بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة ترتيب فريقه بعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، معلنًا تعيين مستشاره ستيفن ميلر رئيسًا لموظفي البيت الأبيض خلفًا لسوزي وايلز.
وبالتوازي، حمّل الديمقراطيين مسؤولية التراجع الحاد في الأسواق، وجدد تهديداته لإيران، بينما تتسع داخل حزبه مراجعة أسباب الهزيمة وحسابات المنافسة على خلافته في انتخابات 2028.
ويأتي التغيير في رئاسة موظفي البيت الأبيض بعد فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونجرس، في أول تعديل بارز داخل الفريق الرئاسي عقب الانتخابات.
وقال ترامب إن القرار يدخل حيز التنفيذ الاثنين المقبل، على أن تنتقل وايلز إلى العمل ضمن جهازه السياسي.
ميلر يخلف وايلز.. تعديل في الفريق دون إعلان تغيير المسار
اختار ترامب ستيفن ميلر، أحد أقرب مستشاريه وأبرز مهندسي سياساته المتشددة بشأن الهجرة، لتولي إدارة فريق البيت الأبيض خلال مرحلة يستعد فيها الديمقراطيون لممارسة رقابة أوسع على الإدارة.
وبحسب شبكة «سي إن إن»، قدمت وايلز استقالتها مساء الخميس، بعد أيام من تصاعد الاستياء داخل البيت الأبيض بشأن نتائج الانتخابات. وأشاد ترامب بأدائها، فيما أكدت هي استمرار التزامها بدعمه رغم انتقالها إلى دور آخر.
ويحمل اختيار ميلر دلالة سياسية؛ إذ يعزز موقع شخصية مرتبطة بأكثر أولويات الإدارة إثارة للجدل، بدلًا من تقديم إشارة واضحة إلى التراجع عنها.
ومع ذلك، يبقى تقييم أثر التغيير مرهونًا بالقرارات التي سيتخذها الفريق الجديد.
وول ستريت تتحول إلى ساحة مواجهة سياسية
استغل ترامب الخسائر الحادة التي شهدتها الأسهم الأمريكية الخميس لشن هجوم على الديمقراطيين، رابطًا اضطراب الأسواق بنتائج الانتخابات ومخاوف المستثمرين من تشديد القيود على قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وخسرت السوق الأمريكية نحو 3.2 تريليون دولار من قيمتها في جلسة واحدة، وسط موجة بيع استهدفت خصوصًا الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع تصاعد القلق بشأن مستقبل التوسع في مراكز البيانات. reuters.com
وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» انخفاضًا بنسبة 4.4%، في أسوأ جلسة له منذ اضطرابات أبريل 2025، بينما تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط قوية.
لكن تحميل حزب واحد المسؤولية الكاملة يظل موقفًا سياسيًا لترامب؛ فالأسواق تعكس توقعات المستثمرين بشأن التنظيم والإنفاق والأرباح، إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى.
كما أن رد فعل السوق لم يكن موحدًا منذ إعلان النتائج؛ فقد ارتفعت المؤشرات الرئيسية الأربعاء، قبل موجة الهبوط في اليوم التالي، ما يوضح تقلب تقديرات المستثمرين لتداعيات التوازن السياسي الجديد.
إيران بين التصعيد والضغط الاقتصادي والتفاوض
على صعيد السياسة الخارجية، جدد ترامب تهديده باستئناف الهجمات على إيران، مع الإبقاء على احتمال التوصل إلى اتفاق. وقال إنه يفضل تجنب مزيد من التدمير، لكنه قد يلجأ إلى ذلك، مشيرًا إلى أن قراره سيتضح قريبًا.
وجاءت تصريحاته عقب اجتماع مع مستشاري الأمن القومي، هو الأول لمناقشة الملف الإيراني بعد الانتخابات، بحسب تقارير إعلامية أمريكية.
ونقل موقع «أكسيوس» أن الرئيس يدرس ثلاثة مسارات: توجيه ضربات جديدة، أو مواصلة الضغط الاقتصادي، أو التوصل إلى اتفاق يتضمن تنازلات أمريكية مهمة لطهران. ولم تتضمن التقارير إعلانًا بصدور قرار نهائي بشأن أي من هذه الخيارات.
وتتزامن هذه المداولات مع جهود وساطة إقليمية، بينها تحركات قطرية، لمحاولة دفع المفاوضات وتجنب استئناف المواجهة العسكرية. لذلك لا يمكن التعامل مع المواعيد المتداولة لضربة محتملة باعتبارها جدولًا عسكريًا مؤكدًا.
فانس يدفع نحو الاتفاق.. ومراجعة جمهورية لأسباب الهزيمة
داخل الإدارة، أفادت «أكسيوس» بأن فانس يدفع منذ أشهر نحو اتفاق ينهي الحرب مع إيران.
وتتقاطع هذه الجهود مع موقفه المعلن بعد الانتخابات، حين ربط الخسارة الجمهورية بالحرب وارتفاع تكاليف المعيشة، ودعا إلى إعادة التركيز على المصالح الأمريكية ومراجعة العلاقة مع إسرائيل.
لكن النقاش داخل الحزب أوسع من الملف الإيراني؛ إذ تشمل مراجعة النتائج التضخم والسياسات التجارية وأداء الإدارة ومدى استجابتها لأولويات الناخبين. ومن ثم، فإن تفسير الهزيمة بالحرب وحدها لا يعكس بالضرورة اتفاقًا بين جميع القيادات الجمهورية.
سباق 2028 يبدأ تحت وطأة النتائج
فتحت الخسائر الباب أمام تنافس مبكر حول هوية المرشح الجمهوري المقبل، وحدود ابتعاده عن إرث ترامب أو استمراره فيه. ويبرز في هذا النقاش فانس، وحاكم فلوريدا رون ديسانتيس، والسيناتور تيد كروز، الذين قدموا قراءات للأسباب الاقتصادية والسياسية وراء تراجع الحزب.
ولا تعني هذه التحركات انطلاق حملات رئاسية رسمية، لكنها تكشف بدء إعادة التموضع داخل الحزب، في
وقت يواجه فيه المسؤولون المرتبطون بالإدارة سؤالًا صعبًا: كيف يحتفظون بدعم قاعدة ترامب، ويقدمون في الوقت نفسه إجابات للناخبين الذين ابتعدوا عن الجمهوريين؟
ترامب يتمسك بسلاح التمويل السياسي
رغم الانتكاسة، يخطط ترامب لمواصلة جمع الأموال للاحتفاظ بنفوذه داخل الحزب والتأثير في انتخابات 2028، وفق «أكسيوس».
وتمنحه لجان العمل السياسي المؤيدة له أداة لدعم مرشحين والضغط على آخرين، ما يجعل خسارة الأغلبية البرلمانية مختلفة عن فقدان السيطرة على القاعدة الحزبية أو شبكة التمويل.
وقد سبق للجنة «ماغا إنك» أن تدخلت بقوة في الانتخابات التمهيدية، بما في ذلك دعم منافسين لجمهوريين اختلفوا مع الرئيس، وهو ما يضع قيودًا أمام الراغبين في الابتعاد عنه سياسيًا.
هيغسيث يواجه تحركًا جديدًا للمساءلة
في البنتاغون، تتزايد الضغوط على وزير الدفاع بيت هيغسيث، مع إعلان النائب الجمهوري توماس ماسي عزمه إعادة طرح مواد اتهام برلمانية بحقه عند استئناف عمل الكونجرس، ما لم يستقل.
ويستند التحرك إلى اتهامات يطرحها ماسي بشأن إدارة الحرب على إيران وملفات أخرى، وهي اتهامات لا تمثل أحكامًا قضائية أو إدانة برلمانية محسومة.
كما أن إقرار مجلس النواب مواد الاتهام، إذا حدث، لا يؤدي وحده إلى عزل الوزير؛ إذ يتطلب ذلك محاكمة وتصويتًا بالإدانة في مجلس الشيوخ.
في المقابل، أكد هيغسيث تمسكه بالبقاء في منصبه ومواجهة مساعي مساءلته، بينما أبدى ترامب دعمه له ودافع عن أدائه.
وتضع هذه التطورات الإدارة أمام اختبارات متزامنة: احتواء أثر الهزيمة الانتخابية، وإدارة العلاقة مع كونجرس تقوده المعارضة، وحسم المسار تجاه إيران، والحفاظ على تماسك الحزب قبل معركة الرئاسة المقبلة.
أما تغيير الوجوه في البيت الأبيض، فسيظل خطوة أولى لا تكفي وحدها للإجابة عن أسباب خسارة الناخبين أو كيفية استعادتهم.