حين تتغير المصالح.. هل يصبح الكرملين شريكًا لليمين القومي الغربي؟
كتب: أحمد السيد رفعت
لم تعد علاقة روسيا بالغرب تُقرأ فقط من خلال تاريخ الحرب الباردة أو مشاهد القتال في أوكرانيا. فمع تصاعد الغضب الاجتماعي داخل أوروبا، وتقدم قوى قومية تشكك في كلفة المواجهة مع موسكو، وفتح الولايات المتحدة قنوات للتفاوض مع الكرملين، يبرز سؤال جديد: هل تنتقل روسيا تدريجيًا من موقع العدو التاريخي إلى شريك محتمل لبعض القوى الغربية؟
لا يتعلق الأمر بتحالف معلن بين موسكو واليمين القومي، ولا باختفاء التناقضات الأمنية والجيوسياسية، بل بتحول في حسابات المصالح.
فبعض الأحزاب الأوروبية باتت ترى أن استمرار العقوبات وتمويل أوكرانيا وزيادة الإنفاق العسكري تفرض أثمانًا داخلية متزايدة، بينما تبحث روسيا عن منافذ تكسر عزلتها وتضعف وحدة الموقف الغربي.
ورغم أن روسيا ورثت جانبًا مهمًا من القوة العسكرية والنووية للاتحاد السوفيتي، فإنها لم تعد تمثل المشروع الشيوعي الذي شكّل الخصم الأيديولوجي للغرب طوال عقود. وبدلًا من ذلك، ظهرت تقاطعات بينها وبين بعض التيارات القومية والمحافظة في قضايا السيادة الوطنية والهوية والقيم الاجتماعية والاعتراض على العولمة وهيمنة المؤسسات العابرة للحدود.
لكن هل تكفي هذه التقاطعات لصناعة شراكة سياسية، أم أنها مجرد تفاهمات مؤقتة تفرضها الظروف؟
الاحتجاجات الأوروبية وتغير المزاج السياسي
أعادت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها فرنسا وعدد من الدول الأوروبية في 17 أكتوبر 2026 تسليط الضوء على الغضب المتصاعد من غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأزمات التعليم والإسكان والأجور.
ولم تكن هذه التحركات جبهة أوروبية موحدة ضد الحرب الأوكرانية أو العقوبات المفروضة على روسيا، بل احتجاجات متفرقة ذات مطالب اجتماعية وسياسية مختلفة. ففي فرنسا، تداخلت مطالب الطلاب مع احتجاجات النقابات وحركة «السترات الصفراء» الرافضة لارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات. كما شهدت إيطاليا والبرتغال وبلجيكا تحركات مرتبطة بالأوضاع المعيشية.
ومع ذلك، يمكن لقوى اليمين القومي استثمار هذا الغضب في مساءلة أولويات الحكومات، وربط الأزمات الاقتصادية بحجم الإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية.
ولا تتوقف فاعلية هذه الحجة على دقتها الكاملة في تفسير الأزمات، بقدر ارتباطها بقدرة الأحزاب على إقناع الناخبين بأن حكوماتهم تهتم بالصراعات الخارجية أكثر من اهتمامها بمشكلاتهم اليومية.
لكن الاحتجاجات لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب انتخابية لليمين، كما أن صعود القوى القومية لا يعني بالضرورة تبني مواقف موالية لروسيا. ويتوقف تأثير الغضب الاجتماعي على قدرته على تغيير موازين القوى وفرض مراجعة حقيقية للسياسة الأوروبية تجاه موسكو.
فرنسا.. هل تفتح لوبان نافذة أمام روسيا؟
تكتسب فرنسا أهمية خاصة بسبب ثقلها السياسي والعسكري والنووي، ودورها المحوري داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وإذا وصلت مارين لوبان إلى قصر الإليزيه في انتخابات 2027، فمن المرجح أن تصبح العلاقة مع روسيا ودعم أوكرانيا من أبرز اختبارات سياستها الخارجية.
ارتبط حزب «التجمع الوطني» تاريخيًا بعلاقات مثيرة للجدل مع موسكو، أبرزها حصوله عام 2014 على قرض من بنك روسي. لكن اندلاع الحرب واسعة النطاق في أوكرانيا جعل هذا الإرث عبئًا سياسيًا، ودفع الحزب إلى تأكيد استقلال قراره عن الكرملين.
وفي أحدث مواقفها، دعت لوبان إلى إنهاء الدعم المالي المباشر لأوكرانيا، معتبرة أن فرنسا لم تعد قادرة على الاستمرار في تقديم ما وصفته بـ«الشيكات المفتوحة». لكنها أبقت الباب مفتوحًا أمام تدريب الجنود الأوكرانيين وتقديم المعدات العسكرية.
يكشف هذا الموقف توجهًا نحو تقليص الدعم وتغيير طبيعته، لكنه لا يعني انضمام فرنسا تلقائيًا إلى المعسكر الروسي أو التخلي الكامل عن كييف.
وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة لوبان، إذا وصلت إلى السلطة، على ترجمة تصريحاتها إلى سياسات، ومدى استعداد المؤسسات الفرنسية والشركاء الأوروبيين لقبول تحول جوهري في موقف باريس.
إيطاليا وألمانيا.. اليمين ليس كتلة واحدة
تكشف التجربة الإيطالية حدود الحديث عن تحالف موحد بين اليمين الأوروبي وروسيا. فرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني حافظت على دعم أوكرانيا والتزامات إيطاليا داخل حلف الناتو، رغم جذورها القومية والمحافظة.
وفي المقابل، اتخذ شريكها الحكومي ماتيو سالفيني موقفًا أكثر تحفظًا تجاه استمرار الدعم غير المحدود لكييف، وترك الباب مفتوحًا أمام استئناف شراء الغاز الروسي بعد انتهاء الحرب.
أما في ألمانيا، فتتبنى قوى مثل حزب «البديل من أجل ألمانيا» مواقف رافضة لإرسال المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا، وتدعو إلى رفع العقوبات واستئناف الحوار مع موسكو. كما اتخذ تحالف سارة فاجنكنشت مواقف مشابهة، وإن انطلق من خلفية سياسية مختلفة.
وهنا تتقاطع أطراف من اليمين واليسار الشعبويين في الاعتراض على الحرب والعقوبات، لكنها لا تقدم بالضرورة رؤية واحدة لروسيا أو لموقع أوروبا داخل التحالف الغربي.
فرفض الإنفاق العسكري لا يعني تلقائيًا الثقة في الكرملين، والدعوة إلى التفاوض قد تنطلق من حسابات اقتصادية أو داخلية، لا من تقارب أيديولوجي مع موسكو.
المجر بعد أوربان.. سقوط حليف الكرملين الأبرز
مثّلت حكومة فيكتور أوربان، طوال سنوات، أبرز منافذ موسكو السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، بسبب معارضتها المتكررة للعقوبات وتعطيلها بعض القرارات الأوروبية المتعلقة بدعم أوكرانيا.
لكن خسارة أوربان الانتخابات التشريعية في أبريل 2026، بعد 16 عامًا في السلطة، وصعود بيتر ماجيار وحزب «تيسا» المؤيد للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، أعادا رسم موقع المجر داخل القارة.
وفي 16 أكتوبر، أعلن ماجيار الاتفاق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على إعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس سياسية واقتصادية جديدة، مع تأكيد تضامن بودابست مع أوكرانيا واستعدادها للمساعدة دبلوماسيًا في الوصول إلى وقف لإطلاق النار وسلام دائم.
ويكشف التحول المجري إحدى نقاط ضعف الرهان الروسي على حلفائه الأوروبيين؛ فالحكومات تتغير، ومعها قد تتبدل المواقف والتحالفات.
لكن المصالح الاقتصادية لا تختفي بالسرعة نفسها. إذ يظل اعتماد المجر على مصادر الطاقة الروسية عاملًا يصعب تجاوزه فورًا، ما يعني أن التحول السياسي لا يساوي بالضرورة فك الارتباط الاقتصادي الكامل مع موسكو.
ما الذي يجمع القوميين الأوروبيين بروسيا؟
تتقاطع بعض القوى القومية الأوروبية مع الكرملين في عدد من القضايا؛ فهي تعترض على استمرار الحرب من دون أفق واضح للتسوية، وتتحفظ على الأعباء الاقتصادية للعقوبات، وتدافع عن سيادة الدول في مواجهة المؤسسات فوق القومية.
كما تشارك بعض هذه الأحزاب روسيا رفضها جوانب من الليبرالية الغربية، واهتمامها بقضايا الهوية والأسرة والمحافظة الاجتماعية.
لكن هذه المساحات المشتركة لا تكفي لصناعة تحالف مستقر. فالمصالح الفرنسية تختلف عن المصالح المجرية، والحسابات الألمانية لا تشبه الإيطالية، كما أن دول شرق أوروبا تنظر إلى روسيا بوصفها تهديدًا أمنيًا مباشرًا مهما تغيرت الحكومات.
لذلك، لا يبدو المشهد أقرب إلى تحالف أيديولوجي متماسك، بل إلى تقاطعات سياسية واقتصادية قد تتسع عندما تتوافق المصالح، وتتراجع فور اصطدامها باعتبارات الأمن والسيادة والنفوذ.
واشنطن وموسكو.. تفاوض يثير قلق أوروبا
زاد التحول في السياسة الأميركية من تعقيد المشهد. فقد أبقت إدارة الرئيس دونالد ترامب قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، وأعلنت تفاهمًا لوقف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة.
لكن هذا التفاهم ظل موضع شك، إذ لم تؤكده موسكو وكييف رسميًا بصورة كاملة، بينما استمرت الهجمات الروسية على منشآت الطاقة الأوكرانية. وأعلن زيلينسكي أن روسيا استهدفت منشآت الطاقة والنفط والغاز في بلاده عشرات المرات خلال أسبوع واحد.
كما أثار تخفيف بعض القيود المرتبطة بالوقود الروسي انتقادات أميركية وأوروبية، وسط مخاوف من أن تمنح هذه الخطوات موسكو متنفسًا اقتصاديًا من دون الحصول على تنازلات سياسية أو عسكرية واضحة في المقابل.
وفي المقابل، واصل عدد من القادة الأوروبيين تأكيد دعم أوكرانيا والبحث عن مصادر إضافية لتمويل احتياجاتها العسكرية والاقتصادية، ما يكشف تفاوتًا متزايدًا بين الأولويات الأميركية والأوروبية.
ولا يعني هذا التفاوت انفصال الولايات المتحدة عن أوروبا استراتيجيًا، لكنه يوضح اختلافًا في تقدير كلفة الحرب وطريقة التعامل مع روسيا.
هل يعيد الغرب رسم علاقته مع روسيا؟
قد يمنح صعود قوى أوروبية تطالب بمراجعة العقوبات وتقليص دعم أوكرانيا موسكو فرصة لتخفيف عزلتها وإضعاف التوافق الغربي.
ولا تحتاج روسيا إلى تحالف رسمي مع اليمين القومي لتحقيق مكاسب استراتيجية؛ فقد يكون كافيًا أن يتراجع الإجماع الأوروبي بشأن العقوبات والمساعدات العسكرية، وأن تتحول السياسة تجاه موسكو من المواجهة المفتوحة إلى تفاوض تديره كل دولة وفق مصالحها الخاصة.
لكن أي تقارب سيظل محكومًا بتناقض أساسي: الكرملين يريد توسيع نفوذ روسيا واستعادة مجالها الاستراتيجي، بينما تسعى الأحزاب القومية الغربية إلى تعزيز سيادة دولها وحماية مصالحها الوطنية.
وقد يتعاون الطرفان في ملفات محددة، لكنهما قد يصطدمان عندما يشعر القوميون الأوروبيون بأن النفوذ الروسي يهدد استقلال دولهم أو أمنها.
لهذا، ربما لا تتحول روسيا من عدو تاريخي إلى صديق كامل، لكنها قد تصبح شريكًا اضطراريًا أو مؤقتًا لبعض القوى الغربية التي ترى أن التفاهم معها أقل تكلفة من استمرار المواجهة.
وفي السياسة الدولية لا توجد عداوة أبدية ولا صداقة دائمة؛ فالمصالح هي التي تعيد تعريف الحلفاء والخصوم. وما يبدو اليوم صراعًا لا يقبل التسوية، قد يصبح غدًا مجالًا للتفاوض إذا تبدلت موازين القوة وتغيرت حسابات المكسب والخسارة.
اقرأ أيضا:
احتجاجات غلاء المعيشة تهز فرنسا وإيطاليا.. مواجهات وحرائق ومئات المحتجزين