يا وزير التعليم… أصلحوا المدارس قبل أن تحاكموا أفراح الأطفال

0 87

بقلم: محمد غنيم

قال وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، إن الوزارة لن تقبل احتفال المدارس الدولية بأي أعياد غير مصرية، أو تنظيم احتفالات لا تتناسب مع مجتمعنا وحضارتنا.

والتصريح، في ظاهره، يبدو دفاعًا عن الهوية الوطنية، وهي غاية لا يختلف عليها أحد. فمن حق مصر أن تحافظ على لغتها وتاريخها وخصوصيتها الثقافية داخل مدارسها، ولا سيما المدارس الدولية التي قد يبتعد بعض طلابها عن دراسة اللغة العربية ومعرفة تاريخ وطنهم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمثل احتفالات الأطفال بأعياد تنتمي إلى ثقافات أخرى الخطر الحقيقي الذي يهدد التعليم والهوية في مصر؟

وهل أصبحت مشكلة مدارسنا في زينة معلقة على جدار، أو ملابس يرتديها طفل في مناسبة عابرة، بينما نعاني مشكلات أكثر خطورة تمس جوهر العملية التعليمية ومستقبل أجيال كاملة؟

أصلحوا المدرسة أولًا

قبل أن ينشغل وزير التعليم بما تحتفل به المدارس الدولية، عليه أن ينظر إلى أحوال آلاف المدارس الحكومية التي تحتاج إلى إصلاح شامل؛ بدءًا من نظافة الفصول ودورات المياه، مرورًا بصيانة المباني والمقاعد، وتقليل كثافة الطلاب، ووصولًا إلى توفير الوسائل التعليمية الحديثة.

عليه أن ينظر إلى أوضاع المعلمين الذين يحملون على أكتافهم مسؤولية بناء الأجيال، بينما لا تضمن رواتب كثيرين منهم حياة كريمة. فكيف نطالب المعلم بالعطاء والإبداع، ثم نتركه أسير الحاجة والقلق والبحث عن مصدر دخل إضافي؟

وعليه أيضًا أن يواجه بجدية منظومة الدروس الخصوصية التي تحولت إلى تعليم موازٍ يلتهم دخول الأسر، ويكشف عمليًا عجز المدرسة عن أداء وظيفتها. وأن يفتح ملفات الفساد المالي والإداري، وسوء الإدارة، وتضارب القرارات، والمناهج القائمة على الحفظ، والامتحانات التي تقيس قدرة الطالب على استرجاع الكلمات، لا قدرته على التفكير والفهم والابتكار.

هذه هي المعارك التي تستحق أن تخوضها وزارة التربية والتعليم. أما مطاردة مظاهر الاحتفال داخل المدارس، فلن تصلح تعليمًا، ولن تبني وعيًا، ولن تعيد إلى المدرسة دورها المفقود.

ما الأعياد المصرية؟

إذا كان الوزير يريد قصر الاحتفالات على «الأعياد المصرية»، فمن حقنا أن نسأل: ما المقصود بالأعياد المصرية؟ وهل نعرف فعلًا أعياد مصر الحقيقية الممتدة في أعماق تاريخها؟

لقد عرف المصريون القدماء عشرات الأعياد والمواسم التي ارتبطت بالنيل والزراعة والطبيعة وتجدد الحياة. احتفلوا بـ«وبت رنبت»، أي افتتاح السنة، مع بداية عام جديد وفيضان يحمل الخصب إلى الأرض. وكان العيد إعلانًا لانتصار الحياة على الجفاف، وبداية دورة جديدة من العمل والأمل.

وعرفوا «عيد الأوبت»، أحد أشهر أعياد طيبة، حيث كانت المواكب تسير بين معبدي الكرنك والأقصر وسط الموسيقى والرقص والزهور. ولم يكن العيد طقسًا دينيًا مغلقًا، بل مناسبة جماعية يلتقي فيها الناس ويعبّرون عن ارتباطهم بالمدينة والنهر والمجتمع.

كما احتفل المصريون بـ«عيد الوادي الجميل»، وفيه كانوا يعبرون إلى الضفة الغربية من النيل لزيارة مقابر أسلافهم، حاملين الطعام والزهور. لم تكن زيارة الموتى عندهم استسلامًا للحزن، بل تعبيرًا عن الوفاء واستمرار الصلة بين الأحياء والراحلين.

وعرفوا كذلك عيد «خُوياك» المرتبط بأسطورة أوزير وتجدد الحياة، إلى جانب أعياد الحصاد والنيل والربيع. ولا يزال شم النسيم، بجذوره المصرية القديمة وطقوسه المرتبطة بالربيع والطعام والخروج إلى الطبيعة، حاضرًا في حياة المصريين على اختلاف أديانهم.

كانت أعياد المصري القديم تحتفي بالشمس والنهر والعمل والحصاد والحب والموت والبعث. كانت تعبيرًا عن فلسفة ترى الإنسان جزءًا من الطبيعة، وترى الفرح ضرورة للحياة، لا تهمة ينبغي الاعتذار عنها.

فهل ستعرّف المدارس أبناءنا بهذه الأعياد؟ وهل ستدرس لهم معنى الاحتفال عند أجدادهم؟ وهل ستعيد إليهم تاريخهم الإنساني والفلسفي، أم ستختزل الهوية المصرية في عدد محدود من المناسبات الرسمية؟

أي هوية نريد حمايتها؟

مصر ليست صفحة بيضاء بدأت كتابتها منذ عقود أو قرون قليلة. إنها حضارة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتعاقبت عليها عصور وثقافات وديانات، تركت جميعها أثرًا في روحها وتكوين شعبها.

الهوية المصرية ليست لونًا واحدًا، ولا صوتًا واحدًا، ولا حقبة تاريخية واحدة. إنها النيل والأرض والفلاح والكاتب والفنان والعالم والصانع. إنها مصر القديمة، والقبطية، والإسلامية، والمتوسطية، والإفريقية والعربية. وهي قبل كل ذلك تجربة إنسانية عميقة استطاعت أن تستقبل ثقافات متعددة، وتهضمها، ثم تعيد إنتاجها بطابعها الخاص.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الهوية لا يكون بإغلاق النوافذ، بل بتقوية البيت من الداخل. فالإنسان الذي يعرف تاريخه، ويعتز بلغته، ويفهم جذوره، لا يخشى التعرف إلى ثقافات الآخرين.

أما الهوية الهشة فهي التي ترتجف أمام أغنية، وتخاف من شجرة، وتضطرب بسبب زي تنكري أو احتفال عابر.

مصر التي أثرت في العالم لا ينبغي أن تخاف من العالم.

المدرسة ليست حارسًا على الفرح

وظيفة المدرسة ليست مراقبة مشاعر الأطفال، ولا تحديد المناسبات التي يحق لهم أن يفرحوا بها، وإنما مساعدتهم على فهم العالم واحترام تنوعه.

يمكن للمدرسة أن تعرّف الطالب إلى مناسبة تنتمي إلى ثقافة أخرى، من دون أن تطلب منه التخلي عن هويته. ويمكنها أن تشرح له اختلاف الشعوب والأديان والعادات، وأن تعلمه أن التنوع لا يعني الذوبان، وأن احترام الآخر لا يعني إنكار الذات.

إن منع الاحتفالات لا يصنع انتماءً، كما أن فرض الشعارات لا يصنع مواطنًا.

الانتماء الحقيقي ياسيادة الوزير يتكون عندما يشعر الطفل بأن وطنه يحترم عقله، ويحمي كرامته، ويمنحه تعليمًا جيدًا، ويفتح أمامه طريق المستقبل.

أما حين يدخل الطالب فصلًا مزدحمًا، ويجلس إلى مقعد مكسور، ويتلقى منهجًا يعتمد على التلقين، ثم يخرج ليبحث عن مدرس خصوصي حتى يستطيع اجتياز الامتحان، فلن تنقذ هويته لافتة معلقة فوق باب المدرسة.

التعليم إبداع لا استنساخ

أزمتنا الأساسية أن بعض المسؤولين لا يزالون ينظرون إلى التعليم باعتباره عملية نقل للمعلومات من كتاب إلى عقل الطالب. لكن النقل الذي يلغي العقل ليس تعليمًا؛ إنه تدريب على الطاعة والاستنساخ.

التعليم الحقيقي يبدأ بالسؤال، وينمو بالحوار، ويزدهر بالاختلاف، ويكتمل حين يستطيع الطالب أن يفكر ويحلل وينقد ويبتكر.

نحن لا نريد أجيالًا تحفظ الإجابات الجاهزة، بل أجيالًا تعرف كيف تصنع الأسئلة. لا نريد طالبًا يخاف من الخطأ، بل إنسانًا يمتلك الشجاعة ليجرب ويكتشف. ولا نريد مدرسة تعزل أبناءنا عن العالم، بل مدرسة تمنحهم جذورًا راسخة وأجنحة واسعة في الوقت نفسه.

يا وزير التعليم، إذا أردتم حماية الهوية المصرية حقًا، فعلّموا أبناءنا تاريخ مصر كاملًا، لا أجزاء منتقاة منه. عرّفوهم بأعياد أجدادهم وفنونهم وفلسفتهم وعلومهم. أعيدوا الموسيقى والمسرح والرسم إلى المدرسة، وافتحوا المكتبات، وشجعوا القراءة، واحفظوا كرامة المعلم، واجعلوا الفصل مكانًا صالحًا للحياة والتفكير.

عندها لن نحتاج إلى قرارات تحرس الهوية، لأن الهوية ستكون حية في العقول والضمائر.

إن أخطر ما يهدد الهوية المصرية ليس عيدًا أجنبيًا يحتفل به طفل، بل تعليم يطفئ عقله، ويصادر خياله، ويعلمه كيف يكرر ما يسمع من دون أن يسأل أو يفكر.

فالهوية لا يحميها المنع، وإنما تحميها المعرفة. والحضارة لا تصونها الأسوار، وإنما يصونها الإنسان الحر المبدع القادر على معرفة نفسه واحترام الآخرين.

اقرأ أيضا:

الشهرة أم المعرفة؟ كيف صنعت السوشيال ميديا خبراء الصحة الوهميين             حين تتراجع المعرفة: من يقود المجتمع؟ 

 

Visited 3 times, 3 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق