من ليفورتوفو إلى الرياض.. قصة رجل بوتين الغامض الذي عرف عن أوكرانيا أكثر مما ينبغي
سيرجي بيسيدا.. رجل الظل الذي ارتبط اسمه بأحد أكبر الإخفاقات الاستخباراتية الروسية
كتب: أحمد السيد رفعت
في الحروب الكبرى، لا يصنع الجنرالات وحدهم الانتصارات والهزائم. أحيانًا تبدأ الكارثة داخل غرفة مغلقة، عندما يضع رجل استخبارات ملفًا على مكتب الحاكم، ويخبره بما ينتظره خلف الحدود.
كان الجنرال الروسي سيرجي بيسيدا واحدًا من هؤلاء الرجال؛ شخصية غامضة أمضت عقودًا داخل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي «FSB»، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بالتقديرات التي سبقت غزو أوكرانيا في فبراير 2022.
لم يقد بيسيدا الدبابات نحو كييف، لكنه كان من بين المسؤولين الذين يُفترض أنهم أخبروا الرئيس فلاديمير بوتين بما سيحدث عند وصولها.
الرجل المسؤول عن قراءة أوكرانيا
تولى بيسيدا منذ عام 2009 رئاسة «الخدمة الخامسة» داخل جهاز الأمن الفيدرالي، وهي وحدة مختصة بجمع المعلومات وإدارة النشاط الاستخباراتي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وعلى رأسها أوكرانيا.
وبحسب باحثين متخصصين في أجهزة الأمن الروسية، أدت هذه الوحدة دورًا مهمًا في متابعة المشهد السياسي الأوكراني وبناء شبكات موالية لموسكو، إلى جانب تقديم التقديرات للكرملين حول قدرة الدولة الأوكرانية على الصمود.
لم تعتمد خطة الغزو الروسي على التفوق العسكري وحده، بل قامت أيضًا على افتراض وجود انقسامات سياسية وشبكات داخلية يمكنها تسهيل انهيار السلطة في كييف فور دخول القوات الروسية.
لكن ما حدث جاء على النقيض من تلك التقديرات؛ فقد صمدت العاصمة، ولم تنهَر مؤسسات الدولة، وفشلت القوات الروسية في تحقيق نصر خاطف.
وتحولت العملية التي توقعت موسكو حسمها سريعًا إلى حرب استنزاف طويلة.
عندها برز السؤال الذي طارد أروقة الكرملين: من قدّم لبوتين هذه الصورة الخاطئة عن أوكرانيا؟
وكان بيسيدا أحد أبرز الأسماء المطروحة.
غضب الكرملين ورواية الاعتقال
في 11 مارس 2022، أفاد الصحفي الروسي أندريه سولداتوف، المتخصص في شؤون الاستخبارات، بأن بيسيدا ونائبه أناتولي بوليوخ وُضعا قيد الإقامة الجبرية بعد الإخفاقات الأولى للقوات الروسية.
وفي أبريل من العام نفسه، ظهرت تقارير تزعم نقل بيسيدا إلى سجن ليفورتوفو شديد الحراسة في موسكو، وسط حديث عن تحقيقات تتعلق بالمعلومات المقدمة للكرملين، وأموال خُصصت للعمليات السرية داخل أوكرانيا. ميدوزا
ويحمل ليفورتوفو دلالة خاصة في التاريخ الروسي؛ إذ ارتبط منذ الحقبة السوفيتية بالتحقيقات الأمنية والقضايا السرية والمتهمين بالخيانة والتجسس.
لكن السلطات الروسية لم تؤكد رسميًا احتجاز بيسيدا أو نقله إلى السجن.
كما ظهرت لاحقًا تقديرات غربية شككت في الرواية، وأشارت إلى احتمال بقائه في منصبه.
لذلك لا تزال حقيقة ما جرى خلف أبواب الجهاز الأمني الروسي غير محسومة.
هل أخطأ بيسيدا أم أخفقت المنظومة؟
تطرح قصة بيسيدا عدة تفسيرات، أبسطها أن «الخدمة الخامسة» بالغت في تقدير التأييد الشعبي والسياسي لروسيا داخل أوكرانيا، وقللت من قدرة الجيش والمجتمع الأوكرانيين على المقاومة.
لكن التفسير الأعمق يتجاوز شخصًا واحدًا، ويرى أن الإخفاق كان نتيجة منظومة كاملة اعتادت تقديم المعلومات التي يرغب صانع القرار في سماعها.
في الأنظمة المغلقة، قد يخشى المسؤولون نقل الأخبار السيئة إلى القيادة، فتتحول التقارير الاستخباراتية تدريجيًا من أداة لفهم الواقع إلى وسيلة لإرضاء الحاكم. وحين تُبنى القرارات العسكرية على هذه الصورة، تصبح النتائج كارثية.
أما الفرضية الأكثر إثارة، فتتعلق بإمكانية تعرض أجهزة الاستخبارات الروسية لاختراق غربي، أو تمرير معلومات مضللة عمدًا لدفع موسكو إلى حرب غير مستعدة لها.
وقد ترددت تقارير عن تحقيقات روسية في احتمال تسريب معلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لكن لا يوجد دليل علني حاسم يثبت أن بيسيدا عمل لحساب واشنطن أو تعمد تضليل بوتين.
ومن ثم تبقى هذه الرواية فرضية استخباراتية لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة.
رجل الظل يعود من جديد
المفارقة أن بيسيدا لم يختفِ من المشهد الروسي. فقد استمر في رئاسة «الخدمة الخامسة» حتى عام 2024، قبل أن ينتقل إلى منصب مستشار لرئيس جهاز الأمن الفيدرالي ألكسندر بورتنيكوف.
وفي مارس 2025، عاد اسمه إلى الواجهة بعدما اختارته موسكو، إلى جانب الدبلوماسي غريغوري كاراسين، لتمثيلها في المحادثات مع الولايات المتحدة بالعاصمة السعودية الرياض.
وناقشت المحادثات ملفات مرتبطة بالحرب الأوكرانية وأمن الملاحة في البحر الأسود، واستمرت نحو 12 ساعة.
وكان اختيار بيسيدا لافتًا؛ فالرجل الذي ارتبط اسمه بالتقديرات الاستخباراتية السابقة للغزو عاد ليشارك في التفاوض حول الحرب نفسها. رويترز
لماذا أبقى بوتين عليه؟
يثير استمرار بيسيدا داخل المنظومة الأمنية عدة تساؤلات. هل عوقب لفترة قصيرة، ثم استعاد ثقة القيادة الروسية؟ أم إن رواية اعتقاله كانت مبالغًا فيها منذ البداية؟ أم أن خبرته الواسعة بشبكات أوكرانيا والفضاء السوفيتي السابق جعلته رجلًا لا يستطيع الكرملين الاستغناء عنه؟
لا تقدم موسكو إجابات واضحة، وهو أمر معتاد في عالم الأجهزة الأمنية الروسية، حيث تختلط الوقائع بالتسريبات، ويصعب التمييز بين العقاب الحقيقي وإعادة توزيع الأدوار.
وقد يكون بيسيدا مسؤولًا عن تقديرات استخباراتية خاطئة، أو ضحية لمنظومة كاملة أخفقت في قراءة المجتمع الأوكراني.
وربما كانت عودته دليلًا على أن الكرملين لم يعتبره المسؤول الأول عن فشل خطة الحرب الخاطفة.
يبقى السؤال معلقًا: هل أخطأ رجل الظل في قراءة أوكرانيا، أم أخفت المنظومة عن بوتين ما لم يكن يريد سماعه، أم أن جهة ما أرادت لموسكو أن تقرأ المشهد بصورة خاطئة؟
لا توجد أدلة علنية تمنح إجابة نهائية، لكن المؤكد أن سيرجي بيسيدا سيظل واحدًا من أكثر رجال الظل غموضًا في الحرب الروسية الأوكرانية.
اقرأ أيضا:
الحصاد المر للحرب الروسية الأوكرانية