من عدم الانحياز إلى بريكس.. هل يعيد التاريخ طرح أسئلته؟

0 69

كتب: أحمد السيد رفعت

في ستينيات القرن الماضي، بدا العالم منقسمًا بين قطبين كبيرين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لكن خلف صراع الحرب الباردة، كانت خريطة دولية جديدة تتشكل؛ إذ خرجت دول كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية من قبضة الاستعمار، لتكتشف أن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة التحرر الكامل من التبعية.

وبينما كانت هذه الدول تسعى إلى بناء مؤسساتها وصياغة قراراتها الوطنية، وجدت نفسها أمام استقطاب جديد بين قوتين عظميين، تحاول كل منهما توسيع نفوذها واستقطاب مزيد من الحلفاء.

من هنا ظهرت حركة عدم الانحياز، التي تبلورت رسميًا في مؤتمر بلجراد عام 1961، بوصفها محاولة لرفض استبدال التبعية الاستعمارية بتبعية جديدة، ومنح الدول حديثة الاستقلال مساحة للتحرك خارج الاصطفاف الصارم وراء أي من المعسكرين.

عالم جديد وأسئلة قديمة

اليوم تبدو الصورة مختلفة. فلا توجد حرب باردة بالصورة التقليدية، كما أن العالم لا ينقسم رسميًا إلى معسكرين مغلقين. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة القوة الأكثر نفوذًا، بينما تواصل الصين صعودها الاقتصادي والتكنولوجي، وتسعى روسيا إلى الحفاظ على مكانتها الدولية، في حين تبحث الهند وقوى أخرى عن دور أكبر في صياغة القرارات العالمية.

في هذا السياق، تبرز المقارنة بين حركة عدم الانحياز وتجمع «بريكس»، الذي انطلق رسميًا عام 2009 بعضوية البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل انضمام جنوب أفريقيا عام 2011، ثم توسع لاحقًا ليضم مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، إلى جانب السعودية وفقًا للقائمة التي تعتمدها الرئاسة الهندية الحالية للتجمع.

يهدف «بريكس» إلى تعزيز التعاون بين الاقتصادات الصاعدة، وزيادة تمثيل دول الجنوب العالمي داخل المؤسسات الدولية، وتوسيع بدائل التمويل والتجارة، بما يقلل من الاعتماد المفرط على المنظومة المالية التي تقودها القوى الغربية.

لكن هل يمثل «بريكس» نسخة حديثة من حركة عدم الانحياز؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

لقد ولدت حركة عدم الانحياز من رحم التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار والتبعية السياسية، بينما ظهر «بريكس» في عالم أكثر تعقيدًا، تتنافس فيه القوى الكبرى على الأسواق والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد وقواعد النظام المالي الدولي.

ومع ذلك، يظل القاسم المشترك بين التجربتين واضحًا: الرغبة في ألا يكون القرار الدولي حكرًا على قوة واحدة أو مجموعة محدودة من الدول.

هل تستطيع الصين وروسيا الاستغناء عن الغرب؟

قطعت روسيا شوطًا كبيرًا في إعادة توجيه تجارتها نحو الصين والهند ودول أخرى، واستطاعت التكيف بدرجات متفاوتة مع العقوبات الغربية. لكنها لم تصبح قادرة على الاستغناء الكامل عن الغرب، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتمويل وبعض الأسواق ذات القيمة المرتفعة.

أما الصين، فمعادلتها أكثر تعقيدًا. فهي اليوم أقوى اقتصاديًا وتكنولوجيًا وأكثر استقلالًا مما كانت عليه قبل عقود، لكنها في الوقت نفسه شديدة الارتباط بالاقتصاد العالمي، سواء من خلال الأسواق الغربية أو سلاسل التوريد والاستثمار والتكنولوجيا.

تكشف هذه العلاقة المتبادلة حدود الحديث عن الاستغناء الكامل؛ فالغرب يحتاج إلى الصين بوصفها مركزًا صناعيًا وسوقًا ضخمة، كما تحتاج الصين إلى الأسواق والتكنولوجيا والاستثمارات الغربية، وإن بدرجات وأشكال متغيرة.

وينطبق الأمر على روسيا بصورة مختلفة. فرغم نجاح موسكو في إيجاد منافذ جديدة لصادراتها، فإن تحويل مسارات التجارة لا يعني انتهاء الاعتماد المتبادل، وإنما إعادة توزيع هذا الاعتماد بين شركاء جدد.

لذلك، لا ينتقل العالم ببساطة من نظام تقوده القوى الغربية إلى نظام بديل تقوده دول «بريكس»، بل يشهد تحولًا تدريجيًا في موازين القوة والاعتماد، تصبح فيه القدرة على تقليل الحاجة إلى الطرف الآخر جزءًا من الصراع نفسه.

بريكس والتجارة العالمية

أصبح «بريكس» قوة اقتصادية يصعب تجاهلها، لكن تأثيره لا يمثل حتى الآن انقلابًا كاملًا في بنية التجارة العالمية.

ووفقًا لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، ارتفعت حصة دول التجمع من الصادرات العالمية من نحو 12% في مطلع الألفية إلى قرابة 24%، بينما زادت الصادرات البينية بين أعضائه بأكثر من 13 ضعفًا، من 84.2 مليار دولار عام 2003 إلى نحو 1.17 تريليون دولار في 2024.

يعكس هذا النمو اتساع العلاقات الاقتصادية بين دول الجنوب، لكنه لا يعني أن أعضاء «بريكس» أصبحوا كتلة تجارية مكتفية بذاتها. فما تزال نسبة كبيرة من تجارة الصين والهند والبرازيل مرتبطة بالأسواق الأوروبية والأمريكية، كما لا تزال منظمة التجارة العالمية الإطار الأوسع المنظم للتجارة الدولية، ويحتفظ الدولار بموقعه المهيمن في المعاملات والاحتياطيات العالمية.

وتبقى الصين المحرك الاقتصادي الأكبر داخل التجمع، سواء بصفتها مصدرًا رئيسيًا للسلع الصناعية والتكنولوجية، أو مستوردًا ضخمًا للطاقة والمواد الخام. غير أن هذا الثقل يثير مخاوف لدى بعض الأعضاء من تحول التعاون إلى علاقة غير متوازنة، خصوصًا في ظل معاناة عدد من الدول عجزًا تجاريًا كبيرًا مع بكين.

مكاسب محتملة وحدود قائمة

أسهم توسع «بريكس» في زيادة وزنه داخل أسواق الطاقة والتجارة والتمويل، خاصة بعد انضمام دول منتجة للنفط والغاز مثل إيران والإمارات والسعودية.

ويمكن رصد أبرز مكاسب التجمع في تعزيز التجارة بين دول الجنوب، وتنويع سلاسل التوريد، والتوسع في استخدام العملات المحلية لتسوية بعض المعاملات، إلى جانب توفير مصادر تمويل إضافية عبر بنك التنمية الجديد.

ووضع البنك هدفًا لرفع نسبة تمويل مشروعاته بالعملات المحلية إلى 30%، في محاولة لتقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف وتوسيع الخيارات التمويلية أمام الدول الأعضاء.

لكن الطريق لا يخلو من العقبات. فالمصالح السياسية والاقتصادية للدول الأعضاء ليست متطابقة، كما تختلف علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا. وبينما يدفع بعض الأعضاء نحو تقليل الاعتماد على الدولار بوتيرة أسرع، تتعامل دول أخرى مع الأمر بحذر، خشية الإضرار بعلاقاتها التجارية والمالية مع الغرب.

ولا يزال التجمع يفتقر إلى سوق موحدة أو سياسة تجارية مشتركة أو عملة بديلة، كما تعوق الخلافات السياسية والاستراتيجية بين بعض أعضائه قدرته على التحول إلى كتلة متجانسة.

ليس قطبًا موحدًا في مواجهة الغرب

كانت دول عدم الانحياز تخشى أن يتحول استقلالها السياسي إلى تبعية جديدة داخل صراع القطبين. أما «بريكس» فيتحرك في اتجاه مختلف، يقوم على محاولة إعادة توزيع القوة من داخل النظام الدولي نفسه، وتوسيع مساحة الدول الصاعدة في الاقتصاد والتمويل وصنع القرار.

ومع ذلك، لا يصح النظر إلى الصين وروسيا باعتبارهما نسخة جديدة من الاتحاد السوفيتي، كما لا يمكن التعامل مع «بريكس» بوصفه معسكرًا موحدًا في مواجهة الولايات المتحدة.

فالدول الأعضاء لا تتبنى المواقف السياسية نفسها، ولا تمتلك علاقات متشابهة مع الغرب، كما تختلف فيما بينها حول قضايا الأمن والتجارة والحدود والطاقة. بعضها ينظر إلى التجمع باعتباره منصة اقتصادية، بينما يراه آخرون أداة لمقاومة الهيمنة الغربية، وتسعى دول أخرى إلى الاستفادة منه دون الدخول في مواجهة مع واشنطن أو أوروبا.

لقد تغير مفهوم القوة نفسه. فلم تعد القوة تُقاس بالجيوش والصواريخ وحدها، وإنما بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والموارد والأسواق وسلاسل الإمداد والقدرة على التأثير في القواعد التي تحكم النظام العالمي.

التاريخ لا يتكرر.. لكن السؤال باقٍ

ربما لا يعيد التاريخ نفسه، لكنه يعيد طرح أسئلته في ظروف جديدة.

في ستينيات القرن الماضي، كان السؤال: كيف تتجنب الدول التي تحررت من الاستعمار التحول إلى أوراق في لعبة القطبين؟

أما اليوم، فأصبح السؤال: هل تستطيع القوى الصاعدة بناء نظام دولي أكثر توازنًا وتعددًا، دون أن تستبدل هيمنة قديمة بهيمنة جديدة؟

بين عدم الانحياز و«بريكس» تغيرت الأدوات والظروف وموازين القوة، لكن جوهر القضية بقي حاضرًا: كيف تتحرر الدول من التبعية، ومن يمتلك حق وضع قواعد النظام الدولي؟

اقرأ أيضاً:

 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق