ترامب يغلق الباب أمام الرياض… والحوثيون يوسّعون نفوذهم قرب باب المندب

0 19

في غضون أيام قليلة، تبدّل المشهد اليمني مجددًا، مع تصاعد المواجهة بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية.

وشمل التصعيد إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه أهداف سعودية، واندلاع اشتباكات في مناطق وسط اليمن، إلى جانب غارات نفذها سلاح الجو السعودي على مواقع تابعة للجماعة.

غير أن التطور الأكثر خطورة لا يجري في الداخل اليمني وحده، بل على امتداد الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، حيث تسعى قوات الحوثيين، وفق ما أورده التقرير، إلى توسيع نطاق سيطرتها والاقتراب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وبحسب موقع «أكسيوس»، توجّه قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية للمشاركة في اجتماعات تنسيقية عاجلة، في ظل تقدم متسارع لقوات الحوثيين المدعومة من إيران، وما يثيره ذلك من مخاوف تتعلق بأمن الملاحة الدولية وتوازن القوى في المنطقة.

معركة الساحل والجزر

أفادت المعلومات الواردة بأن قوات الحوثيين سيطرت على مدينة المخا الساحلية، ثم واصلت تحركها باتجاه ذباب، القريبة من مضيق باب المندب. كما تحدثت تقارير عن توسع عمليات الجماعة نحو بعض جزر جنوب البحر الأحمر، ولا سيما جزر أرخبيل حنيش.

وأعلنت الحكومة اليمنية، بحسب التقرير، انسحاب قواتها من جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، الواقعة في قلب المضيق الفاصل بين البحر الأحمر وخليج عدن.

وإذا تأكدت هذه التطورات، فإنها لا تعني فقط تغيرًا في خريطة السيطرة داخل اليمن، بل تضع الحوثيين في موقع يسمح لهم بتهديد واحد من أهم شرايين التجارة العالمية. فالمعركة هنا لا تدور على مدن وجزر صغيرة فحسب، بل على طريق تمر عبره ناقلات النفط والسفن التجارية القادمة من المحيط الهندي والمتجهة إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

ويتزامن التحرك نحو الجزر والساحل مع محاولة الحوثيين تأمين الطرق البرية المؤدية إلى المدن والموانئ الرئيسية، وربط مناطق نفوذهم في الداخل بالمواقع الاستراتيجية المطلة على البحر.

تقدم محفوف بالمخاطر

يمثل هذا الهجوم، إذا ثبتت تفاصيله، تحولًا غير مسبوق في العمليات العسكرية للجماعة. ومع ذلك، لا يبدو طريق الحوثيين خاليًا من العقبات؛ فقد اضطروا إلى التراجع في بعض مناطق وسط اليمن، كما يجعل غياب سلاح جو فعال قواتهم عرضة للغارات السعودية المستمرة.

لكن الجماعة تراهن على أكثر من عامل، في مقدمتها ضعف مؤسسات الحكومة اليمنية، وتعدد القوى المتنافسة داخل المعسكر المناهض لها، والانقسامات القبلية والسياسية التي أنهكت البلاد وحولت اليمن إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية.

كما تراهن قيادة الحوثيين على أن تجد السعودية نفسها وحيدة في هذه المواجهة، بما يدفع الرياض في النهاية إلى التفاوض والقبول بتسوية توقف العمليات العسكرية.

وفي بلد أنهكته الحرب والجوع والنزوح، يدفع المدنيون الثمن الأكبر في كل مرة تتبدل فيها خطوط القتال. فخلف خرائط السيطرة وأرقام الصواريخ توجد عائلات تبحث عن الأمان، وأطفال حُرموا من التعليم، ومدن فقدت أبسط مقومات الحياة.

ترامب يرفض طلبات بن سلمان

جاءت الإشارة الأبرز من واشنطن. فبحسب «أكسيوس»، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل إلى جانب المملكة في مواجهة الحوثيين، إلا أن ترامب رفض تقديم دعم مباشر له مرتين.

ويرى مسؤولون أمريكيون أن إدارة ترامب لا ترغب، في الوقت الراهن، في التورط عسكريًا بصورة مباشرة في جبهة يمنية جديدة، ولا سيما في ظل اتساع التوتر الإقليمي وتشابك الملفات المرتبطة بإيران وأمن الخليج وحركة الملاحة الدولية.

غير أن ما يجري قرب باب المندب لا يمكن فصله عما يحدث في مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الآخر الذي يتحكم في جزء بالغ الأهمية من صادرات الطاقة العالمية.

ورقتان في يد طهران

على الرغم من امتلاك الحوثيين هامشًا من الاستقلالية يفوق ما تتمتع به جماعات مسلحة أخرى متحالفة مع إيران، فإنهم يظلون جزءًا أساسيًا من «محور المقاومة» الذي تقوده طهران.

وفي هذا السياق، هنأ النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، الحوثيين، ودعا دول المنطقة إلى «التحرر من الاعتماد والتوحد تحت راية الإسلام». وهي رسالة سياسية تتجاوز اليمن، وتحمل دعوة واضحة إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

وبذلك، تجد إيران نفسها ممسكة بورقتين بالغتي الحساسية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

تتمثل الأولى في موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز، فضلًا عن ترسانتها الصاروخية. أما الثانية فتتمثل في النفوذ غير المباشر الذي يمكن أن تمارسه عبر الحوثيين بالقرب من باب المندب.

وتزداد أهمية هذا التطور مع الحديث عن لقاء مرتقب في سلطنة عُمان لمناقشة ترتيبات مؤقتة لعبور السفن في مضيق هرمز.

فطهران تدخل المفاوضات وهي تدرك أن أمن المضيقين لم يعد ملفين منفصلين، وأن أي اضطراب في أحدهما قد ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

السعودية أمام اختبار صعب

تجد الرياض نفسها اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي لا تريد العودة إلى حرب يمنية مفتوحة استنزفتها لسنوات، لكنها لا تستطيع تجاهل اقتراب الحوثيين من باب المندب أو تصاعد الهجمات على أراضيها.

وفي المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة لمنح حليفتها دعمًا عسكريًا مفتوحًا، بينما تحاول إيران تحويل نفوذها الإقليمي إلى أوراق تفاوضية مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

وبين حسابات الرياض وواشنطن وطهران، يبقى اليمن هو الخاسر الأكبر. فهذا البلد لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل تحول إلى عقدة استراتيجية تربط أمن الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس.

وقد تمنح السيطرة على مدينة أو جزيرة طرفًا ما مكسبًا عسكريًا مؤقتًا، لكنها لن تمنح اليمنيين وطنًا مستقرًا. فالحرب التي تُخاض للسيطرة على الممرات البحرية لا ترى غالبًا وجوه الذين يعيشون على ضفافها، ولا تسمع أصوات الجائعين والنازحين.

ومع كل صاروخ جديد، يبتعد السلام خطوة أخرى، بينما يظل باب المندب مفتوحًا أمام السفن، ومغلقًا أمام أحلام اليمنيين بحياة طبيعية.

اقرأ أيضاً:
من هرمز إلى باب المندب.. أذرع إيران تضغط على شرايين التجارة العالمية
أين يقع مضيق باب المندب؟ ولماذا سيطر الحوثيون على مدينة المخا المجاورة؟

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق