الحصاد المر للحرب الروسية الأوكرانية

0 69

كتب: أحمد السيد رفعت

قد يظن البعض أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت في 24 فبراير 2022، حين أطلقت موسكو عمليتها العسكرية الواسعة داخل الأراضي الأوكرانية، لكن جذور الصراع بين البلدين تعود إلى سنوات أبعد، وتحديدًا إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين الموالين لها في إقليم دونباس.

ولم تكن القرم يومًا مجرد قطعة أرض متنازع عليها، بل ظلت عقدة جيوسياسية شديدة التعقيد، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي على البحر الأسود. وقد جعلها هذا الموقع، على مدار قرون، ساحة للصراع بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، ثم بين روسيا والقوى الأوروبية.

القرم.. عقدة الصراع التاريخية

بعد تأسيس الاتحاد السوفيتي، أصبحت شبه جزيرة القرم جزءًا من جمهورية روسيا السوفيتية، قبل أن تُنقل إداريًا إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية عام 1954، في عهد الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف، بقرار صادر عن مؤسسات الدولة السوفيتية.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبحت القرم جزءًا من دولة أوكرانيا المستقلة، لكن موسكو لم تفقد اهتمامها بالجزيرة، خصوصًا أنها تضم مدينة سيفاستوبول، القاعدة التاريخية للأسطول الروسي في البحر الأسود.

وقد ورثت روسيا هذا الأسطول عن الاتحاد السوفيتي، وأصبح وجوده داخل الأراضي الأوكرانية أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات بين موسكو وكييف.

وفي عام 1997، توصل البلدان إلى اتفاق يسمح لروسيا باستئجار منشآت بحرية في سيفاستوبول لمدة عشرين عامًا. ثم جاء «اتفاق خاركيف» عام 2010، في عهد الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش، ليمدد بقاء الأسطول الروسي حتى عام 2042، مقابل تخفيضات في أسعار الغاز الروسي المصدّر إلى أوكرانيا.

الغاز في قلب المواجهة

لم تكن أوكرانيا مجرد دولة مجاورة لروسيا، بل ظلت لسنوات ممرًا رئيسيًا لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وهو ما منحها أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة.

وكانت كييف تحصل على عائدات مالية ضخمة من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها، إلى جانب امتلاكها ورقة ضغط مهمة في علاقاتها مع موسكو.

لكن إنشاء خط «نورد ستريم» تحت بحر البلطيق، ثم إطلاق مشروع «نورد ستريم 2»، مكّنا روسيا من تقليل اعتمادها على شبكة الأنابيب الأوكرانية في تصدير الغاز إلى أوروبا.

وبالنسبة إلى كييف، كان ذلك يعني خسارة جزء كبير من عائدات العبور، إلى جانب تراجع أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى موسكو والدول الأوروبية المستوردة للطاقة الروسية.

وهكذا أصبح الغاز واحدًا من أبرز عناصر الصراع، إذ اختلطت المصالح الاقتصادية بحسابات الأمن القومي والنفوذ السياسي.

عام 2014.. نقطة الانفجار الأولى

في عام 2014، أُطيح بنظام الرئيس فيكتور يانوكوفيتش عقب احتجاجات واسعة، واتجهت أوكرانيا بصورة أكبر نحو الغرب، في وقت رأت فيه موسكو أن مصالحها ونفوذها الاستراتيجي باتا مهددين.

وردت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، ثم دعمت الانفصاليين الموالين لها في إقليمي دونيتسك ولوغانسك بمنطقة دونباس.

ومنذ ذلك الحين، دخلت أوكرانيا في حرب استمرت ثماني سنوات، قبل أن تتحول في فبراير 2022 إلى مواجهة عسكرية شاملة بين البلدين.

حسابات روسية لم تصمد طويلًا

عندما اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار الحرب في فبراير 2022، بدا أنه راهن على مجموعة من التقديرات التي أثبتت الأحداث لاحقًا عدم دقتها.

اعتمدت موسكو على تفوقها العسكري والعددي في مواجهة دولة أصغر، كما راهنت على وجود انقسامات سياسية داخل المجتمع الأوكراني، وضعف المقاومة، وإمكان انهيار مؤسسات الدولة بسرعة.

وربما اعتقد الكرملين أيضًا أن الغرب لن يرغب في الدخول في مواجهة طويلة ومكلفة مع روسيا، وأن رد فعله سيقتصر على بعض العقوبات الاقتصادية والاحتجاجات الدبلوماسية.

وبدت الخطة الروسية الأولى أقرب إلى عملية عسكرية خاطفة، تقوم على التقدم السريع نحو العاصمة كييف، وإسقاط حكومة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وتنصيب سلطة موالية لموسكو.

لكن هذه الحسابات سرعان ما انهارت.

فقد كانت المقاومة الأوكرانية أقوى مما توقعته القيادة الروسية، بينما واجه الجيش الروسي مشكلات كبيرة في القيادة والإمداد والخدمات اللوجستية. وفي المقابل، استفادت القوات الأوكرانية من تدفق الدعم العسكري والاستخباراتي الغربي.

واضطرت القوات الروسية إلى الانسحاب من محيط كييف، وتحولت الحرب التي كان يُتوقع أن تكون قصيرة إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة.

من حرب خاطفة إلى استنزاف مفتوح

تمكنت روسيا من السيطرة على أجزاء من دونباس ومناطق أخرى في جنوب أوكرانيا وشرقها، لكنها لم تحقق هدفها الأساسي المتمثل في إسقاط حكومة كييف وإخضاع أوكرانيا سياسيًا.

وفي المقابل، لم تتمكن أوكرانيا، حتى الآن، من استعادة جميع الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية، رغم الدعم العسكري والمالي والاستخباراتي الكبير الذي تلقته من الولايات المتحدة ودول أوروبا.

وهنا حدث التحول الأهم في مسار الحرب؛ إذ أصبحت أوكرانيا تقاتل باستخدام أسلحة ومعلومات وتمويل غربي واسع، بينما وجدت روسيا نفسها في مواجهة أمنية واقتصادية غير مباشرة مع كتلة غربية كاملة، من دون دخول قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» الحرب رسميًا.

ولهذا توصف الحرب أحيانًا بأنها «حرب بالوكالة»، وإن كان هذا الوصف يحتاج إلى قدر من الحذر. فهي في جوهرها حرب روسية أوكرانية مباشرة، لكن حجم الدعم الغربي لكييف جعلها أيضًا جزءًا من مواجهة دولية أوسع بين روسيا والغرب.

نتائج جاءت بعكس حسابات موسكو

بدلًا من إبعاد أوكرانيا عن الغرب، أدت الحرب إلى زيادة ارتباطها بالولايات المتحدة وأوروبا، كما دفعت دولًا أوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وإعادة النظر في سياساتها الأمنية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت روسيا في مواجهة اقتصادية وسياسية أكثر حدة مع أوروبا والولايات المتحدة، وتعرضت لعقوبات واسعة أثرت في علاقاتها التجارية والمالية مع الغرب.

أما أوروبا، فقد فقدت إلى حد كبير ميزة الاعتماد على الطاقة الروسية الرخيصة، واضطرت إلى البحث عن مصادر بديلة، متحملة تكاليف اقتصادية وصناعية مرتفعة.

لكن الخسارة الأكبر بقيت من نصيب الشعبين الروسي والأوكراني، بعدما دفع المدنيون والجنود ثمنًا باهظًا من الأرواح والنزوح والدمار والانقسام الاجتماعي.

كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟

يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: كيف ستنتهي الحرب الروسية الأوكرانية؟

قد تنتهي بتسوية تسمح لروسيا بالاحتفاظ بشبه جزيرة القرم وأجزاء من دونباس والمناطق الأخرى التي تسيطر عليها، في مقابل وقف القتال وتقديم ضمانات أمنية للطرفين.

وقد تتمسك أوكرانيا بمطلب استعادة جميع أراضيها ضمن حدودها المعترف بها دوليًا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم.

وبين الموقفين توجد مساحة واسعة من الاحتمالات، تبدأ باتفاق محدود لوقف إطلاق النار أو تجميد خطوط القتال، ولا تنتهي بتوقيع معاهدة سلام شاملة تعيد رسم العلاقات الأمنية والسياسية في أوروبا.

لكن المؤكد أن روسيا لم تحقق الحرب الخاطفة التي أرادتها، كما لم تحقق أوكرانيا النصر الكامل الذي تطمح إليه. وفي الوقت نفسه، خسرت أوروبا جانبًا كبيرًا من عصر الطاقة الروسية الرخيصة، بينما تحمل الروس والأوكرانيون العبء الإنساني الأكبر.

حرب دامية بين شعبين تجمعهما القرابة

ربما يكمن الجانب الأكثر مرارة في هذه الحرب في أن الروس والأوكرانيين ينتمون إلى فضاء السلاف الشرقيين، وتربطهما جذور تاريخية وثقافية ودينية مشتركة تعود إلى إرث «كييف روس».

وامتدت هذه الروابط عبر قرون من الجوار والتداخل والهجرة، مرورًا بالإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي.

ولم يقتصر هذا التشابك على السياسة والثقافة، بل امتد إلى العائلات نفسها، إذ شهد البلدان على مدار عقود طويلة زيجات ومصاهرات لا حصر لها، وأصبح لملايين الروس والأوكرانيين أقارب يعيشون على الجانب الآخر من الحدود.

لكن هذه القرابة التاريخية لا تعني أن الشعبين شعب واحد؛ فقد طوّر كل منهما هويته الوطنية ولغته وذاكرته التاريخية الخاصة.

وهكذا تحول الصراع على النفوذ والحدود والأمن القومي إلى مأساة إنسانية بين مجتمعين جمعتهما قرون من التاريخ والجوار والقرابة.

قد تتوقف المدافع يومًا، وقد تتغير خطوط السيطرة، وربما تُوقّع اتفاقيات لوقف إطلاق النار أو إحلال السلام، لكن جراح الذاكرة بين الشعوب لا تلتئم بسهولة، وقد يبقى الحصاد المر لهذه الحرب حاضرًا لأجيال طويلة.

اقرأ أيضا: 
بوتين من الطفولة الصعبة الي غزو الشيشان واوكرانيا.. محطات في حياة الرئيس الروسي
سيرجي لافروف، صوت بوتين في العالم ـ تعرف علي اهم المحطات في حياته..      

كيف اثرت الحرب العالمية الثانية علي مشواره.. بوتين من حياة ضائعة في الاتحاد السوفيتي الي قيصر روسيا “صور”

Visited 3 times, 3 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق