حظر النقاب والبرقع في مدارس إيطاليا.. حماية للأمن أم معركة سياسية حول حرية المرأة؟

0 61

ايطاليا:د/ سارة غنيم 

أعاد إعلان رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اعتزام حكومتها حظر تغطية الوجه بالكامل داخل المدارس، إلى جانب وضع ضوابط على توزيع الطلاب الأجانب بين الفصول، الجدل بشأن حدود الحرية الدينية ومتطلبات الأمن والاندماج إلى واجهة النقاش السياسي والمجتمعي في إيطاليا.

وبينما يرى مؤيدو الخطوة أنها تحمي الطالبات وتسهّل عملية التعرف إلى الأشخاص داخل المؤسسات التعليمية، يحذر معارضون من استخدامها سياسيًا لإثارة المخاوف من المهاجرين والمسلمين، خصوصًا أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن عدد الطالبات اللاتي قد يشملهن الحظر لا يتجاوز بضع مئات في أنحاء البلاد.

مقترح حكومي وليس قانونًا نافذًا

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

أعلنت ميلوني أن حكومتها تعتزم إدراج حظر النقاب والبرقع داخل المدارس ضمن حزمة إجراءات تعليمية مرتقبة. وتشمل الخطة أيضًا تنظيم توزيع الطلاب الأجانب على الفصول، إلى جانب برامج لتعليم اللغة الإيطالية لأولياء أمور الطلاب الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الاندماج.

لكن الإجراء لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن؛ إذ يحتاج إلى موافقة الحكومة، ثم المرور بالإجراءات البرلمانية المقررة حتى يصبح قانونًا نافذًا. كما لم تعلن الحكومة بعد التفاصيل النهائية للعقوبات أو الاستثناءات وآليات التطبيق.

ومن المهم التمييز بين صيغة الإعلان الحكومي وبعض العناوين المتداولة؛ فالمقترح لا يستهدف «الحجاب» الذي يترك الوجه مكشوفًا، وإنما يتناول الملابس التي تحجب ملامح الوجه، وفي مقدمتها النقاب والبرقع.

ما الفرق بين الحجاب والنقاب والبرقع؟

يُستخدم مصطلح «الحجاب» أحيانًا بصورة عامة وغير دقيقة لوصف أشكال متعددة من الملابس، رغم وجود اختلاف واضح بينها:

  • الحجاب: يغطي الشعر والرقبة، بينما يظل الوجه ظاهرًا بالكامل، ولا يشمله المقترح المعلن.
  • النقاب: يغطي الوجه مع ترك العينين ظاهرتين.
  • البرقع: يغطي الجسد والوجه بالكامل، وتوجد أمام العينين شبكة قماشية تسمح بالرؤية.

ويرتبط الجدل الحالي بقدرة المؤسسات التعليمية على التحقق من هوية الموجودين داخلها والتواصل المباشر بين المعلمين والطلاب، وليس بمجرد ارتداء غطاء للرأس.

شلغومي يؤيد القرار: قضية أمن وكرامة

دخل الإمام حسن شلغومي، رئيس مؤتمر الأئمة الأوروبيين والرئيس السابق لاتحاد أئمة فرنسا، على خط الجدل معلنًا دعمه الواضح لمقترح ميلوني.

وقال شلغومي، في حوار مع صحيفة «إل جورنالي» الإيطالية، إن تغطية الوجه بالكامل لا تمثل ممارسة سائدة في معظم المجتمعات الإسلامية، معتبرًا أن المسألة تتعلق بالأمن والحياة الاجتماعية بقدر ارتباطها بالدين.

ورأى أن إخفاء ملامح الوجه يمنع التعرف إلى هوية الشخص داخل المكان العام، كما قد يؤدي، من وجهة نظره، إلى الانتقاص من مكانة المرأة المسلمة وحصرها في قراءة متشددة للدين. وأشار إلى مشاركته عام 2010 في النقاش الفرنسي الذي انتهى بفرض قيود على تغطية الوجه في الأماكن العامة.

وذهب شلغومي إلى ربط فرض النقاب بتيارات سلفية وجماعات إسلامية سياسية، إلا أن هذه التصريحات تظل جزءًا من موقفه السياسي والفكري، ولا يمكن تعميمها تلقائيًا على جميع النساء اللاتي يرتدين النقاب أو أسرهن.

هل يستهدف القرار مئات الطالبات فقط؟

قدرت صحيفة «تكنيكا ديلا سكولا» المتخصصة في الشؤون التعليمية عدد الطالبات اللاتي يرتدين غطاءً كاملًا للوجه في المدارس الإيطالية بنحو 500 إلى 600 طالبة فقط.

لكن هذا الرقم ليس إحصاءً حكوميًا أو نتيجة لمسح ميداني شامل، بل تقدير بُني على عدد الطلاب المسلمين المفترض، والفئات العمرية المعنية، وافتراض أن أقل من 1% من النساء المسلمات يرتدين غطاء الوجه الكامل. ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره رقمًا تقريبيًا قابلًا للنقاش، وليس حقيقة إحصائية نهائية.

ويطرح انخفاض العدد المتوقع للطالبات المتأثرات سؤالًا سياسيًا: هل تعالج الحكومة مشكلة فعلية داخل المدارس، أم تستخدم قضية محدودة الانتشار لإرسال رسالة أوسع إلى الناخبين بشأن الهجرة والهوية؟

منتقدون: القرار يختزل النساء في ملابسهن

ترفض أصوات مسلمة وحقوقية تقديم الحظر باعتباره وسيلة لتحرير المرأة بصورة تلقائية. وتقول سمية عبد القادر، وهي سياسية إيطالية وناشطة من أصول عربية، إن الدفاع عن النساء لا ينبغي أن يتحول إلى فرض خيارات عليهن من جانب الحكومة.

كما شككت في تقديرات أعداد الطالبات المعنيات، معتبرة أن الحديث عن 500 أو 600 طالبة قد يُستخدم لتضخيم ظاهرة محدودة وتحويلها إلى قضية انتخابية.

ويرى منتقدو المشروع أن المرأة قد تتعرض للضغط في الحالتين: عندما تُجبر على ارتداء غطاء الوجه، وعندما تُجبر على نزعه من دون توفير حماية اجتماعية أو حوار داخل الأسرة والمجتمع.

سقف للطلاب الأجانب داخل الفصول

لا تتوقف الخطة الحكومية عند الملابس، إذ تعتزم ميلوني وضع سقف لعدد الطلاب الأجانب داخل الفصل الواحد، بدعوى منع تكوّن مدارس أو فصول معزولة يصعب فيها تعلم اللغة الإيطالية وتحقيق الاندماج.

ويشكل الطلاب الذين لا يحملون الجنسية الإيطالية نحو 11.6% من إجمالي طلاب المدارس، مع ملاحظة أن نسبة كبيرة منهم وُلدت في إيطاليا وتلقت تعليمها بالكامل داخل البلاد.

ويؤيد شلغومي مبدأ التنوع داخل المدارس، معتبرًا أن تركز أبناء المهاجرين في مؤسسات أو فصول بعينها قد يؤدي إلى نشوء عزلة اجتماعية وثقافية تضر بالأطفال الإيطاليين والمهاجرين معًا.

في المقابل، يحذر مسؤولون وخبراء تربويون من صعوبة تطبيق السقف بصورة جامدة، خصوصًا في الأحياء التي تسكنها أعداد كبيرة من الأسر المهاجرة. فالمدارس مطالبة عادة بقبول الأطفال المقيمين في نطاقها الجغرافي، وقد يؤدي نقلهم إلى مناطق بعيدة إلى زيادة الأعباء على الأسر وتعميق التمييز بدلًا من الحد منه.

ماذا يقول القانون الإيطالي؟

ينص الدستور الإيطالي على حرية ممارسة الشعائر والمعتقدات الدينية بصورة فردية أو جماعية، علنية أو خاصة، ما دامت لا تتعارض مع النظام القانوني والآداب العامة. كما يؤكد حرية الطوائف الدينية أمام القانون.

وفي الوقت نفسه، تمتلك إيطاليا منذ عام 1975 تشريعًا يمنع استخدام الخوذ أو أي وسيلة تجعل التعرف إلى الشخص صعبًا في الأماكن العامة أو المفتوحة للجمهور، من دون سبب مبرر. ومن ثم، فإن النقاش لا يبدأ من فراغ قانوني، بل يدور حول تحويل القاعدة العامة إلى حظر صريح ومحدد داخل المدارس.

وسيتوقف التقييم القانوني للمقترح على مدى تناسبه مع الهدف المعلن، ووضوح استثناءاته، وطريقة تنفيذه، وقدرته على حماية الأمن من دون فرض قيود تتجاوز الضرورة.

التجربة الأوروبية بين التأييد والانتقاد

حظر تغطية الوجه بالكامل.. كيف تتباين القواعد بين دول أوروبا؟

سبق لعدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبلجيكا، أن فرضت قيودًا على تغطية الوجه في الأماكن العامة.

وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن بعض هذه القيود لا تخالف الاتفاقية الأوروبية، مانحة الدول هامشًا في تنظيم الحياة العامة وتحقيق ما تصفه بشروط «العيش المشترك».

في المقابل، انتقدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الحظر الشامل في بعض الحالات، معتبرة أن الإجراءات العامة قد تكون غير متناسبة إذا أمكن تحقيق الأهداف الأمنية بوسائل أقل تقييدًا، مثل الكشف المؤقت عن الوجه للتحقق من الهوية.

الأمن والاندماج أم استثمار سياسي؟

تكشف القضية أن النقاش يتجاوز قطعة الملابس نفسها. فهناك أسئلة مشروعة تتعلق بالأمن والتعرف إلى الهوية والتواصل داخل المدرسة، وفي المقابل توجد مخاوف حقيقية من الوصم الجماعي وتحويل النساء المسلمات إلى أدوات في صراع سياسي وأيديولوجي.

وسيُقاس نجاح أي إجراء بقدرته على حماية الطالبات من الإكراه، سواء كان الإكراه على ارتداء غطاء الوجه أو خلعه، وبمدى توفيره مسارات للحوار والدعم والتعليم والاندماج.

أما حصر القضية في مواجهة بين «مؤيد للحجاب» و«معادٍ له»، فلن يقدم حلًا متوازنًا. فالسؤال الأكثر أهمية ليس فقط ما إذا كانت إيطاليا ستمنع النقاب والبرقع في المدارس، بل كيف ستطبق ذلك دون انتهاك الحقوق أو إقصاء طالبات يُفترض أن تكون المدرسة أول مساحة لحمايتهن ودمجهن في المجتمع.

اقرأ أيضا:
مونفالكون تشهد جدلاً حول سلوك الأجانب المسلمين على شاطئها، وعمدة المدينة تدعو إلى احترام القوانين والعادات الإيطالية 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق