الملف النووي السوري يعود إلى الواجهة.. مخزون غامض يفتح صراعًا بين السيادة ومخاوف إسرائيل

0 58

بين صحراء دير الزور ووادي الفرات، يعود الملف النووي السوري إلى الواجهة بعد نحو عقدين من الغموض، مع كشف دمشق عن وجود مواد نووية في موقع لم يسبق الإعلان عنه، وفتح منشآت مرتبطة ببرنامج عهد بشار الأسد أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويثير هذا التطور أسئلة تتجاوز الطبيعة التقنية للمواد المكتشفة إلى مستقبل البرنامج النووي السوري، وحدود سيادة دمشق عليها، وموقف إسرائيل والولايات المتحدة من بقائها داخل الأراضي السورية.

من قصف «الكُبر» إلى كشف المخزون النووي

في سبتمبر 2007، دمر سلاح الجو الإسرائيلي منشأة «الكُبر» في محافظة دير الزور، بعدما اعتبرتها إسرائيل والولايات المتحدة مفاعلًا نوويًا سريًا بُني بمساعدة كوريا الشمالية.

ونفت حكومة بشار الأسد آنذاك وجود برنامج نووي عسكري، وقالت إن المنشأة كانت موقعًا عسكريًا تقليديًا.

لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلصت عام 2011 إلى أن المبنى المدمر كان «على الأرجح مفاعلًا نوويًا» لم تُبلغ سوريا الوكالة بوجوده.

وجاءت الغارة في إطار ما يُعرف بـ«عقيدة بيجن»، التي تقوم على منع الدول التي تعدها إسرائيل معادية من امتلاك قدرات نووية عسكرية، باستخدام القوة الوقائية عند الضرورة.

وظلت الأسئلة المتعلقة بموقع الكُبر والمنشآت المرتبطة به بلا إجابات حاسمة، في ظل تقييد وصول المفتشين ثم اندلاع الحرب السورية وتحول البلاد إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية.

رسالة سورية إلى الوكالة الدولية

حدث التحول الأبرز في 17 يوليو 2026، عندما أرسلت الحكومة السورية الجديدة رسالة رسمية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كشفت فيها طوعًا عن وجود مواد نووية في موقع غير معلن، ووصفتها بأنها جزء من إرث النظام السابق.

وفي أغسطس، زار وفد بقيادة المدير العام للوكالة رافائيل غروسي سوريا، وتفقد موقع الكُبر في دير الزور للمرة الأولى منذ 18 عامًا، إلى جانب موقع آخر يحتوي على المواد التي أبلغت دمشق عنها.

وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن المفتشين جمعوا العينات اللازمة، وأن بلاده ستتعاون مع الوكالة لحصر المواد وتخزينها بصورة آمنة وإخضاعها لنظام الضمانات الدولية.

وقال غروسي إن الحديث يدور عن «بضعة أطنان من المواد النووية» يمكن إساءة استخدامها، مشددًا على ضرورة إخضاعها للحصر والرقابة الدولية. أسوشيتد برس

ماذا يوجد داخل الموقع الغامض؟

لم تكشف الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسميًا عن موقع المنشأة الثانية أو الطبيعة الكاملة للمواد الموجودة فيها، كما لم تعلن نتائج تحليل العينات حتى الآن.

لكن تقارير إعلامية تحدثت عن منشأة سرية تُعرف باسم «الموقع 99»، قالت إنها تضم مخزونًا من «الكعكة الصفراء»، وهي مسحوق مركز من خام اليورانيوم يمثل مرحلة أولية ضمن دورة الوقود النووي.

ولا تصلح الكعكة الصفراء للاستخدام المباشر في صنع سلاح نووي؛ إذ تحتاج إلى سلسلة طويلة ومعقدة من عمليات التحويل والتخصيب قبل الوصول إلى يورانيوم عالي التخصيب.

كما أن وصف هذه المواد بأنها «انشطارية» أو جاهزة لصنع قنبلة نووية ليس دقيقًا من الناحية العلمية.

ومع ذلك، فإن وجودها خارج الرقابة الدولية يثير مخاوف تتعلق بالانتشار النووي أو الاتجار غير المشروع أو إساءة الاستخدام.

وتبقى تسمية «الموقع 99» والتفاصيل المتعلقة بمحتوياته مستندة إلى تقارير استخباراتية وإعلامية، وليست معلومات أعلنتها الوكالة الدولية رسميًا حتى الآن.

تقارير عن تحذيرات إسرائيلية

أفادت تقارير بأن إسرائيل رصدت تحركات قرب الموقع بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وخشيت من وصول المواد إلى جهات مسلحة أو انتقالها إلى سيطرة السلطات السورية الجديدة بدعم محتمل من أطراف إقليمية.

وبحسب تلك التقارير، قصفت القوات الإسرائيلية مداخل المنشأة لمنع الوصول إليها، ثم أبلغت واشنطن بأنها قد تنفذ ضربات إضافية إذا لم تُؤمَّن المواد وتُخضع لرقابة دولية.

كما تحدثت تقارير عن وساطة أميركية أسهمت في التوصل إلى تفاهم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى الموقع ومعاينة محتوياته.

لكن دمشق نفت سابقًا وجود دور إسرائيلي في ترتيباتها مع الوكالة، وأكدت أن التعاون تم بقرار سوري وفي إطار العلاقة المباشرة مع المنظمة الدولية.

ولذلك يجب التعامل مع تفاصيل التهديدات الإسرائيلية والوساطة الأميركية بوصفها معلومات منسوبة إلى مصادر دبلوماسية واستخباراتية، لا حقائق أكدتها جميع الأطراف رسميًا.

دمشق تتمسك ببقاء المواد داخل سوريا

قال وزير الخارجية السوري إن المواد المكتشفة لا تمثل خطرًا مباشرًا، وإنها ستبقى في عهدة الدولة السورية مع إخضاعها لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأكد حق سوريا «السيادي والقانوني» في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية والسلمية، بالتعاون مع الوكالة وتحت إشرافها.

ويشكل هذا الموقف تحولًا عن تقارير سابقة تحدثت عن ترتيبات لإخراج المخزون من الأراضي السورية قبل نهاية عام 2026.

ولا تزال المسألة بلا تسوية نهائية معلنة؛ ففي حين تؤكد دمشق بقاء المواد تحت سيادتها، تشير تقارير أخرى إلى استمرار النقاش بشأن مستقبلها ومكان تخزينها وطريقة التعامل معها.

برنامج نووي مدني أم إرث أمني خطير؟

من حيث المبدأ، يحق لسوريا، بوصفها طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تطوير برنامج نووي سلمي تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لكن الانتقال من مجرد الاحتفاظ بمواد خام إلى إنشاء برنامج متكامل للطاقة النووية يحتاج إلى بنية علمية وتقنية وتشريعية ومالية كبيرة، فضلًا عن ثقة دولية يصعب بناؤها في وقت قصير.

كما أن الغموض الذي أحاط بالبرنامج السابق سيجعل أي نشاط نووي سوري جديد خاضعًا لتدقيق شديد، خصوصًا من إسرائيل والولايات المتحدة.

ويضع ذلك الحكومة الجديدة أمام معادلة دقيقة: التمسك بحقوقها السيادية من جهة، وتقديم ضمانات موثوقة تحول دون عودة الشكوك بشأن وجود أنشطة عسكرية سرية من جهة أخرى.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المخزون

يفتح اكتشاف المواد النووية ثلاثة مسارات محتملة خلال المرحلة المقبلة.

نقل المواد إلى خارج سوريا

يقوم السيناريو الأول على نقل المخزون إلى دولة أخرى تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سواء للتخزين أو المعالجة أو التخلص الآمن منه.

وسيوفر هذا الخيار ضمانات قوية لإسرائيل والدول الغربية، وقد يساعد دمشق على إغلاق ملف البرنامج السابق وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.

لكنه قد يواجه اعتراضًا سوريًا باعتباره تنازلًا عن مواد وممتلكات تقع تحت سيادة الدولة.

إبقاؤها تحت الرقابة الدولية

يتمثل السيناريو الثاني في الاحتفاظ بالمواد داخل سوريا بعد تسجيلها وحصرها وإغلاقها بأختام الوكالة، مع السماح بعمليات تفتيش دورية.

ويحقق هذا الخيار توازنًا بين السيادة السورية ومتطلبات عدم الانتشار، لكنه قد لا يكون كافيًا لتبديد المخاوف الإسرائيلية، خاصة إذا ظل موقع التخزين أو حجم المخزون محل غموض.

تعثر التعاون وعودة الخيار العسكري

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تعثر عمليات التفتيش أو اكتشاف مواد غير معلنة أو حدوث خلاف بشأن الوصول إلى المواقع.

وقد يعيد ذلك خيار الضربات العسكرية الإسرائيلية إلى الواجهة، ويضع سوريا مجددًا في قلب مواجهة إقليمية لا تزال الحكومة الجديدة تحاول تجنبها.

الشفافية هي الاختبار الحقيقي

لا تعني المواد المكتشفة أن سوريا باتت تمتلك قنبلة نووية أو برنامجًا جاهزًا لإنتاجها، كما لا توجد أدلة معلنة على امتلاك دمشق مخزونًا تشغيليًا من اليورانيوم المخصب للاستخدام العسكري.

لكن أهمية الملف تكمن في الإرث السري الذي تركه النظام السابق، وفي ضرورة التأكد من حصر جميع المواد والمنشآت المرتبطة به.

وسيكون استمرار وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونشر نتائج التحاليل، وتقديم جرد كامل للمواقع والمواد، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت القضية ستتحول إلى نموذج للتعاون الدولي أم إلى شرارة جديدة للتصعيد.

وبين تمسك دمشق بالسيادة وإصرار إسرائيل على منع أي قدرة نووية محتملة، يقف الملف أمام اختبار دقيق: إما أن تُغلقه الشفافية والرقابة، أو يعيده الغموض إلى دائرة الضربات الوقائية والصراع الإقليمي.

Visited 2 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق