«سنحرقكم وخيامكم».. تقرير يكشف جرائم المستوطنين لتهجير الفلسطينيين من الضفة

0 85

كتبت:بريجيت محمد 

كشف تقرير جديد صادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن تصاعد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مشيرًا إلى استخدام الضرب والإذلال والتهديد بالعنف الجنسي وسرقة المواشي وتدمير مصادر الرزق لإجبار العائلات على ترك أراضيها.

وتضمنت الشهادات التي وثقها التقرير رواية مؤلمة لسهيب أبو الكباش، وهو راعٍ فلسطيني يبلغ من العمر 29 عامًا، تعرض مع أسرته لهجوم نفذه عشرات المستوطنين الملثمين في خربة حمصة، شمالي الضفة الغربية، فجر 13 مارس.

«قيدوني واعتدوا عليّ أمام عائلتي»

قال سهيب إنه استيقظ نحو الساعة الواحدة فجرًا على نباح الكلاب، قبل أن يكتشف وجود ما بين 80 و100 مستوطن ملثم يقتربون من الخيمة التي كان ينام داخلها برفقة عائلته.

ويروي سهيب تفاصيل الاعتداء قائلًا:

«أمسكوني وقيدوا يديّ بأربطة بلاستيكية، ثم ربطوا ساقيّ وأنزلوا سروالي، قبل أن يربطوا أعضائي التناسلية ويطرحوني أرضًا. كان يحيط بي ما بين ثمانية وعشرة مهاجمين، بينما ضربوا والدي وشقيقي بالعصي. كنا جميعًا مقيدين بأربطة بلاستيكية، حتى الأطفال».

وأضاف: «حطموا الأنوار وبدأوا يضربونني على وجهي، وتعرض أخي للطعن في يده. كانوا يضربوننا في كل مكان، ثم جمعونا جميعًا داخل خيمة، ونحن مقيدون، حتى الأطفال».

ووفقًا لشهادته، لم يكتفِ المهاجمون بالضرب والتقييد، بل ألقوا ابنته على مسافة تقدر بنحو ثلاثة أمتار، وألقوا التراب والماء على أفراد الأسرة، ووجهوا إليهم الإهانات والتهديدات.

وقال سهيب: «هددونا قائلين: إذا بقيتم هنا، سنخطف زوجاتكم وبناتكم ونعتدي عليهن. وإذا وجدناكم هنا غدًا، فسنعود لحرقكم وحرق خيامكم».

«عائلتي كلها رأت ما فعلوه بي»

استولى المهاجمون، بحسب الشهادة، على أغنام العائلة وحمّلوها في مركباتهم قبل أن يغادروا المكان، لكنهم تركوا سهيب مقيدًا بطريقة مؤلمة ومهينة.

وقال: «بعد أن تأكدوا من تحميل جميع الأغنام في السيارات، فروا من المكان، لكنهم لم يزيلوا الرباط البلاستيكي الذي وضعوه حول أعضائي التناسلية. كانت عائلتي كلها داخل الخيمة، ورأت ما فعلوه بي».

وكان ناشطان دوليان موجودين في المنطقة وقت الهجوم، ما ساعد على توثيق تفاصيل الاعتداء وإيصالها إلى الجهات الدولية.

وبحسب التقرير، لا تمثل هذه الواقعة حادثًا استثنائيًا، وإنما تعكس نمطًا متكررًا من العنف الذي يمارسه المستوطنون ضد التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ومدن الضفة ومخيماتها.

الأطفال يعيشون في خوف دائم

قال محمد أبو الكباش، شقيق سهيب وأحد ضحايا الاعتداء: «نشعر بالخوف كلما مرت سيارة بالقرب من منطقتنا. الأطفال ما زالوا مصدومين مما حدث».

وعقب الهجوم، اتصل محمد بالشرطة الإسرائيلية والجيش، كما طلب سيارة إسعاف. لكن القوات الإسرائيلية أوقفت، وفقًا لشهادته، سيارتي إسعاف تابعتين للهلال الأحمر الفلسطيني على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات من موقع الحادث.

ولم يُسمح إلا لإحدى السيارتين بالوصول إلى خربة حمصة، بعد انتظار استمر قرابة ساعتين، ما تسبب في تأخر تقديم الرعاية الطبية للمصابين.

وأشارت تقارير حقوقية إلى تكرار النمط نفسه خلال اعتداءات شهدتها بلدة قصرة، حيث اقتصر تدخل الجيش الإسرائيلي على الحضور المؤقت قبل الانسحاب، فيما أظهرت صور متداولة مستوطنين وجنودًا إسرائيليين يلتقطون صورًا مشتركة.

وفي أعقاب الهجوم على عائلة أبو الكباش، اعتقلت السلطات الإسرائيلية سبعة مستوطنين، لكنها أفرجت عنهم لاحقًا في انتظار استكمال جلسات الاستماع والإجراءات القانونية.

ورغم الاعتداءات والتهديدات المتكررة، تصر العائلة على البقاء في خربة حمصة، وقال أحد أفرادها: «المكان الوحيد الذي سنذهب إليه هو القبر».

شهادات تتهم مستوطنين وجنودًا بالتواطؤ

وثق التقرير شهادات أخرى تتعلق بما وصفه الضحايا بالتواطؤ بين المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي، من بينها شهادة جميل، شقيق محمد وفهيم، اللذين قُتلا في الثاني من مارس في بلدة قريوت.

وتحدث جميل عن انتقال اعتداءات المستوطنين من الترهيب والتهديد إلى استخدام العنف المسلح، موضحًا أن بعض المهاجمين كانوا يحملون مسدسات وبنادق من طراز «M16»، وهي أسلحة يستخدمها الجيش الإسرائيلي.

وقال إن أحد المستوطنين كان يرتدي زيًا عسكريًا وحاول اعتقال أحد الفلسطينيين «من دون استجواب أو تقديم سبب للاعتقال».

ووفقًا لما أوردته «هيومن رايتس ووتش»، تبين أن المستوطن المتهم بإطلاق النار على شقيقيه كان جنديًا احتياطيًا في الجيش الإسرائيلي.

العنف وسيلة لإجبار الفلسطينيين على الرحيل

ترى «هيومن رايتس ووتش» أن الاعتداءات الجسدية والجنسية والنفسية، إلى جانب سرقة المواشي والإضرار بمصادر عيش الفلسطينيين، تندرج ضمن سياسة متعمدة تهدف إلى دفع السكان قسرًا إلى مغادرة أراضيهم.

ووصفت المنظمة هذه الممارسات بأنها قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية»، معتبرة أنها تأتي في إطار استراتيجية تستهدف تنفيذ التهجير والتطهير العرقي.

وأكدت المنظمة أن الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين «يشتركون في الهدف نفسه، وهو التوسع على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع إبقاء أقل عدد ممكن من الفلسطينيين عليها».

واتهم التقرير السلطات الإسرائيلية بتوفير الأسلحة والتمويل والغطاء القانوني للمستوطنين، ما يسمح باستمرار الاعتداءات في ظل غياب المحاسبة الفاعلة.

التهديد بالعنف الجنسي لترهيب العائلات

أفاد التقرير بأن العنف الجنسي أو التهديد باستخدامه أصبح من الوسائل المتكررة لإرهاب العائلات الفلسطينية ودفعها إلى مغادرة مناطقها.

ونقلت «هيومن رايتس ووتش» عن تقرير لـ«اتحاد حماية الضفة الغربية» أن المستوطنين يُخضعون فلسطينيين بصورة متكررة للعنف الجنسي وغيره من الانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي، ضمن بيئة قسرية أوسع تهدف إلى فرض التهجير في أنحاء الضفة الغربية.

ووفقًا للتقرير، ذكرت أكثر من 70% من العائلات النازحة، التي شملها استطلاع نُشرت نتائجه في أبريل 2026، أن التهديدات الموجهة إلى النساء والأطفال، ولا سيما التهديد بالعنف الجنسي، كانت عاملًا حاسمًا في اتخاذ قرار الفرار.

تهجير 5900 فلسطيني من 107 تجمعات

أظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن عنف المستوطنين تسبب، منذ يناير 2023، في النزوح الكامل أو الجزئي لسكان 107 تجمعات فلسطينية، ما أجبر نحو 5900 شخص على مغادرة منازلهم ومناطق إقامتهم.

وفي يناير 2025، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى تهجير نحو 32 ألف لاجئ فلسطيني من منازلهم، وتفكيك أجزاء واسعة من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.

ويبدو الوضع أكثر خطورة في شمال وادي الأردن، حيث نقلت «هيومن رايتس ووتش» عن منظمة «بتسيلم» أن اعتداءات المستوطنين تسببت، خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 حتى 31 ديسمبر 2025، في نزوح ما لا يقل عن 435 فلسطينيًا، من بينهم 207 أطفال.

وتحذر المنظمات الحقوقية من أن استمرار اعتداءات المستوطنين وغياب المحاسبة قد يؤديان إلى موجات جديدة من التهجير القسري، وتفريغ مساحات واسعة من الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق