ما بعد حرب إيران.. خطة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر السعودية وغزة وطهران

0 10

تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعداد استراتيجية واسعة لإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب مع إيران، ترتكز على احتواء طهران، وتوسيع مسار التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة، ومعالجة الملفات الأمنية والسياسية التي خلفتها حرب غزة.

وبحسب مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة تحدثت إلى موقع «أكسيوس»، لا تزال الاستراتيجية في مراحلها الأولى، إلا أن الإدارة تسعى إلى جعلها إطارًا حاكمًا للسياسة الأمريكية في المنطقة خلال ما تبقى من ولاية ترامب.

ترامب يريد «شيئًا أكبر» في الشرق الأوسط

يجري إعداد الاستراتيجية الأمريكية على مسارين متوازيين؛ يتولى الأول مسؤولون بارزون في الإدارة تحديد التوجهات السياسية العامة، بينما تعمل فرق متخصصة داخل عدد من الوكالات الحكومية على دراسة التفاصيل وإعداد المقترحات التنفيذية.

ووفقًا للمصادر، عقد ترامب اجتماعين على الأقل مع كبار مستشاريه خلال الأسابيع الأخيرة لمناقشة التصورات المطروحة، وأشار في محادثات خاصة إلى رغبته في تحقيق «شيء أكبر بكثير» في الشرق الأوسط بمجرد انتهاء الحرب مع إيران.

ولا تمثل المناقشات خطة أمريكية نهائية أو معتمدة حتى الآن، إذ لا تزال البنود قيد الدراسة، وقد تحتاج الإدارة إلى أسابيع إضافية قبل الوصول إلى صيغة متكاملة.

المحور الأول: بناء جبهة إقليمية لاحتواء إيران

يقوم المحور الأول على تعزيز التنسيق بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، بهدف إنشاء جبهة إقليمية أكثر تماسكًا في مواجهة النفوذ الإيراني، مدعومة بضمانات أمنية أمريكية.

وتسعى واشنطن إلى تطوير التعاون الدفاعي والاستخباراتي بين شركائها، والانتقال من ترتيبات ثنائية متفرقة إلى إطار إقليمي أكثر تنظيمًا وقدرة على التعامل مع التهديدات المشتركة.

ولا يعد احتواء إيران توجهًا جديدًا في السياسة الأمريكية، إذ عملت الإدارات المتعاقبة منذ الثورة الإيرانية عام 1979 على تعزيز علاقاتها الأمنية مع دول الخليج ومصر والأردن للحد من نفوذ طهران وحلفائها.

لكن التصور الجديد ينطلق من تقدير أمريكي بأن الحرب والغارات التي تعرضت لها القدرات العسكرية الإيرانية أحدثت تحولًا في ميزان القوى، ما قد يتيح فرصة لإقامة تحالف إقليمي جديد.

وفي المقابل، لا يزال التصعيد العسكري قائمًا؛ فقد تبادلت الولايات المتحدة وإيران هجمات جديدة استهدفت سفنًا ومنشآت عسكرية وناقلات نفط، بما يؤكد أن الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب يجري بينما الصراع نفسه لم يصل بعد إلى نهايته.

المحور الثاني: إعادة التطبيع بين السعودية وإسرائيل

تسعى إدارة ترامب، ضمن المحور الثاني، إلى إعادة إطلاق مفاوضات تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، باعتبار انضمام الرياض إلى هذا المسار خطوة قادرة على إحداث تغيير واسع في خريطة التحالفات الإقليمية.

وتستند هذه الجهود إلى «اتفاقيات إبراهيم» التي رعتها إدارة ترامب الأولى عام 2020، وأدت إلى إقامة علاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب، بينما ظل مسار السودان متعثرًا.

وترى واشنطن أن اتفاقًا سعوديًا إسرائيليًا قد يعزز التعاون الاقتصادي والأمني في المنطقة، ويدعم قيام تكتل سياسي قادر على موازنة نفوذ إيران.

إلا أن هذا الهدف يواجه عقبات رئيسية، في مقدمتها موقف السعودية الذي يربط إقامة علاقات مع إسرائيل بإحراز تقدم حقيقي نحو تسوية القضية الفلسطينية وقيام دولة فلسطينية.

كما تحتفظ مصر وقطر ودول عربية أخرى بتحفظات تجاه أي ترتيبات إقليمية تتجاوز القضية الفلسطينية أو تتعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا.

المحور الثالث: غزة وسوريا ولبنان

يركز المحور الثالث على معالجة التداعيات الإقليمية لهجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته في قطاع غزة، من خلال ثلاثة ملفات مترابطة.

يتمثل الملف الأول في الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترامب لغزة، بما يشمل إعادة إعمار القطاع، ونزع سلاح حركة «حماس»، وإنشاء إدارة انتقالية تتولى شؤونه.

ولا تزال هذه القضايا موضع خلاف حاد بين الأطراف المعنية، خصوصًا في ظل غياب توافق على الجهة التي ستتولى إدارة غزة، ومستقبل الحركة، ودور السلطة الفلسطينية، والضمانات المتعلقة بحقوق الفلسطينيين وإعادة الإعمار.

أما الملف الثاني، فيتعلق بالسعي إلى إبرام اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، عقب التغيرات السياسية التي شهدتها دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024.

وتهدف الترتيبات المقترحة إلى خفض التوتر على الحدود، ومعالجة الملفات الأمنية المرتبطة بهضبة الجولان السورية المحتلة، وتحديد طبيعة العلاقة بين إسرائيل والسلطات السورية الجديدة.

ويرتبط الملف الثالث بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وتقليص القدرات العسكرية لحزب الله، مع تثبيت انتشار الجيش اللبناني في جنوب البلاد وإبعاد مقاتلي الحزب عن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

وتراهن واشنطن على أن معالجة هذه الملفات بصورة متزامنة قد تمنع تجدد المواجهات وتحد من نفوذ إيران العسكري والسياسي في بلاد الشام.

الانتخابات الإسرائيلية تدخل حسابات الخطة

تتطلع إدارة ترامب إلى التعاون مع الحكومة الإسرائيلية التي ستتشكل بعد الانتخابات المرتقبة في 27 أكتوبر، وهو ما يجعل مستقبل الاستراتيجية مرتبطًا بنتائج الاقتراع وطبيعة الائتلاف الحاكم المقبل.

كما يأتي إعداد الخطة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر، في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطًا داخلية بسبب الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة.

وقد تؤثر هذه الاستحقاقات في سرعة صياغة الخطة وحجم الالتزامات الأمنية والسياسية التي تستطيع واشنطن تقديمها إلى حلفائها.

استراتيجية واسعة لم تنضج بعد

رغم ضخامة الأهداف المطروحة، لا تزال الخطة في مرحلة جمع الأفكار وربط الملفات، ولم تعتمد الإدارة الأمريكية بنودها أو آليات تنفيذها بصورة نهائية.

وقال مصدر مطلع إن الغرض الأساسي يتمثل في دراسة كيفية جمع الأزمات المتعددة داخل إطار واحد، وبناء تحالف إقليمي جديد بعد الحرب مع إيران.

غير أن نجاح هذا التصور سيظل مرهونًا بموافقة شركاء واشنطن، وقدرتها على التوفيق بين مصالح متعارضة؛ فالسعودية ومصر وقطر لن تنظر إلى الأمن الإقليمي والتطبيع بمعزل عن القضية الفلسطينية، بينما تسعى إسرائيل إلى ترتيبات تركز بصورة أكبر على احتواء إيران ونزع سلاح خصومها.

وبذلك تبدو استراتيجية ترامب محاولة طموحة لإعادة هندسة المنطقة، لكنها تواجه فجوة واضحة بين الرؤية الأمريكية وحسابات دول الشرق الأوسط، فضلًا عن استمرار الحروب التي يفترض أن تبدأ الخطة بعد انتهائها.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق