روما: د/ سارة غنيم
يكتسب استمرار حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أهمية تتجاوز حدود إيطاليا، في وقت تستعد فيه دول أوروبية لاستحقاقات انتخابية خلال عام 2027 قد تعيد تشكيل التوازنات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي.
وبين من يرى في تجربتها نموذجًا لقدرة اليمين على بناء ائتلاف متماسك، ومن يعتبر استقرارها ثمرة ظروف سياسية قابلة للتغير، يبرز سؤال بشأن قدرة القوى القومية والمحافظة على الانتقال من المنافسة الانتخابية إلى إدارة الحكم والحفاظ على التعاون الأوروبي.
وبحسب التقرير الذي نشره موقع «يورونيوز»، أسهم بقاء ميلوني على رأس الحكومة في تعزيز حضور إيطاليا داخل المؤسسات الأوروبية، ومنح شركائها قدرًا أكبر من الاستمرارية في التعامل مع روما. غير أن هذا الاستقرار يواجه اختبارات داخلية وخارجية، أبرزها إعادة ترتيب موازين القوى داخل اليمين الإيطالي، والتباينات بين الأحزاب القومية الأوروبية بشأن أوكرانيا ومستقبل الاتحاد.
الاستقرار الحكومي يعزز حضور إيطاليا
تقدم ميلوني استقرار حكومتها بوصفه أحد عناصر تعزيز قوة إيطاليا وقدرتها على التأثير، وهو ما يعكسه شعار «حكومة أكثر استقرارًا.. إيطاليا أقوى»، الذي ورد في التقرير ضمن الحديث عن احتفال سياسي في مدينة باري.
وترى رئيسة الوزراء الإيطالية أن الاستقرار يتجاوز تسجيل الأرقام السياسية، ليشكل شرطًا يسمح للدولة بالتخطيط واتخاذ القرارات والوفاء بالتزاماتها وكسب الاحترام.
وفي تصريحات نقلها «يورونيوز»، اعتبر جيانفرانكو باسكينو، أستاذ العلوم السياسية الفخري بجامعة بولونيا، أن استمرار الحكومة حتى نهاية الولاية التشريعية، من دون أزمة تؤدي إلى سقوطها، سيمنح التجربة مكانة مهمة في التاريخ الجمهوري الإيطالي.
وأشار إلى أن شركاء إيطاليا الأوروبيين باتوا أكثر إدراكًا لقدرة ميلوني على القيادة والتحرك دوليًا، وإن رأى أن بعض مواقفها تتسم بالانتهازية السياسية.
كما اعتبر أن استمرارية القيادة الحكومية تمنح روما ميزة في علاقاتها الأوروبية.
لكن روبرتو دي أليمونتي، عالم السياسة ومؤسس مركز الدراسات الانتخابية الإيطالي «CISE»، يقدم قراءة أكثر تحفظًا؛ إذ يرى أن استقرار الحكومة يرتبط بظروف سياسية مواتية، ولا يعكس بالضرورة تحولًا هيكليًا يضمن انتهاء ظاهرة الأزمات الحكومية في إيطاليا.
ومع ذلك، يقر بأن الحضور المتواصل لميلوني في اجتماعات المجلس الأوروبي أسهم في تعزيز وزن بلادها، بصرف النظر عن تقييم أدائها الشخصي، محذرًا من أن المرحلة المقبلة تحمل متغيرات يصعب التنبؤ بنتائجها.
صعود فاناتشي يربك حسابات الائتلاف
يضع التقرير صعود حزب «المستقبل الوطني»، المرتبط بالجنرال السابق روبرتو فاناتشي، في مقدمة التحديات التي قد تواجه ميلوني قبل انتخابات 2027.
وبحسب استطلاع أورده التقرير، حصل الحزب على تأييد بلغ 7.4%، مقابل 7.3% لحزب «فورزا إيطاليا» و5.5% لحزب «الرابطة»، شريكي ميلوني في الائتلاف الحاكم. وهي أرقام، إذا انعكست في صناديق الاقتراع، قد تغير موازين القوى داخل المعسكر اليميني.
ويرى دي أليمونتي أن هذا الصعود يضع ميلوني أمام معادلة صعبة؛ إذ قد يساعد ضم فاناتشي إلى التحالف في تعزيز فرص الفوز، لكنه قد يمنحه في المقابل قدرة على الضغط على الحكومة وفرض شروطه عليها.
أما استبعاده، فقد يؤدي إلى تشتيت أصوات اليمين وإضعاف فرص الائتلاف في الاحتفاظ بالسلطة.
ويتجاوز الخلاف الحسابات الانتخابية إلى التوجهات السياسية، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا ودعم أوكرانيا. فالتباين بين مواقف فاناتشي وخط ميلوني الداعم لكييف قد يتحول إلى مصدر توتر داخل أي ائتلاف يجمعهما.
وتزداد أهمية الانتخابات المقبلة لأن البرلمان الذي ستفرزه سيشارك، إلى جانب مندوبي الأقاليم، في انتخاب رئيس الجمهورية عند انتهاء الولاية الرئاسية الحالية، المقررة في عام 2029.
انتخابات 2027.. اختبار لاتجاه أوروبا
يربط مارك لازار، أستاذ التاريخ السياسي وعلم الاجتماع الفخري بمعهد العلوم السياسية في باريس، بين التجربة الإيطالية والاستحقاقات المنتظرة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا خلال عام 2027، معتبرًا أن نتائجها ستكون مؤثرة في تحديد الاتجاه السياسي للاتحاد الأوروبي.
وفي إسبانيا، يطرح التقرير احتمال وصول حزب «فوكس» إلى الحكومة ضمن تحالف مع الحزب الشعبي المنتمي إلى يمين الوسط. أما في بولندا، فيناقش فرص عودة حزب «القانون والعدالة»، القريب سياسيًا من حزب «إخوة إيطاليا» الذي تتزعمه ميلوني.
وتختلف ظروف المنافسة من دولة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك يتمثل في اختبار قدرة اليمين على بناء أغلبية انتخابية وتحويلها إلى حكومة قابلة للاستمرار.
هل تقدم ميلوني نموذجًا لليمين الفرنسي؟
تحظى تجربة ميلوني باهتمام داخل أوساط اليمين الفرنسي، خصوصًا لدى من يرون أن التنسيق بين القوى المحافظة والقومية يمكن أن يفتح الطريق إلى السلطة.
وبحسب لازار، فإن قدرة رئيسة الوزراء الإيطالية على الحفاظ على تماسك ائتلافها تجعلها مرجعًا لبعض هذه القوى. غير أن تبني النموذج الإيطالي في فرنسا يظل مرتبطًا بحسابات الأحزاب وقياداتها وطبيعة النظام الانتخابي.
ويشير التقرير إلى أن مارين لوبان قد تفضل مسارًا أكثر استقلالًا، انطلاقًا من اعتقادها بإمكان وصول معسكرها إلى الحكم من دون تحالف واسع مع القوى المحافظة الأخرى.
كما يحذر لازار من أن حدوث تحول في السياسة الفرنسية تجاه دعم أوكرانيا قد ينعكس بقوة على تماسك الموقف الأوروبي، بالنظر إلى الوزن السياسي والعسكري لفرنسا، بوصفها الدولة الوحيدة داخل الاتحاد التي تمتلك سلاحًا نوويًا.
ويظل هذا الطرح تقديرًا لمسار محتمل، وليس نتيجة محسومة لأي فوز انتخابي.
تقارب قومي وخلافات في المصالح
رغم التقارب بين أحزاب اليمين الأوروبي في ملفات السيادة والهجرة وانتقاد بعض سياسات بروكسل، فإنها لا تشكل كتلة متجانسة.
وتبرز العلاقة بين ميلوني ولوبان مثالًا على ذلك؛ إذ تتداخل المنافسة السياسية والشخصية مع خلافات أيديولوجية وتباينات في التحالفات الأوروبية.
ويلفت التقرير إلى أن الشريك الإيطالي الأقرب إلى حزب «التجمع الوطني» الفرنسي هو حزب «الرابطة» بقيادة ماتيو سالفيني، وليس حزب «إخوة إيطاليا». ويعكس ذلك اختلاف مواقع هذه الأحزاب داخل الخريطة السياسية الأوروبية، رغم انتمائها إلى المجال اليميني الواسع.
وتصبح هذه التباينات أكثر تأثيرًا عندما تنتقل من الخطاب الانتخابي إلى قرارات تتعلق بالدفاع والسياسة الخارجية والعلاقة مع مؤسسات الاتحاد.
«أوروبا الأوطان».. إلى أي مدى؟
يرى جيوفاني أورسينا، مدير كلية الحكومة بجامعة «لويس» الإيطالية، أن الانتخابات المقبلة قد تعزز تصورًا لأوروبا يقوم على تعاون الدول الوطنية، مع منح الحكومات مساحة أكبر في اتخاذ القرار، مقابل الحد من التوسع في صلاحيات المؤسسات فوق الوطنية.
ومع توقعه أن يترك صعود اليمين أثرًا عميقًا في الاتحاد الأوروبي، فإنه لا يتبنى قراءة تشاؤمية حتمية، مشيرًا إلى أن الحاجة إلى التعاون والتكامل ستظل قائمة.
ويستشهد بمسار ميلوني التي أثار وصولها إلى الحكم عام 2022 مخاوف بشأن علاقتها ببروكسل، قبل أن تتجه إلى مشاركة عملية في المفاوضات الأوروبية والعمل من داخل المؤسسات.
ويشير التقرير في هذا السياق إلى تولي رافاييلي فيتو منصب نائب رئيس تنفيذي للمفوضية الأوروبية، باعتباره أحد مظاهر الحضور الإيطالي داخلها.
ويعتقد أورسينا أن مسؤوليات الحكم قد تدفع قوى يمينية أخرى إلى قدر أكبر من البراغماتية، لكن هذا التحول لا يمكن افتراضه مسبقًا في جميع الدول.
استقرار يواجه اختبار التجديد
تكشف تجربة ميلوني أن استمرارية الحكومة قد تمنح الدولة قدرة أكبر على التفاوض والتأثير، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تماسك التحالفات أو حسم الانتخابات المقبلة.
وسيكون الاختبار أمام رئيسة الوزراء الإيطالية هو الحفاظ على وحدة معسكرها، والتعامل مع المنافسين الجدد، وموازنة حساباتها الداخلية مع التزاماتها الأوروبية.
أما على مستوى الاتحاد، فستختبر انتخابات 2027 قدرة القوى القومية على التوفيق بين أولوية المصالح الوطنية ومتطلبات العمل المشترك.
وكما يرى لازار، فإن اختلاف التقاليد والمصالح بين هذه القوى يجعل ملامح أوروبا التي قد تقودها صعبة التوقع، بينما تظل الحاجة إلى استمرار الاتحاد عاملًا يدفع نحو البحث عن تسويات.
اقرأ أيضا:
ترامب يثير الجدل بمنشور ساخر عن ميلوني.. هجوم جديد يربك العلاقات الأمريكية الإيطالية كم تكسب جورجيا ميلوني؟ أسرار دخل أقوى امرأة في إيطاليا