من نورد ستريم إلى مضيق هرمز.. كيف تحولت طاقة أوروبا إلى ساحة حرب؟
كتب:أحمد السيد رفعت
لم يكن الغاز الروسي مجرد وقود يتدفق إلى المصانع والمنازل الأوروبية، بل كان أحد أهم أدوات النفوذ التي امتلكتها موسكو في علاقتها مع القارة. وفي المقابل، بنت أوروبا جانبًا كبيرًا من نهضتها الصناعية على إمدادات روسية وفيرة ومنخفضة التكلفة نسبيًا.
لكن الحرب في أوكرانيا قلبت هذه المعادلة. حاولت أوروبا التحرر من قبضة الأنابيب الروسية، فاتجهت بقوة إلى الغاز الطبيعي المسال وتنويع الموردين. وبذلك خفّ اعتمادها على موسكو، لكنها أصبحت أكثر انكشافًا أمام اضطرابات الموانئ والسفن والممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
من بحر البلطيق إلى الخليج، تغيرت خريطة الإمدادات، لكن الطاقة بقيت في قلب الصراع الجيوسياسي.
نورد ستريم.. حين تحولت الأنابيب إلى نفوذ سياسي
مثّل خط «نورد ستريم» عنوانًا واضحًا للعلاقة الاقتصادية بين روسيا وأوروبا، إذ امتدت أنابيبه تحت مياه بحر البلطيق لنقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، بطاقة سنوية بلغت نحو 55 مليار متر مكعب.
وجاء مشروع «نورد ستريم 2» بطاقة مماثلة، ما كان سيضاعف القدرة الإجمالية للمسار إلى نحو 110 مليارات متر مكعب سنويًا. لكنه لم يدخل الخدمة التجارية بعدما أوقفت ألمانيا إجراءات اعتماده مع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.
وتوقفت لاحقًا إمدادات «نورد ستريم 1»، قبل أن تتعرض أجزاء من شبكتي نورد ستريم لانفجارات في سبتمبر 2022، لتتحول الأنابيب التي جسدت الشراكة الروسية الأوروبية إلى رمز لانهيارها.
ولم يكن نورد ستريم المسار الوحيد للغاز الروسي؛ فقد اعتمدت موسكو أيضًا على خط «يامال–أوروبا» وشبكة الأنابيب العابرة لأوكرانيا، بينما بقي «ترك ستريم»، الممتد عبر تركيا، واحدًا من أهم الطرق المتاحة لوصول الغاز الروسي إلى جنوب أوروبا ووسطها.
أوروبا تفك ارتباطها بالغاز الروسي
قبل اندلاع الحرب، كانت روسيا توفر نحو 45% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز. وكانت هذه النسبة تمنح موسكو نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، لكنها جعلت أوروبا معرضة لضغوط حادة عند تعطل الإمدادات.
وعقب الحرب، أطلق الاتحاد الأوروبي خطة واسعة لإعادة رسم خريطة الطاقة؛ فزادت وارداته من النرويج، وتوسّع في شراء الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى، كما أنشأ محطات جديدة لاستقبال الغاز المسال وإعادته إلى حالته الغازية.
وبحلول عام 2025، انخفضت حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبية إلى نحو 12%، مقارنة بـ45% في 2021، بينما ارتفعت مساهمة الغاز الطبيعي المسال في إجمالي واردات الاتحاد من 20 إلى 45% خلال الفترة نفسها.
وأصبحت النرويج أكبر موردي الغاز إلى الاتحاد الأوروبي بحصة بلغت 31% في 2025، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 26%، ثم دول شمال أفريقيا بنسبة 13%، في حين بلغت حصة كل من قطر وأذربيجان نحو 4%.
أما في سوق الغاز المسال تحديدًا، فقد قدمت الولايات المتحدة أكثر من نصف واردات الاتحاد الأوروبي خلال 2025، متقدمة بفارق كبير على روسيا وقطر.
روسيا تتراجع لكنها لا تختفي
لم تؤدِ سياسة التنويع الأوروبية إلى خروج روسيا الكامل من السوق. فما زالت بعض الدول، وفي مقدمتها المجر وسلوفاكيا، تعتمد على الغاز الروسي الواصل عبر «ترك ستريم»، كما استمرت شحنات الغاز الروسي المسال في الوصول إلى عدد من الموانئ الأوروبية.
وفي عام 2025، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 36 مليار متر مكعب من الغاز الروسي، سواء عبر الأنابيب أو في صورة غاز مسال، مقارنة بنحو 152 مليار متر مكعب في 2021.
وتسعى المفوضية الأوروبية إلى إنهاء ما تبقى من واردات النفط والغاز الروسيين تدريجيًا، وصولًا إلى التخلص منها بالكامل بحلول نهاية عام 2027.
وتشمل الخطة وقف العقود الجديدة، وإنهاء العقود قصيرة الأجل، ثم إيقاف الواردات المرتبطة بالعقود طويلة الأجل في المرحلة الأخيرة. لكن التوترات المتصاعدة في أسواق الطاقة العالمية تجعل تنفيذ هذه الخطة أكثر صعوبة وكلفة.
من سلاح الأنابيب إلى جغرافيا البحار
غيّرت أوروبا مصدر الغاز، لكنها غيّرت معه طبيعة المخاطر التي تواجهها.
فالغاز المنقول عبر الأنابيب يرتبط بخطوط ثابتة ودول عبور محددة، بينما يحتاج الغاز الطبيعي المسال إلى منشآت تسييل وناقلات متخصصة وموانئ استقبال، فضلًا عن ممرات بحرية آمنة.
وبذلك انتقلت أوروبا من الاعتماد الشديد على أنابيب روسية ثابتة إلى سوق عالمية أكثر تنوعًا، لكنها شديدة الحساسية للحروب البحرية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والمنافسة مع الأسواق الآسيوية.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن التحول من الأنابيب إلى الغاز المسال خفّض الاعتماد على مورد واحد، لكنه جعل أسعار الغاز في أوروبا أكثر ارتباطًا بحركة السوق العالمية واضطرابات الشحن والطلب الآسيوي.
مضيق هرمز يدخل معادلة الطاقة الأوروبية
من هنا أصبح مضيق هرمز جزءًا مباشرًا من معادلة أمن الطاقة الأوروبي. فعبر هذا الممر الضيق تمر أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، يأتي معظمها من قطر، إلى جانب حصة كبيرة من تجارة النفط المنقول بحرًا.
وعندما تتراجع حركة السفن في المضيق، لا يقتصر التأثير على الدول التي تستورد الغاز الخليجي مباشرة، بل يمتد إلى السوق العالمية بأكملها؛ لأن أوروبا وآسيا تتنافسان على الناقلات والشحنات المتاحة.
وقد تسببت الحرب مع إيران واضطراب الملاحة في هرمز في خسارة جانب كبير من صادرات الغاز المسال القطرية والإماراتية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق الأوروبية والآسيوية إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة الطاقة في شتاء 2022–2023.
ولا تحتاج الأسواق إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تدخل حالة من الذعر. يكفي تراجع عدد السفن العابرة، أو ارتفاع احتمالات تعرضها للهجوم، لكي ترفع شركات التأمين رسومها ويتردد ملاك الناقلات في دخول المنطقة.
وفي 9 سبتمبر، تراجعت حركة السفن التجارية في المضيق إلى ست سفن فقط، مقابل متوسط بلغ 12 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة، مع احتمال عدم ظهور بعض السفن التي تعبر بعد إغلاق أجهزة التتبع الخاصة بها.
أوروبا تدفع ثمن أزمة هرمز
انعكس اضطراب إمدادات الغاز المسال سريعًا على الأسواق الأوروبية، إذ تجاوز سعر الغاز 75 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي أكثر من ضعف مستواه خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وفي الوقت ذاته، استقرت مخزونات الغاز الأوروبية عند نحو 66% فقط، وهو من أدنى المستويات المسجلة في هذا التوقيت منذ قرابة 15 عامًا. وانخفضت النسبة إلى نحو 54% في ألمانيا و48% في هولندا، وهما من أهم مراكز الغاز في القارة.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن أوروبا ستواجه نقصًا فوريًا في الغاز، لكنها تجعلها أكثر عرضة لأي موجة برد قاسية أو تعطل إضافي في الإمدادات.
كما أن ارتفاع الأسعار يفرض أعباءً على الصناعة الأوروبية، ويضعف قدرتها على المنافسة، في وقت تحتاج فيه دول الاتحاد إلى تمويل مشروعات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر.
عودة «سلاح الغاز» الروسي بصورة مختلفة
لم تعد روسيا تمتلك القدرة التي كانت تتمتع بها قبل الحرب على التحكم في السوق الأوروبية، لكن ارتفاع أسعار الغاز المسال يمنح ما تبقى من إمداداتها قيمة استراتيجية أكبر.
ففي أسواق الطاقة، لا تتحدد قيمة المورد بحجم الكميات التي يقدمها فقط، وإنما أيضًا بتكلفة البدائل ومدى سهولة الوصول إليها. وكلما أصبح الغاز المسال أكثر ندرة وارتفعت تكاليف نقله وتأمينه، زادت جاذبية أي خط أنابيب قائم وقادر على الإمداد.
واستغل الكرملين ارتفاع الأسعار للترويج مجددًا للغاز الروسي باعتباره بديلًا أقل تكلفة من الشحنات الفورية في السوق العالمية، مؤكدًا أن أوروبا تدفع ثمن قرارها السياسي بالابتعاد عن موسكو.
وهكذا يعود «سلاح الغاز» الروسي، ليس عن طريق احتكار الإمدادات كما كان الحال سابقًا، بل من خلال ارتفاع قيمة الغاز الروسي كلما ضاقت البدائل أمام أوروبا.
إيران.. احتياطيات ضخمة بلا طريق سريع إلى أوروبا
قد تبدو إيران بديلًا طبيعيًا للغاز الروسي، إذ تمتلك ثاني أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي في العالم، كما يسمح موقعها الجغرافي، نظريًا، بربطها بالسوق الأوروبية عبر تركيا.
لكن امتلاك الاحتياطيات لا يعني القدرة على تصديرها. فإيران تستهلك معظم إنتاجها محليًا، كما أدت العقوبات إلى إبطاء الاستثمارات ومشروعات تطوير الحقول وبناء منشآت التصدير.
ولا تمتلك إيران حتى الآن بنية تحتية لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية، بينما تظل صادراتها عبر الأنابيب محدودة مقارنة بحجم احتياطياتها وإنتاجها.
لذلك لا تستطيع إيران تقديم حل سريع لأزمة الطاقة الأوروبية، لكنها قد تصبح لاعبًا مؤثرًا على المدى الطويل إذا رُفعت العقوبات وتدفقت الاستثمارات والتكنولوجيا اللازمة لتطوير حقول الغاز ومد خطوط جديدة أو إنشاء منشآت للتسييل.
موسكو وطهران.. تحالف تحكمه المصالح
منحت الحرب مع إيران روسيا بعض المكاسب غير المباشرة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة وانشغال الولايات المتحدة والغرب بأزمة إضافية، فضلًا عن زيادة القيمة السوقية للصادرات الروسية.
لكن مصالح موسكو وطهران ليست متطابقة بالكامل. فروسيا تريد إيران قوية بما يكفي لمواجهة الضغوط الغربية والحفاظ على نفوذها الإقليمي، إلا أن عودة النفط والغاز الإيرانيين بكميات كبيرة إلى الأسواق العالمية قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار ومنافسة الصادرات الروسية.
ومن هنا تبدو العلاقة بين البلدين تحالفًا سياسيًا وأمنيًا تحكمه حدود اقتصادية واضحة؛ فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يفيد خزينة موسكو، بينما يمكن لأي توسع إيراني مستقبلي في التصدير أن يقتطع جزءًا من أسواق روسيا وعائداتها.
وهذا تحليل للمصالح الاقتصادية المحتملة، وليس دليلًا على وجود موقف روسي معلن يعارض تطوير صادرات الطاقة الإيرانية.
أوروبا تنوّع مصادرها وتوزع مخاطرها
خلال سنوات قليلة، انتقلت أوروبا من اعتماد ثقيل على الغاز الروسي إلى شبكة أوسع من الموردين، تتقدمها النرويج والولايات المتحدة ودول شمال أفريقيا وقطر.
لكن هذا التنوع لم يحقق الاستقلال الكامل، بل أعاد توزيع المخاطر. روسيا تملك الأنابيب، والنرويج تملك موردًا قريبًا وموثوقًا، والولايات المتحدة وقطر تؤثران بقوة في سوق الغاز المسال، بينما تمتلك إيران احتياطيات هائلة تنتظر الظروف السياسية والاقتصادية التي تحولها إلى قدرة تصديرية.
أما أوروبا فتمتلك واحدة من أكبر أسواق الطاقة في العالم، لكنها تظل محتاجة إلى الخارج لتأمين جانب أساسي من احتياجاتها.
لذلك لم تعد معركة الغاز الأوروبي تدور حول روسيا وحدها، بل أصبحت معركة تشمل الأنابيب والموانئ والناقلات وممرات الملاحة وشركات التأمين والأسعار.
من نورد ستريم إلى مضيق هرمز، تغيرت طرق الغاز وتعددت مصادره، لكن الحقيقة الأساسية بقيت ثابتة: الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل إحدى أكثر أدوات الحرب والجغرافيا السياسية تأثيرًا.
اقرأ أيضا:
من ليفورتوفو إلى الرياض.. قصة رجل بوتين الغامض الذي عرف عن أوكرانيا أكثر مما ينبغي