من الردع إلى حافة المواجهة.. هل تقترب روسيا والناتو من حرب مباشرة؟
كتب: أحمد السيد رفعت
«إذا تمكن الأوكرانيون من تدمير نصف قدرات تكرير النفط الروسية خلال ستة أشهر، فإننا نستطيع فعل ذلك خلال ستة أسابيع، ثم تدمير النصف الآخر».
بهذه الرسالة الحادة، تحدث وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي عن سيناريو اندلاع حرب محتملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مؤكدًا أن الحلف يمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، ولا سيما في المجال الجوي، وأنه قادر على إلحاق هزيمة سريعة بموسكو إذا هاجمت إحدى دوله.
جاءت تصريحات سيكورسكي، في 12 سبتمبر، خلال مشاركته في اجتماع «استراتيجية يالطا الأوروبية» بالعاصمة الأوكرانية كييف، وسط حرب يتزايد فيها استخدام الأسلحة بعيدة المدى، وتقترب تداعياتها تدريجيًا من حدود الدول الأعضاء في الحلف.
ولا تكمن أهمية التصريحات في استعراض قوة «الناتو» فحسب، بل في انتقال الخطاب من التأكيد التقليدي على الدفاع المشترك إلى الحديث صراحةً عن أهداف اقتصادية واستراتيجية يمكن ضربها داخل الأراضي الروسية.
عندما يتحول الردع إلى حديث عن الضربة
تقوم الرسالة التقليدية للردع على تحذير الخصم من بدء الحرب، وإقناعه بأن تكلفتها ستكون أكبر من أي مكاسب محتملة. لكن سيكورسكي لم يكتفِ بالقول إن روسيا ستواجه ردًا قويًا، بل تحدث عن تدمير قدراتها في تكرير النفط خلال فترة زمنية محددة.
ولم يكن اختيار المصافي عشوائيًا؛ فقد كشفت الحرب عن الأهمية المركزية لمنشآت الطاقة في تمويل العمليات العسكرية الروسية، وتشغيل الاقتصاد، وتوفير الوقود للقوات والقطاعات الصناعية. ولهذا أصبحت المصافي وخطوط الأنابيب ومستودعات النفط أهدافًا متكررة للهجمات الأوكرانية.
وأفادت وكالة الطاقة الدولية بأن تصاعد الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة أسهم في خفض إنتاج النفط الروسي ودفعها إلى تقليص توقعاتها للإنتاج. كما أظهرت بيانات جمعتها وكالة «رويترز» أن الهجمات طالت منشآت تمثل نحو 700 ألف برميل يوميًا من طاقة التكرير خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
وعندما يتحدث مسؤول بارز في دولة عضو بـ«الناتو» عن تنفيذ المهمة نفسها بوتيرة أسرع، فإن الخطاب يتجاوز التلويح العام بالقوة إلى تصور أكثر وضوحًا لطبيعة المواجهة المحتملة: استهداف العمق الاقتصادي ومنشآت الطاقة، وعدم الاكتفاء بالاشتباك العسكري على خطوط الجبهة.
بولندا في قلب دائرة الخطر
تزداد حساسية تصريحات سيكورسكي لأن بولندا ليست مراقبًا بعيدًا عن الحرب، بل دولة حدودية وعضو رئيسي في «الناتو»، كما تمثل أحد أهم مسارات وصول الأسلحة والمساعدات الغربية إلى أوكرانيا.
وفي 13 سبتمبر، أصابت ضربة روسية شاحنة بالقرب من معبر ياهودين–دوروهوسك على الجانب الأوكراني، على مسافة نحو 800 متر فقط من الأراضي البولندية، ما أدى إلى توقف العمل في المعبر مؤقتًا قبل استئنافه.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الهجوم استهدف بنية تحتية تُستخدم في نقل الشحنات العسكرية القادمة من أوروبا، بينما أثار اقتراب الضربة من الحدود البولندية مخاوف جديدة بشأن احتمال امتداد تداعيات الحرب إلى أراضي الحلف.
وفي حادث منفصل، أصابت طائرة مسيّرة روسية قطارًا قرب محطة ياهودين، بعد وقت قصير من مغادرة قطار دبلوماسي كان يقل مسؤولين وشخصيات غربية، بينهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون ورئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلت.
ورجحت شركة السكك الحديدية الأوكرانية أن يكون القطار الدبلوماسي هو الهدف المحتمل للهجوم، غير أنه لا يوجد تأكيد مستقل لهذه الفرضية.
ولم تسفر الضربة عن سقوط إصابات، لكنها زادت المخاوف من اقتراب العمليات العسكرية من حدود بولندا.
وهكذا، جاء حديث سيكورسكي في وقت لم يعد فيه السؤال الأوروبي نظريًا بالكامل: ماذا يحدث إذا عبرت الحرب الحدود، سواء بفعل قرار مقصود أو خطأ في التوجيه أو سوء تقدير؟
موسكو تقرأ المشهد بصورة مختلفة
على الجانب الآخر، تنظر موسكو إلى توسع «الناتو» والدعم العسكري الغربي لأوكرانيا بوصفهما تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وتستخدم هذا التصور لتفسير جانب من أسباب الحرب وتبرير استمرار عملياتها العسكرية.
وقبل تصريحات سيكورسكي، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن نشر قوات أوروبية داخل أوكرانيا سيعني، من وجهة نظر موسكو، الدخول في حرب مباشرة مع روسيا.
وفي كييف، لم يكتفِ سيكورسكي بالحديث عن هزيمة روسيا في حال مهاجمتها إحدى دول الحلف، بل دعا، بحسب ما نُقل عنه، إلى إجراء تدريبات عسكرية لـ«الناتو» قرب منطقة كالينينغراد الروسية بدرجة من القوة تدفع موسكو إلى إعادة توزيع قواتها وسحب جانب منها من جبهة أوكرانيا لحماية المنطقة.
هنا تتقابل رسالتان متناقضتان: تقول موسكو إن توسع الحلف واقترابه من حدودها يمثلان أصل التهديد، بينما يرى مسؤولون في دول شرق أوروبا أن إظهار القوة العسكرية هو الوسيلة الأكثر فاعلية لمنع روسيا من اختبار حدود «الناتو».
وبين الرسالتين تتحرك الجيوش والأسلحة، وتتقلص المسافة بين الردع والاستفزاز.
تصريح مشروط لا إعلان حرب
من المهم وضع كلام سيكورسكي في سياقه الصحيح؛ فهو لم يعلن أن بولندا أو حلف «الناتو» يستعدان لشن حرب على روسيا، وإنما تحدث عن طبيعة الرد المحتمل إذا بادرت موسكو بمهاجمة إحدى الدول الأعضاء.
لكن حدة الرسالة تظل لافتة، لأنها لم تتوقف عند تأكيد مبدأ الدفاع الجماعي، بل تضمنت تصورًا لضرب العمق الروسي وتدمير جزء أساسي من بنيته الاقتصادية.
وهنا تكمن خطورة لغة الردع: فكل طرف يسعى إلى إظهار استعداده وقدرته على الرد، لكن الطرف الآخر قد يقرأ رسالة القوة باعتبارها تمهيدًا لعمل هجومي، فيرد عليها بإجراءات عسكرية مضادة، لتبدأ دائرة يصعب التحكم فيها.
مواجهة تختلف عن حرب أوكرانيا
روسيا قوة نووية كبرى، و«الناتو» أكبر تحالف عسكري في العالم. لذلك، فإن أي صدام مباشر بينهما لن يكون مجرد امتداد لحرب أوكرانيا، بل انتقالًا إلى مستوى مختلف تمامًا من الصراع، يصعب توقع حدوده أو ضمان بقائه تحت السيطرة.
ولا يشترط اندلاع المواجهة صدور قرار سياسي مسبق بخوض حرب شاملة؛ فقد تبدأ الحروب الكبرى أحيانًا من حادث حدودي، أو صاروخ يضل طريقه، أو مسيّرة تعبر المجال الجوي لدولة عضو، أو قراءة خاطئة لتحرك عسكري.
وكلما اقتربت الضربات من حدود الحلف، وتصاعد الحديث الغربي عن استهداف العمق الروسي، اتسعت مساحة الخطأ وسوء الحساب.
ربما يهدف سيكورسكي من وراء تصريحاته إلى الردع وإقناع موسكو بأن مهاجمة «الناتو» ستكون مكلفة إلى درجة لا يمكن تحملها. لكن الردع يحمل وجهًا آخر؛ فإذا بالغ أحد الطرفين في اختبار أعصاب الآخر، فقد تتحول الرسالة التي يُفترض أن تمنع الحرب إلى سبب إضافي للاقتراب منها.
بدأت الحرب الروسية الأوكرانية صراعًا مباشرًا بين دولتين، ثم تحولت تدريجيًا إلى مواجهة غير مباشرة بين موسكو والغرب. أما السؤال الأكثر خطورة الآن فهو: هل يبقى الخط الفاصل بين الحرب بالوكالة والمواجهة المباشرة قائمًا، أم أن تصاعد الخطاب العسكري واقتراب العمليات من حدود «الناتو» يدفعان الجميع خطوة جديدة نحو حافة الحرب؟
اقرأ أيضاً:
الحصاد المر للحرب الروسية الأوكرانية