حرب ترامب ضد إيران.. هل تجاهلت واشنطن «مبدأ باول»؟

أهداف متغيرة وحملة جوية بلا استراتيجية خروج واضحة تضع الولايات المتحدة أمام أسئلة الحرب التي حذر منها كولين باول

0 72

كتبت: بريجيت محمد 

في مذكراته الصادرة عام 1995 بعنوان «رحلتي الأميركية»، استعاد كولين باول خبرته في حرب فيتنام، كاشفًا عن تعهد جيل كامل من القادة العسكريين الأميركيين بعدم الانخراط مجددًا في حرب تُشن بقناعة محدودة، ولأسباب غامضة يعجز المواطن الأميركي عن فهمها.

وتبدو هذه الكلمات اليوم شديدة الصلة بالحرب الأميركية ضد إيران؛ إذ دخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب مواجهة عسكرية واسعة من دون أن تقدم، وفق منتقديها، إجابات واضحة عن أهدافها النهائية وحدودها أو كيفية إنهائها.

كما أثار موقف الكونغرس تساؤلات حول مدى ممارسته سلطاته الرقابية والدستورية، في ظل محدودية التأييد الشعبي للحرب قبل انطلاق عملية «الغضب الملحمي»، بحسب استطلاعات الرأي التي استند إليها التحليل.

ما «مبدأ باول»؟

شغل كولين باول منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية بين عامي 1989 و1993، قبل أن يتولى وزارة الخارجية في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش من عام 2001 إلى 2005.

ورغم ارتباط اسمه بالعقيدة العسكرية المعروفة بـ«مبدأ باول»، فإن جذورها تعود إلى وزير الدفاع الأميركي الأسبق كاسبار وينبرغر، الذي وضع عام 1984 ستة شروط رئيسية ينبغي فحصها قبل اتخاذ قرار استخدام القوة العسكرية.

وتتمثل هذه الشروط في:

  1. وجود مصلحة وطنية حيوية تستحق الدفاع عنها.
  2. الاستعداد لتخصيص القوة والموارد اللازمتين لتحقيق النصر.
  3. تحديد أهداف سياسية وعسكرية واضحة.
  4. إعادة تقييم حجم الالتزام العسكري مع تغير الظروف والأهداف.
  5. الحصول على دعم الشعب الأميركي والكونغرس من خلال المصارحة والتشاور.
  6. اعتبار استخدام القوات المسلحة الملاذ الأخير بعد استنفاد البدائل.

وطوّر باول هذه الرؤية، مشددًا على ضرورة امتلاك استراتيجية خروج واضحة، وضمان وجود تأييد دولي مناسب قبل خوض الحرب.

ولا يهدف هذا المبدأ إلى منع استخدام القوة بصورة مطلقة، بل إلى ضمان عدم الدخول في مواجهة عسكرية من دون أهداف محددة وموارد كافية وخطة قابلة للتنفيذ والإنهاء.

هل تجاوزت حرب إيران اختبارات باول؟

يرى منتقدو إدارة ترامب أن الحرب الحالية في الخليج أخفقت في اجتياز معظم اختبارات «مبدأ باول»، بدءًا من غموض المصلحة الوطنية المباشرة، وصولًا إلى تعدد الأهداف المعلنة وغياب تصور واضح لمرحلة ما بعد العمليات العسكرية.

فمنذ بدء عملية «الغضب الملحمي»، طرحت الإدارة الأميركية مجموعة واسعة من الأهداف، تضمنت تدمير الصواريخ الإيرانية وصناعتها، والقضاء على القدرات البحرية لطهران، ومنع الجماعات المرتبطة بها من زعزعة استقرار المنطقة، إلى جانب الحيلولة دون امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.

ورغم أن هذه الشعارات قد تبدو قوية سياسيًا وإعلاميًا، فإنها لا تشكل بالضرورة استراتيجية عسكرية متماسكة؛ إذ تختلف الوسائل المطلوبة لتدمير برنامج صاروخي عن تلك اللازمة لإضعاف القوات البحرية أو مواجهة الجماعات المسلحة أو منع انتشار السلاح النووي.

كما أن اتساع الأهداف يجعل تحديد معيار واضح للنصر أكثر صعوبة: متى تستطيع واشنطن إعلان انتهاء الحرب؟ وهل يكفي تدمير عدد من المنشآت، أم يتطلب الأمر تغيير سلوك النظام الإيراني، أم إسقاطه، أم التوصل إلى اتفاق نووي جديد؟

حدود القوة الجوية

اعتمدت الاستراتيجية الأميركية بدرجة كبيرة على الضربات الجوية، مع تجنب نشر قوات برية واسعة، في انسجام ظاهري مع وعود ترامب بعدم الزج بالولايات المتحدة في حروب طويلة جديدة.

وقد تكون تجربة حلف شمال الأطلسي في كوسوفو عام 1999 حاضرة في مثل هذا التفكير؛ إذ أسهمت حملة جوية استمرت أسابيع في دفع القوات الصربية إلى الانسحاب، قبل انتشار قوة دولية في الإقليم.

لكن القياس على كوسوفو يظل محدودًا؛ فإيران تختلف جغرافيًا وعسكريًا وسياسيًا عن صربيا في نهاية التسعينيات. كما أنها بنت على مدار عقود قدرات مصممة لتحمل الضربات الجوية والرد عليها بأساليب غير متكافئة.

وتنتشر أجزاء من البنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية داخل منشآت محصنة أو تحت الأرض، ما يجعل تدميرها بالكامل باستخدام القوة الجوية وحدها مهمة شديدة التعقيد، إن لم تكن مستحيلة من دون عمليات طويلة ومتكررة.

كما تمتلك طهران ترسانة صاروخية وشبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة، إلى جانب قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة والبنية التحتية لدول المنطقة.

إيران ليست صربيا ولا عراق صدام

يختلف النظام الإيراني كذلك عن نظام صدام حسين في العراق قبل غزو عام 2003. فمؤسسات الحكم والأمن في إيران أكثر تشعبًا، ويؤدي الحرس الثوري دورًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا واسعًا داخل الدولة.

ومن ثم، فإن الرهان على أن تؤدي الضربات الجوية وحدها إلى تفكيك النظام أو إجباره سريعًا على الاستسلام يتجاهل طبيعة بنيته وقدرته على امتصاص الخسائر وتعبئة الداخل تحت شعار مواجهة العدوان الخارجي.

وقد تؤدي الحرب، بدلًا من إضعاف التيار المتشدد، إلى تعزيز نفوذه وإغلاق المساحة أمام الأصوات الداعية إلى التفاوض أو الانفتاح على الغرب.

غياب استراتيجية الخروج

تتمثل إحدى أبرز مشكلات الحرب، وفق هذا التحليل، في غياب استراتيجية خروج واضحة تحدد كيفية وقف العمليات العسكرية والانتقال إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

فالضربات الجوية قد تدمر منشآت وتؤخر بعض البرامج العسكرية، لكنها لا تقدم بمفردها إجابة عن مستقبل العلاقة مع إيران، ولا تضمن منعها من إعادة بناء قدراتها.

ويشير لجوء البيت الأبيض لاحقًا إلى التلويح برفع بعض العقوبات أو تقديم حوافز اقتصادية إلى أن الأدوات الدبلوماسية كان يمكن تفعيلها بصورة أوسع قبل بدء الحرب.

فالخروج من أي مواجهة لا يبدأ عند توقف القصف، بل يحتاج إلى ترتيب سياسي وأمني يحدد التزامات الأطراف وآليات التحقق والضمانات الدولية وعواقب خرق الاتفاق.

تداعيات على الحلفاء

لم تقتصر تداعيات العمليات العسكرية على إيران والولايات المتحدة، بل امتدت إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، الذين وجدوا أنفسهم معرضين للرد الإيراني، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الهجمات الإلكترونية أو تهديد منشآت الطاقة والمياه.

كما أثار غياب التشاور الكافي، بحسب منتقدي الإدارة، قلقًا لدى بعض الشركاء بشأن قدرة واشنطن على مراعاة مصالحهم عند اتخاذ قرارات عسكرية ذات تأثير إقليمي واسع.

ويزداد هذا القلق في ظل استنزاف الذخائر الأميركية المتطورة وارتفاع تكلفة الدفاع عن القواعد والسفن والمنشآت الحيوية، فضلًا عن اضطراب أسواق الطاقة والملاحة.

القوة وحدها لا تصنع استراتيجية

كان باول يرى أن القوة العسكرية ينبغي أن تكون جزءًا من استراتيجية شاملة تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات والعمل الاستخباراتي، بدلًا من استخدامها منفصلة عن بقية أدوات الدولة.

لكن اعتبار القوة «ملاذًا أخيرًا» لا يعني فصلها تمامًا عن الدبلوماسية؛ إذ يمكن للتهديد العسكري الموثوق أن يدعم التفاوض، كما قد تفتح التسوية السياسية بابًا لتجنب حرب أوسع.

وتكمن المشكلة عندما يصبح القصف بديلًا عن السياسة، أو عندما تبدأ العمليات من دون تحديد العلاقة بين الضغط العسكري والنتيجة الدبلوماسية المطلوبة.

فإذا لم يكن الهدف إسقاط النظام الإيراني، فما الشروط المطلوبة لوقف الحرب؟ وإذا كان الهدف منع امتلاك السلاح النووي، فما الآلية التي ستضمن ذلك بعد انتهاء الغارات؟ وإذا كان الهدف تغيير سلوك طهران الإقليمي، فهل تستطيع الضربات الجوية وحدها تحقيقه؟

دروس المواجهات السابقة

أظهرت المواجهات السابقة أن العمليات الجوية قد تؤخر بعض القدرات الإيرانية، لكنها لا تستطيع القضاء نهائيًا على المعرفة النووية أو البنية الصاروخية أو نفوذ الحرس الثوري.

وفي بعض الحالات، نجحت الضغوط العسكرية المحدودة عندما اقترنت بقنوات تفاوضية واضحة، بينما أدى غياب المسار السياسي إلى تصعيد الردود الإيرانية واستخدام أدوات غير متكافئة، من تهديد الملاحة في مضيق هرمز إلى استهداف منشآت الطاقة وتحلية المياه في المنطقة.

ويعني ذلك أن أي استراتيجية فعالة تجاه إيران تحتاج إلى مزيج من الردع العسكري والضغط الاقتصادي والعمل الدبلوماسي والتنسيق الوثيق مع الحلفاء.

ترامب والأسئلة التي لم تُجب عنها الحرب

قد لا يكون تطبيق «مبدأ باول» حرفيًا ممكنًا في كل أزمة أو عملية عسكرية، ولا سيما الحملات الجوية المحدودة، لكنه يظل إطارًا مهمًا لاختبار منطق الحرب قبل بدئها.

فالأسئلة التي طرحها باول لا تزال قائمة: ما المصلحة الوطنية الحيوية؟ ما الهدف النهائي؟ هل تتناسب الوسائل مع الأهداف؟ هل يتوافر الدعم الشعبي والسياسي والدولي؟ وما الخطة إذا لم تحقق الضربة الأولى نتائجها؟ وكيف ستنتهي الحرب؟

ووفق هذا المنظور، تبدو إدارة ترامب كأنها بدأت بالحملة العسكرية قبل أن تستكمل الإجابات السياسية. وإذا كانت الحرب قد أثبتت قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات قوية، فإنها لم تثبت حتى الآن أن واشنطن تمتلك تصورًا واضحًا لما ينبغي أن يحدث بعد القصف.

لقد أراد باول حماية الولايات المتحدة من خوض حرب تبدأ بشعارات واسعة، ثم تتحول إلى مواجهة مفتوحة بلا معيار للنصر أو باب للخروج. وربما كان على ترامب، قبل إصدار أوامر الهجوم على إيران، أن يقرأ مبدأ باول بعناية أكبر.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق