من كالينينغراد إلى ترانسنيستريا.. كيف يعيد الكرملين قراءة خريطة ما بعد الاتحاد السوفيتي؟
كتب: أحمد السيد رفعت
لم تكن كالينينغراد بحاجة إلى أكثر من موقعها الجغرافي لتصبح إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. فهي إقليم روسي منفصل عن الأراضي الرئيسية للبلاد، يقع بين بولندا وليتوانيا، العضوين في حلف الناتو، ويطل على بحر البلطيق في قلب منطقة تتزايد فيها التحركات العسكرية والتوترات السياسية.
وفي 30 سبتمبر 2026، حذرت موسكو من أن أي محاولة لعزل كالينينغراد قد تدفعها إلى استخدام كامل قدراتها العسكرية، بما فيها الأسلحة النووية. وفي المقابل، أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن الحلف دفاعي ولا يشكل تهديدًا لروسيا، داعيًا موسكو إلى وقف ما وصفه بالتهديدات النووية. reuters.com
لكن أزمة كالينينغراد تتجاوز مشكلة الموقع الاستراتيجي؛ فهي إحدى نتائج التاريخ الذي أعاد رسم حدود أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، ثم أعاد انهيار الاتحاد السوفيتي تشكيله مرة أخرى. فقد ظل الإقليم جزءًا من روسيا، لكن استقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة حوّله إلى جيب منفصل عنها جغرافيًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى مناطق أخرى تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن كالينينغراد، مثل ترانسنيستريا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وشبه جزيرة القرم ودونباس. ورغم اختلاف أوضاعها القانونية والسياسية، تكشف كل منطقة منها جانبًا من الطريقة التي يتعامل بها الكرملين مع الإرث الجغرافي والسياسي لانهيار الاتحاد السوفيتي.
خريطة واحدة بأشكال مختلفة
في كالينينغراد، بقي الإقليم روسيًا، لكن الخريطة المحيطة به هي التي تغيرت. أما في ترانسنيستريا، فحدث العكس تقريبًا؛ إذ ظلت المنطقة، وفق القانون الدولي، جزءًا من مولدوفا، بينما احتفظت موسكو فيها بنفوذ عسكري وسياسي منذ النزاع الذي اندلع مطلع تسعينيات القرن الماضي.
ويكشف الفرق بين الحالتين طبيعة الأدوات الروسية: ففي كالينينغراد تسعى موسكو إلى حماية إقليم تابع لها وضمان اتصاله بالأراضي الروسية، بينما تمثل ترانسنيستريا موطئ قدم روسيًا داخل دولة مستقلة تتجه تدريجيًا نحو الاندماج مع أوروبا.
وفي منطقة القوقاز، اتخذ المشهد شكلًا ثالثًا. فقد انفصلت أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا، قبل أن تعترف موسكو باستقلالهما عقب الحرب الروسية الجورجية عام 2008. ولم تعد المسألة هنا مجرد وجود روسي في منطقة متنازع عليها، بل تحولت روسيا إلى طرف رئيسي في تثبيت كيانين منفصلين عن الدولة الجورجية.
أما شبه جزيرة القرم، فقد نقلت القضية إلى مستوى مختلف. ففي عام 2014 أعلنت موسكو ضمها، وربط الرئيس فلاديمير بوتين القرار بما وصفه بالتاريخ الروسي للقرم، وبمصير ملايين الروس الذين وجدوا أنفسهم خارج حدود روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
ثم جاءت الحرب الروسية الواسعة في أوكرانيا، التي بدأت عام 2022، وإعلان موسكو ضم أربع مناطق أوكرانية إضافية، رغم عدم سيطرتها الكاملة عليها ورفض المجتمع الدولي الاعتراف بذلك.
وهكذا يبدو التسلسل أكثر وضوحًا: كالينينغراد إقليم روسي فصلته خريطة ما بعد 1991 عن المركز، وترانسنيستريا نموذج لنفوذ روسي داخل دولة مستقلة، وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كيانان انفصاليان تدعمهما موسكو، بينما تمثل القرم ومناطق أوكرانية أخرى محاولة لتغيير وضع الأراضي والحدود نفسها.
ولا يعني ذلك وجود سياسة واحدة تُطبق آليًا في جميع الحالات، لكنه يكشف كيف تحولت خريطة ما بعد الاتحاد السوفيتي، في نظر الكرملين، من واقع قانوني نهائي إلى مساحة قابلة لإعادة التفسير.
من «الروس خارج روسيا» إلى «الأراضي التاريخية»
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى تحوّل ملايين الروس، بين ليلة وضحاها، إلى أقليات تعيش داخل دول مستقلة كانت قبل ذلك جمهوريات في دولة واحدة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت قضية الروس والناطقين باللغة الروسية خارج حدود الاتحاد الروسي جزءًا أساسيًا من خطاب موسكو وسياساتها الخارجية. لكن هذا الخطاب تطور تدريجيًا من التركيز على حماية السكان وحقوقهم الثقافية واللغوية إلى استدعاء التاريخ السابق لقيام الحدود الحالية.
وفي خطابه عقب ضم القرم عام 2014، تحدث بوتين عن ملايين الأشخاص الذين استيقظوا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ليجدوا أنفسهم يعيشون في دول أخرى، ووصف الروس بأنهم من أكبر الشعوب التي فرقتها الحدود.
وتوسع هذا التصور لاحقًا ليشمل الحديث عن «الأراضي الروسية التاريخية»، وهو مفهوم يمنح التاريخ دورًا سياسيًا يتجاوز الدفاع عن المواطنين أو الناطقين باللغة الروسية، ويفتح الباب أمام التشكيك في شرعية بعض الحدود التي نشأت بعد عام 1991.
ستالين أعاد تشكيل الدولة.. والكرملين يعيد تفسير إرثها
يمكن استدعاء الحقبة الستالينية في هذا السياق، لكن ليس باعتبار أن الكرملين يعيد إنتاج الستالينية أو يتبنى أيديولوجيتها.
فقد قام مشروع جوزيف ستالين على أيديولوجية شيوعية واضحة، تقود فيها الدولةُ الاشتراكية والحزبُ الشيوعي عملية إعادة تشكيل المجتمع وإدارة القوميات والأقاليم داخل اتحاد سوفيتي واحد.
أما الكرملين اليوم فلا يتبنى الشيوعية، ولا يدعو إلى إلغاء الملكية الخاصة أو استعادة النظام الاقتصادي السوفيتي. كما قدم بوتين «الوطنية» باعتبارها الإطار الجامع للدولة الروسية الحديثة، بدلًا من أيديولوجية الحزب الواحد التي حكمت الاتحاد السوفيتي.
لكن الصلة الأساسية بين المرحلتين تظهر في وظيفة التاريخ والجغرافيا.
كان ستالين يعيد تشكيل الحدود الداخلية والقوميات من داخل مشروع دولة سوفيتية موحدة. أما الكرملين الحالي، فيستدعي تاريخ الإمبراطورية الروسية وإرث الاتحاد السوفيتي لإعادة تفسير حدود أصبحت بعد عام 1991 حدودًا دولية لدول مستقلة.
ومن هنا تتكرر في الخطاب الروسي الإشارة إلى الأراضي التي نُقلت بين الجمهوريات خلال الحقبة السوفيتية، ولا سيما الأراضي التي أصبحت لاحقًا جزءًا من أوكرانيا.
ولا تكمن العلاقة بين ستالين والكرملين المعاصر في وحدة الأيديولوجيا، بل في أن الخريطة السوفيتية القديمة لا تزال توفر مادة تاريخية وسياسية يمكن توظيفها في الصراع على الحاضر.
توسع الناتو يزيد الخريطة حساسية
لا تتحرك القراءة الروسية للتاريخ في فراغ. فمع توسع حلف الناتو شرقًا، انضمت إلى المنظومة الأمنية الغربية دول كانت جزءًا من حلف وارسو، ثم جمهوريات سوفيتية سابقة، وفي مقدمتها دول البلطيق.
وهكذا لم تعد المناطق المرتبطة بموسكو مجرد بقايا لنزاعات اندلعت عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، بل أصبحت نقاط تماس بين تصورين متعارضين للأمن الأوروبي.
ترى موسكو أن توسع الناتو حاصر مجالها الاستراتيجي وهدد أمنها، بينما تؤكد دول أوروبا الشرقية أن انضمامها إلى الحلف كان خيارًا سياديًا فرضه خوفها التاريخي من الهيمنة الروسية.
وتقع كالينينغراد في قلب هذا التماس؛ فهي قاعدة روسية متقدمة تحيط بها دول أعضاء في الناتو. وتمثل ترانسنيستريا نفوذًا روسيًا داخل مولدوفا التي تتجه نحو الغرب، فيما تكشف حالتا جورجيا وأوكرانيا بوضوح حجم الصراع بشأن مستقبل الدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي.
لذلك، فإن جمع هذه الأقاليم على خريطة واحدة لا يعني أنها تمثل قضية واحدة، وإنما يكشف أن كل إقليم منها يقدم إجابة مختلفة عن سؤال مشترك: ماذا بقي من خريطة الاتحاد السوفيتي بعد اختفاء الدولة التي صنعتها؟
هل يعيد الكرملين رسم الخريطة؟
لا توجد خريطة روسية رسمية معلنة تنص على أن موسكو تسعى إلى استعادة جميع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. كما أن كالينينغراد ليست ترانسنيستريا، وترانسنيستريا ليست القرم، ودول البلطيق ليست أوكرانيا.
لكن ما يجمع هذه الملفات هو أن الحدود التي تشكلت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي لم تعد، في خطاب الكرملين وممارساته، مجرد خطوط نهائية لا يمكن مراجعتها.
ففي كالينينغراد تتمسك موسكو بإقليم روسي نشأ عن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، بينما تستخدم في ملفات أخرى أدوات النفوذ السياسي والوجود العسكري ودعم الانفصال والضم لإعادة النظر في حدود كانت داخلية خلال العهد السوفيتي، ثم تحولت بعد عام 1991 إلى حدود دولية.
وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد استعادة أراضٍ أو حماية الروس خارج روسيا: هل انتهى إرث الخريطة السوفيتية فعلًا بسقوط الاتحاد، أم أن الكرملين يحاول إعادة التفاوض على بعض نتائج انهياره بالقوة والنفوذ وفرض الأمر الواقع؟
اقرأ أيضا:
من الردع إلى حافة المواجهة.. هل تقترب روسيا والناتو من حرب مباشرة؟