«تركيا العدو الجديد».. هل يوظف نتنياهو التصعيد مع أنقرة في معركته الانتخابية؟
كتبت: بريجيت محمد
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحزب «الليكود» خطابهما تجاه تركيا، بالتزامن مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر، ما أثار اتهامات من المعارضة الإسرائيلية ومحللين سياسيين بأن التوتر مع أنقرة يُستخدم لحشد الناخبين وصرف الأنظار عن إخفاقات الحكومة.
وتصاعدت حدة المواجهة الكلامية عقب الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور العسكرية في محافظة إدلب السورية، في 18 أغسطس، بذريعة منع انتشار قوات تركية داخل القاعدة. وألحقت الضربات أضرارًا بالمدرج ومرافق التخزين، من دون تسجيل خسائر بشرية، فيما أدانتها تركيا ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة السورية. رويترز
ورغم ارتفاع نبرة التصريحات المتبادلة، يرى مراقبون أن تل أبيب وأنقرة لا ترغبان، حتى الآن، في الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر، لما قد يحمله من تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
انتخابات حاسمة تنتظر نتنياهو
يخوض نتنياهو الانتخابات المقبلة وسط ضغوط سياسية وقضائية متزايدة، إذ لا يزال يُحاكم في قضايا فساد، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع حزب «الليكود» وعدم قدرة معسكره اليميني والديني، وفق الأرقام الحالية، على بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
كما تواجه حكومته انتقادات داخلية بسبب نتائج المواجهات العسكرية في المنطقة، والاتفاقات التي أوقفت الحرب مع إيران وخفضت حدة العمليات في لبنان.
واتهم عدد من قادة المعارضة نتنياهو باستخدام التوترات الأمنية لتعزيز فرص بقائه في السلطة، فيما يرى أنصاره أن سياسته تقوم على مواجهة التهديدات الإقليمية وحماية المصالح الأمنية الإسرائيلية.
وتكتسب انتخابات 27 أكتوبر أهمية خاصة، بعدما أكد الكنيست موعدها وفق الجدول القانوني، في وقت أظهرت فيه استطلاعات حديثة تراجع «الليكود» وصعود منافسين جدد أمام نتنياهو. رويترز
انتقادات من داخل الائتلاف والمعارضة
واجه نتنياهو انتقادات عقب موافقته على وقف الحرب مع إيران وتقليص العمليات العسكرية في لبنان، إذ اعتبر خصومه أن حكومته لم تحقق الأهداف التي أعلنتها.
وهاجم زعيم المعارضة يائير لابيد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن نتنياهو «خسر الحرب»، بينما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان رئيس الوزراء بأنه أصبح «دمية»، في إشارة إلى استجابته للضغوط الأمريكية.
وفي الاتجاه المقابل، طالبه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أحد أبرز أقطاب اليمين المتطرف داخل الائتلاف، برفض الضغوط الأمريكية والاستمرار في العمليات العسكرية.
ويواجه نتنياهو بذلك معادلة انتخابية معقدة؛ إذ يسعى إلى إرضاء شركائه في اليمين المتطرف، وفي الوقت نفسه يحاول استعادة أصوات الناخبين الوسطيين الذين تراجعت ثقتهم في حكومته.
طلب تركي بإصدار نشرة حمراء
تزامن التصعيد الإسرائيلي مع إعلان وزارة العدل التركية طلب إصدار نشرة حمراء من الإنتربول بحق نتنياهو، على خلفية قضية مرتبطة بالهجوم على ناشطين كانوا على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة.
وقالت أنقرة إن مذكرات توقيف صدرت بحق نتنياهو ومسؤول إسرائيلي سابق في 14 يوليو 2026، قبل أن تطلب وزارة العدل من وزارة الداخلية اتخاذ الإجراءات اللازمة لدى الإنتربول.
ولا تُعد النشرة الحمراء، في حال إصدارها، مذكرة اعتقال دولية ملزمة، وإنما طلبًا إلى أجهزة الشرطة حول العالم لتحديد مكان الشخص المطلوب والنظر في توقيفه مؤقتًا، وفقًا للقوانين المعمول بها في كل دولة. وكالة الأناضول
تركيا في قلب الخطاب الانتخابي الإسرائيلي

تزايد حضور تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان في خطاب نتنياهو الانتخابي، بعد سنوات تركزت خلالها المواجهة الإسرائيلية بصورة أساسية على إيران وحلفائها في المنطقة.
وترى أطراف في المعارضة الإسرائيلية أن نتنياهو يبحث عن خصم إقليمي جديد بعد تراجع العمليات العسكرية ضد إيران ولبنان، بما يسمح له بإبقاء قضايا الأمن والحرب في صدارة حملته الانتخابية.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، حذر مسؤولون أمنيون من أن التصريحات الحادة الصادرة عن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس قد تقود إلى «تصعيد غير ضروري» مع تركيا، مؤكدين تفضيلهم معالجة الخلاف بعيدًا عن المواجهة العلنية.
كما أشارت التقارير إلى أن بعض المسؤولين لم يرحبوا بإبراز الهجوم على قاعدة أبو الظهور إعلاميًا، خشية تحويله إلى مواجهة مباشرة مع أنقرة. القناة 12 نقلًا عن وكالة الأناضول
قاعدة أبو الظهور تشعل التوتر
مثّل الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور العسكرية نقطة تحول في المواجهة بين تل أبيب وأنقرة.
وبررت الحكومة الإسرائيلية الضربة بالقول إن سوريا كانت على وشك الإخلال بتفاهمات أمنية من خلال السماح بنشر قوات تركية داخل القاعدة، وهو ما اعتبرته تل أبيب تهديدًا لأمنها.
لكن تركيا رفضت الادعاءات الإسرائيلية، متهمة حكومة نتنياهو باتباع سياسة توسعية ومزعزعة للاستقرار، ومشددة على التزامها دعم وحدة الأراضي السورية واستقرارها.
كما انتقد المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك الهجوم، ووصفه بأنه «تصعيد غير ضروري» لا يخدم الاستقرار الإقليمي. ونقلت وسائل إعلام عنه قوله إن الضربة ربما كانت محاولة لاستفزاز تركيا قبل الانتخابات الإسرائيلية، مع إشارته إلى عدم وجود أدلة تثبت أن أنقرة كانت تستعد لنشر قدرات عسكرية تشكل تهديدًا لإسرائيل. فايننشال تايمز
سوريا تتحول إلى ساحة تنافس
منذ سقوط نظام بشار الأسد، نفذت إسرائيل سلسلة من الهجمات على منشآت عسكرية سورية، كما سيطرت على مناطق إضافية في جنوب البلاد، مبررة تحركاتها بمنع ظهور تهديدات جديدة قرب حدودها.
وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توسيع تعاونها مع الحكومة السورية الجديدة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يساعد على تحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين السوريين.
وأصبحت سوريا، نتيجة لذلك، ساحة للتنافس بين رؤيتين متعارضتين؛ فأنقرة تريد تعزيز نفوذها ودعم السلطة الجديدة، بينما تخشى إسرائيل تحوّل الوجود التركي إلى قوة عسكرية دائمة بالقرب من مناطق نفوذها.
وقال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن إسرائيل سترد إذا أنشأت تركيا قاعدة عسكرية في سوريا، فيما أكد مسؤولون عسكريون أتراك استعداد بلادهم للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
ومع امتلاك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، تدرك تل أبيب أن أي مواجهة مباشرة معها ستكون مختلفة جذريًا عن عملياتها العسكرية في سوريا أو لبنان.
تحذيرات من استخدام الجيش سياسيًا
اتهم يائير جولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» المعارض، نتنياهو باستخدام القوة العسكرية لخدمة مستقبله السياسي، واصفًا الهجوم على القاعدة السورية بأنه خطوة «استفزازية وخطيرة» قد تجر إسرائيل إلى صراع مع تركيا.
كما وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك انتقادات قاسية إلى نتنياهو، معتبرًا أن التصعيد مع تركيا تفوح منه «دوافع سياسية» مرتبطة بالرغبة في خوض الانتخابات وسط أجواء من القلق الأمني.
وقال باراك إن تركيا «ليست إيران ولا سوريا الأسد»، وإن الخلافات معها يمكن احتواؤها عبر اتصالات دبلوماسية هادئة بالتنسيق مع الولايات المتحدة، متهمًا نتنياهو بالتركيز على بقائه السياسي بدلًا من أمن إسرائيل. تصريحات إيهود باراك
وانضمت صحيفة «هآرتس» إلى المنتقدين، محذرة من أن الضربات في سوريا قد تقود إسرائيل إلى «صراع بلا جدوى» مع تركيا، وأن الاعتبارات الانتخابية لا يمكن فصلها عن قرارات الحكومة الأمنية في المرحلة الحالية. تقرير عن موقف هآرتس
مواجهة إعلامية تتجاوز سوريا
لم يقتصر التصعيد على التصريحات والعمليات العسكرية، بل امتد إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية المقربة من الحكومة، التي كثفت تقاريرها عن النفوذ التركي في المنطقة.
وبثت قناة «i24» فيلمًا وثائقيًا تناول أنشطة المؤسسات والجمعيات التركية في القدس الشرقية، وقدم المساعدات الإنسانية والثقافية التي تقدمها هذه الجهات للفلسطينيين بوصفها محاولة تركية لتعزيز النفوذ داخل المدينة.
وشمل الفيلم أنشطة مركز «يونس إمره» الثقافي وغيره من المؤسسات التركية، ما يعكس انتقال المواجهة من الخلافات السياسية والعسكرية إلى معركة أوسع على النفوذ والصورة العامة.
تصعيد محسوب أم مواجهة مقبلة؟
على الرغم من الخطاب المتبادل، لا تزال احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة محدودة؛ فتركيا عضو في حلف «الناتو»، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة، بينما تحتاج إسرائيل إلى تجنب فتح جبهة جديدة قد تزيد عزلتها وتعمق خلافاتها مع واشنطن.
وفي المقابل، تدرك أنقرة أن الدخول في صدام مباشر مع إسرائيل قد تكون له تداعيات أمنية واقتصادية ودبلوماسية واسعة.
لذلك، يبدو أن الطرفين يتحركان، في الوقت الراهن، على حافة التصعيد المحسوب: نتنياهو يوظف خطاب المواجهة في معركته الانتخابية، وأردوغان يرد بإجراءات قانونية وسياسية تلبي موقف الرأي العام التركي الداعم للفلسطينيين.
لكن استمرار الضربات الإسرائيلية داخل سوريا، وتصاعد الخطاب العدائي، قد يحول هذا التوتر من أداة سياسية إلى أزمة إقليمية يصعب احتواؤها.