوردو وليموج مواجهات وأعمال نهب وإحراق وتخريب لمبانٍ عامة وخاصة.
وفي ليموج، تعرض مبنى البلدية التاريخي لأضرار شديدة جراء حريق، بينما شهدت باريس محاولات لاقتحام مناطق محظورة واقتراب مجموعات من محيط قصر الإليزيه.
وارتفع عدد المحتجزين على خلفية الأحداث إلى أكثر من 2400 شخص في أنحاء فرنسا، مع تسجيل إصابات بين أفراد الأمن والمتظاهرين، وسط تحقيقات في استخدام الشرطة لوسائل مكافحة الشغب.
وأدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، مؤكدًا أن المطالب الاجتماعية لا تبرر مهاجمة المؤسسات أو نهب المتاجر وإحراق الممتلكات.
كما تقدم وزير الداخلية لوران نونيز باستقالته على خلفية الانتقادات الموجهة إلى أداء الأجهزة الأمنية وعدم توقع حجم الاضطرابات، إلا أن ماكرون رفضها، مفضلًا استمرار القيادة الأمنية في إدارة الأزمة.
وتواجه حكومة سيباستيان لوكورنو واحدة من أصعب أزماتها، في ظل مقارنات متزايدة بين الاحتجاجات الحالية وحركة «السترات الصفراء» التي بدأت عام 2018.
تيرانا.. جيل شاب يتحدى حكومة إيدي راما
في ألبانيا، تجاوزت الاحتجاجات المطالب التعليمية وتحولت إلى مواجهة سياسية مباشرة مع حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، الذي يتولى السلطة منذ عام 2013 وفاز بولاية رابعة في انتخابات 2025.
وخرج آلاف الشباب إلى شوارع العاصمة تيرانا ومدن أخرى، مطالبين باستقالة راما، ومتهمين حكومته بالفشل في مواجهة الفساد والبطالة وتدهور أوضاع الجامعات وانسداد الأفق أمام الأجيال الجديدة.
وبدأت الحركة بقيادة طلابية قبل أن تتسع جغرافيًا واجتماعيًا. وشهدت المظاهرات مواجهات بعدما ألقى محتجون الحجارة على قوات مكافحة الشغب، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت وخراطيم المياه.
وامتدت الاضطرابات إلى دوريس وإلباسان وفلوره ومدن أخرى، بينما وُجهت اتهامات إلى مئات الأشخاص على خلفية العنف والتخريب. ورفض راما التنحي، معتبرًا أن الاضطرابات تهدد مسار ألبانيا نحو عضوية الاتحاد الأوروبي أكثر مما تهدد حكومته.
مشروع سياحي يشعل الغضب في ألبانيا
لا تنفصل الموجة الحالية عن احتجاجات سابقة أثارها مشروع منتجع سياحي فاخر على الساحل الألباني، يرتبط باستثمارات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويقول المعارضون إن المشروع يهدد مناطق طبيعية محمية ومواطن الطيور المهاجرة، كما أثار جدلًا بشأن ملكية الأراضي والشفافية وشبهات المحاباة.
وأدت الاحتجاجات المتعلقة بالمشروع إلى ظهور ما يعرف بـ«ثورة الفلامنجو»، التي رفعت شعار «ألبانيا ليست للبيع»، وجمعت بين المطالب البيئية والاعتراض على الفساد وعدم عدالة توزيع عوائد التنمية. apnews.com
ومع تصاعد أزمة الجامعات والبطالة، وجدت هذه الحركة أرضًا مشتركة مع الاحتجاجات الطلابية، ما منح الغضب الشبابي بعدًا سياسيًا أوسع.
بروكسل.. الطلاب والنقابات في مواجهة التقشف
في بلجيكا، تركزت الاحتجاجات على السياسات الاقتصادية والإصلاحات الاجتماعية وخطط خفض الإنفاق التي تتبناها الحكومة الائتلافية برئاسة بارت دي ويفر.
وشهدت بروكسل مظاهرات شارك فيها طلاب ونقابات عمالية وموظفون رفضًا لإجراءات التقشف وتعديل أنظمة العمل والتقاعد والتعليم. كما أدت التحركات إلى اضطرابات في وسائل النقل وإغلاق عدد من الطرق والمنشآت.
وتطورت بعض المسيرات إلى مواجهات محدودة، بعدما أقام محتجون حواجز وأشعلوا النار في صناديق ومواد داخل الشوارع، لترد الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
وسجلت توترات في محيط محطة بروكسل الجنوبية وساحة البورصة، إلى جانب مواجهات خلال مسيرة بمدينة لييج. وسبق أن خرج آلاف المتظاهرين في العاصمة في 9 أكتوبر للاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة قبل إعلان موازنتها الجديدة.
وتحمل الاحتجاجات في بروكسل دلالة رمزية إضافية؛ فالمدينة التي تستضيف المؤسسات الرئيسية للاتحاد الأوروبي أصبحت ساحة للنقاش بشأن التوفيق بين الانضباط المالي والحفاظ على دولة الرفاه والحماية الاجتماعية.
غضب مشترك وأسباب مختلفة
لا تجمع هذه الاحتجاجات قيادة واحدة أو برنامج سياسي مشترك. فالمطالب في فرنسا تتعلق بالتعليم وتكاليف المعيشة، بينما تركز التحركات الإيطالية على الأسعار والخدمات، وتطالب الحركة الألبانية بتغيير سياسي شامل، في حين تقود النقابات البلجيكية مواجهة ضد التقشف.
لكن القاسم المشترك بينها يتمثل في شعور الشباب والطبقات العاملة بأن الأعباء الاقتصادية تُنقل إليهم، بينما تضيق فرص العمل والسكن والتعليم وتتراجع جودة الخدمات العامة.
كما أدت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا في تنظيم المظاهرات وتسريع انتشارها، لكنها أسهمت أيضًا في ظهور تحركات غير مركزية يصعب على السلطات والمنظمين السيطرة عليها أو توقع حجمها.
هل تواجه أوروبا موسمًا جديدًا من الاضطرابات؟
لا تكفي احتجاجات متزامنة في عدد من الدول للحديث عن انتفاضة أوروبية واحدة، لكنها تكشف عن أزمة اجتماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
فالضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وأزمات السكن والتعليم والوظائف لم تعد مطالب قطاعية منفصلة، بل بدأت تتجمع في خطاب أوسع يشكك في أولويات الحكومات وقدرتها على حماية الطبقات الوسطى والفقيرة.
وتواجه الحكومات الأوروبية اختبارًا مزدوجًا: الاستجابة للمطالب الاجتماعية المشروعة، ومنع تحول الشوارع إلى مساحات للعنف والنهب.
وبين المطالب الاقتصادية وغضب الأجيال الجديدة وأزمة الثقة في المؤسسات، تبدو أوروبا أمام موجة احتجاجية قد تتراجع مؤقتًا، لكنها ستظل قابلة للعودة ما دامت الأسباب التي أخرجت الناس إلى الشوارع بلا حلول مقنعة.
اقرأ أيضا:
حين تتغير المصالح.. هل يصبح الكرملين شريكًا لليمين القومي الغربي؟
ميلانو تحصي خسائر ليلة العنف.. نهب متاجر وتحطيم سيارات وإتلاف ممتلكات عامة