من هرمز إلى باب المندب.. أذرع إيران تضغط على شرايين التجارة العالمية

0 77

كتب: أحمد السيد رفعت

لم يكن الحوثيون بحاجة إلى إغلاق مضيق باب المندب حتى يهددوا حركة الملاحة الدولية؛ فمجرد اقتراب قوة مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة من هذا الممر الحيوي يكفي لإثارة مخاوف شركات الشحن ورفع تكاليف التأمين والنقل.

لكن التطورات الأخيرة نقلت الخطر إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما تقدمت قوات الحوثيين باتجاه منطقة ذوباب الساحلية المطلة مباشرة على المضيق، ووسعت نفوذها إلى مواقع وجزر استراتيجية، من بينها ميون وزُقر وحنيش، وفق تقارير صحفية دولية. ويمنح هذا الانتشار الجماعة المدعومة من إيران قدرة أكبر على مراقبة الحركة البحرية وتهديد السفن العابرة بين خليج عدن والبحر الأحمر.

ورغم أن السيطرة على الشاطئ والجزر المحيطة لا تعني، من الناحية العملية، التحكم الكامل في المضيق أو إغلاقه، فإنها تزيد قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة، أو فرض تهديد دائم يدفع شركات الشحن إلى تجنب المنطقة.

وحين تختار السفن طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من البحر الأحمر، فإن الرحلة تصبح أطول وأكثر كلفة، وترتفع أسعار الشحن والتأمين والطاقة، وتتأخر السلع في الوصول إلى الأسواق. كما تخسر قناة السويس إيرادات كانت ستحصل عليها من عبور تلك السفن.

وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح قد يضيف نحو 15 يومًا إلى رحلة ناقلات النفط من بحر العرب إلى أوروبا، فضلًا عن الزيادة الكبيرة في تكاليف التشغيل.

ممران في دائرة الخطر

تكمن خطورة المشهد في أن التهديد لا يقتصر على باب المندب، بل يتزامن مع توترات مستمرة في مضيق هرمز، الممر الأهم لصادرات الطاقة القادمة من الخليج.

وهكذا تبدو المنطقة أمام مشهد بالغ الحساسية: ضغط إيراني مباشر أو غير مباشر بالقرب من هرمز، ونفوذ حوثي متزايد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

ولا يعني ذلك أن إيران أغلقت الممرين، لكنه يمنحها أوراقًا قادرة على رفع كلفة الملاحة وإرباك أسواق الطاقة ووضع الولايات المتحدة وحلفائها أمام خيارات صعبة.

فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق تعبرها السفن، بل تحولت إلى أدوات نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي. ومن يملك القدرة على تهديدها يستطيع التأثير في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة الصراع.

إيران تضغط من دون مواجهة مباشرة

لا تحتاج طهران إلى إرسال قواتها إلى باب المندب حتى تستخدمه ورقة ضغط. فوجود الحوثيين، بما يمتلكونه من صواريخ بحرية وطائرات مسيّرة وخبرة سابقة في استهداف السفن، يتيح لإيران ممارسة الضغط من مسافة آمنة نسبيًا ومن دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

ومنذ نوفمبر 2023، استهدف الحوثيون عشرات السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر ومحيطه، ما دفع عددًا من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول القارة الأفريقية.

ومع التقدم الأخير على الساحل والجزر القريبة من المضيق، تتسع مساحة التهديد. فحتى إذا لم يصدر قرار بإغلاق باب المندب، يكفي استمرار الغموض الأمني حتى تتعامل شركات الشحن مع الطريق باعتباره عالي المخاطر.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح؛ فلا يحتاج الطرف المسيطر إلى منع كل سفينة من المرور، بل يكفي أن يجعل العبور مكلفًا وخطرًا وغير مضمون.

الدور الروسي.. تقارير بلا إثبات رسمي

لا يقتصر المشهد على إيران والحوثيين؛ فروسيا تجد هي الأخرى مصالح محتملة في اضطراب التجارة والطاقة، خاصة إذا أدى ذلك إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الدول الأوروبية وتشتيت الاهتمام الغربي بعيدًا عن الحرب في أوكرانيا.

وفي أكتوبر 2024، ذكرت تقارير صحفية أمريكية أن موسكو زودت الحوثيين ببيانات أقمار صناعية ساعدتهم في استهداف سفن غربية، كما تحدثت تقارير أخرى عن مناقشات تتعلق بإمكان تزويدهم بأسلحة مضادة للسفن.

ومع ذلك، تظل هذه المعلومات منسوبة إلى مصادر أمنية واستخباراتية، ولا تمثل دليلًا رسميًا معلنًا على أن الكرملين تولى توجيه الهجمات أو أصدر أوامر بتنفيذها.

لذلك، ينبغي التمييز بين ما نشرته التقارير بشأن تقديم معلومات أو دراسة نقل أسلحة، وبين إثبات التورط الروسي المباشر في العمليات. لكن المؤكد أن اضطراب البحر الأحمر يخلق واقعًا يخفف الضغط على موسكو؛ إذ يرفع كلفة الطاقة والنقل في أوروبا ويفتح جبهة جديدة تستنزف الاهتمام والموارد الغربية.

السعودية تحت ضغط الجغرافيا

يمثل باب المندب ورقة ضغط مباشرة على السعودية أيضًا. فالمملكة تعتمد على البحر الأحمر ضمن مسارات تصدير النفط والتجارة، ولا سيما عندما تتعرض الملاحة في مضيق هرمز للتهديد.

ويمنح وجود الحوثيين قرب المضيق طهران وسيلة إضافية للضغط على الرياض من خلال حليف محلي، من دون الحاجة إلى خوض مواجهة إيرانية سعودية مباشرة.

كما يضع هذا التطور السعودية أمام معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري ضد الحوثيين قد يعيد إشعال الحرب اليمنية على نطاق واسع، بينما يسمح الاحتواء باستمرار التهديد بالقرب من أحد أكثر الممرات ارتباطًا بأمن المملكة الاقتصادي.

وبهذا، لم يعد النفوذ الحوثي في الساحل اليمني أزمة داخلية تخص اليمن وحده، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في أمن الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة العالمية.

الصين.. مصالح متعارضة وحسابات دقيقة

تبدو حسابات الصين أكثر تعقيدًا. فمن ناحية، تستطيع بكين استغلال حاجة إيران وروسيا إلى الأسواق والحصول على الطاقة بشروط أفضل، لكنها، من ناحية أخرى، تعد من أكبر المستوردين للطاقة وأهم القوى التجارية في العالم، ما يجعلها من المتضررين من ارتفاع أسعار النفط واضطراب الملاحة.

تعتمد التجارة الصينية على استقرار الطرق البحرية الممتدة من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا، ولذلك تملك بكين مصلحة مباشرة في بقاء هرمز وباب المندب مفتوحين وآمنين.

وبين المكاسب السياسية المحتملة والخسائر الاقتصادية المباشرة، تميل الصين عادة إلى تجنب الانخراط العسكري، مع الدعوة إلى التهدئة وحماية حرية الملاحة، ومراقبة تطورات الأزمة بما يحفظ مصالحها مع مختلف الأطراف.

ترامب والحساب الانتخابي

في واشنطن، تدخل الأزمة ضمن حسابات سياسية واقتصادية تتجاوز ميدان الحرب. فمن المقرر إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر 2026، وسط ضغوط داخلية مرتبطة بطول الصراع وارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة.

وقد توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تنتهي الحرب مع إيران «فور انتهاء» الانتخابات النصفية، معتبرًا أن طهران تحاول التأثير في التصويت، في وقت يواجه فيه الجمهوريون اختبارًا سياسيًا صعبًا.

لكن إنهاء الحرب يحتاج إلى نتيجة يستطيع ترامب تقديمها للناخب الأمريكي باعتبارها انتصارًا، بينما يزداد العبء السياسي كلما طال الصراع وارتفعت أسعار الوقود.

وهنا يدخل باب المندب في الحسابات الأمريكية. فقد تواصل واشنطن سياسة الاحتواء وتبادل المعلومات مع حلفائها ما دام المضيق مفتوحًا، لكن إغلاقه أو تصاعد الهجمات على السفن الأمريكية قد يدفعها إلى تدخل عسكري جديد، ربما بالتنسيق مع حلفائها في المنطقة.

وقد تنجح أي ضربة في إضعاف قدرات الحوثيين مؤقتًا، لكنها تحمل في الوقت نفسه خطر فتح جبهة إضافية، وتوسيع دائرة الحرب، ومنح إيران مساحة جديدة للمناورة.

مصر في قلب التداعيات

بالنسبة إلى مصر، لا يتوقف الخطر عند تراجع إيرادات قناة السويس. فكل سفينة تتجه إلى رأس الرجاء الصالح تعني رحلة أطول وتكلفة أكبر للسلع والطاقة، واضطرابًا في سلاسل الإمداد التي تربط آسيا بأوروبا.

وأكدت تقارير الأمم المتحدة أن تحويل السفن بعيدًا عن البحر الأحمر يؤدي إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف الشحن والتأمين والانبعاثات، ويضاعف الضغوط على التجارة والاقتصادات النامية.

أما على مستوى الأمن القومي، فيمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق المؤدي مباشرة إلى قناة السويس. وأي قوة تستطيع تهديد الملاحة عند هذه البوابة تملك القدرة على التأثير في أحد أهم مصادر الدخل والمواقع الاستراتيجية المصرية.

ولذلك، فإن السيطرة على مواقع ساحلية وجزر محيطة بالمضيق لا تمثل تطورًا يمنيًا داخليًا فقط، بل ضغطًا مباشرًا على ممر يرتبط بالمصالح المصرية وبحركة التجارة بين الشرق والغرب.

قناة السويس تدفع ثمن صراع لا تخوضه

لم يصل الحوثيون إلى قناة السويس، كما أن باب المندب لم يُغلق، لكن الجماعة أصبحت أكثر قدرة على التأثير في الطريق المؤدي إلى القناة.

ومن هرمز إلى باب المندب، تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط تتقاطع حولها مصالح إيران وروسيا والصين والولايات المتحدة والسعودية، بينما تجد مصر نفسها في قلب التداعيات الاقتصادية والأمنية.

فقناة السويس ليست طرفًا مباشرًا في هذا الصراع، لكنها من أكثر المتأثرين به. ومنذ افتتاحها، ظلت القناة في قلب حسابات القوى الكبرى، لأنها ليست مجرد ممر مائي، بل نقطة اتصال بين القارات وواحد من أهم شرايين التجارة العالمية.

واليوم، تعود القناة مرة أخرى إلى قلب صراع جديد؛ لا يدور للسيطرة عليها مباشرة، بل للسيطرة على الطرق التي تقود إليها.

اقرأ أيضاً:
أين يقع مضيق باب المندب؟ ولماذا سيطر الحوثيون على مدينة المخا المجاورة؟

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق