كيف تحافظ على صحتك ولياقتك بعد الستين؟ دليل عملي لشيخوخة أكثر نشاطًا
كتبت: د/سارة غنيم
لم تعد الستون بداية مرحلة من التراجع الحتمي، بل قد تكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء نمط حياة أكثر توازنًا.
فالعمر الزمني وحده لا يحدد مستوى الصحة أو القدرة على الحركة، بينما تلعب التغذية والنشاط البدني والنوم والعلاقات الاجتماعية والفحوصات الوقائية أدوارًا حاسمة في جودة السنوات المقبلة.
ومع التغيرات الطبيعية التي يشهدها الجسم، يصبح الحفاظ على العضلات والتوازن وصحة القلب والدماغ ضرورة يومية، لا مشروعًا مؤقتًا.
ولا يتطلب الأمر تدريبات شاقة أو حميات قاسية، بل مجموعة من العادات البسيطة والمستمرة، تُختار وفق الحالة الصحية لكل شخص وبالتشاور مع الطبيب عند الحاجة.
التغذية.. الجودة قبل الحرمان
يميل معدل الأيض إلى التباطؤ تدريجيًا مع التقدم في العمر، كما قد تتراجع الشهية أو القدرة على امتصاص بعض العناصر الغذائية.
لذلك ينبغي أن يركز النظام الغذائي بعد الستين على الجودة والتنوع، لا على خفض السعرات بصورة عشوائية.
ويُنصح بالإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات، مع الحصول على كمية مناسبة من البروتين من مصادر مثل الأسماك والبيض ومنتجات الألبان قليلة الدسم والبقوليات واللحوم الخالية من الدهون، بحسب الحالة الصحية.
ويساعد توزيع البروتين على الوجبات اليومية في دعم الكتلة العضلية، خاصة عند اقترانه بتمارين المقاومة. كما ينبغي الحد من السكريات المضافة والأطعمة شديدة التصنيع والدهون غير الصحية، وتقليل الملح والكحول.
ويظل شرب الماء بانتظام مهمًا، لأن الإحساس بالعطش قد يصبح أقل وضوحًا مع التقدم في السن. لكن كمية السوائل المناسبة قد تختلف لدى المصابين بأمراض القلب أو الكلى، ما يستدعي الالتزام بتوصيات الطبيب.
الحركة تحمي القلب والعضلات والعظام
النشاط البدني أحد أهم مفاتيح الشيخوخة الصحية، إذ يسهم في الوقاية من أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، ويحسن النوم والمزاج والقدرات الذهنية، كما يقلل خطر السقوط.
وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني متوسط الشدة، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة أو السباحة أو الرقص. وتؤكد أن أي قدر من الحركة أفضل من عدمها، وأن جميع الأنشطة اليومية تُحتسب ضمن المجهود البدني.
ويمكن توزيع هذه المدة على خمسة أيام، بمعدل نصف ساعة يوميًا، أو تقسيمها إلى فترات أقصر تتناسب مع قدرة الشخص.
تمارين القوة ليست للشباب فقط
يفقد الجسم جزءًا من كتلته العضلية مع التقدم في العمر، وهي حالة قد تتطور إلى ما يُعرف بـ«الساركوبينيا». ويؤثر ذلك في القدرة على المشي وصعود السلالم والحفاظ على التوازن والاستقلال في أداء المهام اليومية.
وتساعد تمارين المقاومة، مثل استخدام الأوزان الخفيفة أو الأربطة المطاطية أو وزن الجسم، في الحفاظ على العضلات وتقويتها.
ويمكن ممارستها مرتين أسبوعيًا على الأقل، مع زيادة المجهود تدريجيًا وتحت إشراف متخصص عند وجود أمراض مزمنة أو مشكلات في المفاصل.
وينبغي كذلك إدراج تمارين التوازن والمرونة، مثل الوقوف على قدم واحدة بالقرب من دعامة آمنة، أو ممارسة اليوغا والتاي تشي، للحد من خطر السقوط وتحسين الحركة.
ويجب التوقف عن التمرين وطلب المشورة الطبية عند الشعور بألم في الصدر أو دوار شديد أو ضيق غير معتاد في التنفس.
وزن صحي من دون حميات قاسية
لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد الوصول إلى رقم منخفض على الميزان، لأن فقدان الوزن السريع بعد الستين قد يصاحبه فقدان في العضلات والعظام.
والأفضل هو الحفاظ على وزن مناسب ومستقر من خلال غذاء متوازن وحركة منتظمة. أما فقدان الوزن غير المقصود، خصوصًا إذا كان سريعًا أو مصحوبًا بضعف الشهية أو الإرهاق، فيستوجب مراجعة الطبيب لمعرفة السبب.
الدماغ يحتاج إلى التحدي والتجديد
قد يلاحظ الإنسان بعد الستين بطئًا نسبيًا في استدعاء المعلومات أو تعلم مهارات جديدة، ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تدهور معرفي.
ويستفيد الدماغ من الأنشطة التي تتطلب التفكير والتعلم، مثل قراءة موضوعات جديدة، وتعلم لغة أو آلة موسيقية، وحل الألغاز، وممارسة الألعاب الذهنية، وتغيير الروتين اليومي.
لكن هذه الأنشطة ليست ضمانًا منفردًا لمنع الخرف؛ فصحة الدماغ ترتبط أيضًا بالنشاط البدني والنوم الجيد وضبط ضغط الدم والسكري والكوليسترول، والامتناع عن التدخين ومعالجة ضعف السمع أو البصر.
أما النسيان الذي يعطل الحياة اليومية، مثل الضياع في أماكن مألوفة أو تكرار الأسئلة بصورة ملحوظة أو صعوبة إدارة المال والدواء، فيحتاج إلى تقييم طبي مبكر.
العلاقات الاجتماعية جزء من العلاج الوقائي
قد يؤدي التقاعد أو ابتعاد الأبناء أو فقدان شريك الحياة إلى تراجع العلاقات الاجتماعية والشعور بالوحدة. ولا يقتصر تأثير العزلة على الحالة النفسية، بل قد يمتد إلى النشاط البدني والنوم والقدرات المعرفية.
ويمكن مواجهة ذلك من خلال تحديد مواعيد منتظمة للقاء الأصدقاء، والمشاركة في الأنشطة الثقافية أو الرياضية، والانضمام إلى النوادي والمراكز المجتمعية، أو التطوع في عمل يمنح الشخص شعورًا بالهدف والقيمة.
ولا توجد وصفة واحدة للسعادة بعد الستين، لكن الحفاظ على العلاقات والانفتاح على التجارب الجديدة والتعامل الواقعي المتفائل مع العمر عوامل تساعد في تحسين جودة الحياة.
النوم الجيد ضرورة وليس رفاهية
تتغير طبيعة النوم مع التقدم في السن، وقد يصبح أخف وأكثر عرضة للاستيقاظ. لكن الأرق المستمر ليس نتيجة طبيعية ينبغي الاستسلام لها، إذ قد يرتبط بالأدوية أو الاكتئاب أو الألم المزمن أو انقطاع التنفس أثناء النوم أو كثرة التبول ليلًا.
ويساعد الالتزام بموعد ثابت للنوم والاستيقاظ، وتقليل الكافيين في المساء، والابتعاد عن الشاشات قبل النوم، وممارسة النشاط البدني نهارًا، على تحسين جودة الراحة.
ولا يلزم منع القيلولة تمامًا، لكن يُفضّل أن تكون قصيرة ومبكرة إذا كانت تؤثر في النوم ليلًا. كما ينبغي تجنب استخدام الأدوية المنومة بصورة عشوائية، لأن بعضها قد يزيد خطر الدوار والسقوط والتشوش.
الصحة الحميمة لا تنتهي عند سن معينة
تظل العلاقة الحميمة جزءًا طبيعيًا من حياة كثير من الأشخاص بعد الستين، وقد تدعم الشعور بالقرب والرضا النفسي. لكن التغيرات الهرمونية أو الأمراض المزمنة أو بعض الأدوية قد تؤثر في الرغبة أو الأداء.
ولا ينبغي التعامل مع هذه المشكلات باعتبارها أمرًا محرجًا أو محتومًا، إذ يمكن للطبيب تقييم الأسباب واقتراح حلول مناسبة وآمنة، مع الانتباه إلى أن الوقاية من العدوى المنقولة جنسيًا تظل ضرورية في مختلف الأعمار.
صحة الفم والمثانة
ترتبط صحة الفم بالتغذية والراحة والصحة العامة، ولذلك يُنصح بتنظيف الأسنان مرتين يوميًا بمعجون يحتوي على الفلورايد، وتنظيف ما بين الأسنان، وزيارة طبيب الأسنان بصورة دورية وفق الحالة.
كما تزداد مشكلات المسالك البولية والسلس البولي مع العمر، لكنها ليست أمرًا يجب إخفاؤه أو التعايش معه من دون علاج.
ويساعد شرب الماء بالقدر المناسب، وعدم حبس البول طويلًا، ومعالجة الإمساك، والحفاظ على وزن صحي في حماية المثانة. وقد تفيد تمارين قاع الحوض «كيجل» بعض الحالات، لكن من الأفضل تعلمها بالطريقة الصحيحة على يد طبيب أو اختصاصي علاج طبيعي.
الوقاية تبدأ قبل ظهور الأعراض
لا ينبغي انتظار المرض لزيارة الطبيب. فالمتابعة الدورية تساعد في اكتشاف ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب الدهون ومشكلات السمع والبصر والأسنان في مراحل مبكرة.
وتختلف الفحوصات المطلوبة باختلاف العمر والجنس والتاريخ العائلي والأمراض المزمنة وعوامل الخطورة. وقد تشمل فحوص سرطان القولون والمستقيم والثدي وعنق الرحم والرئة، إلى جانب تقييم خطر هشاشة العظام وتمدد الشريان الأورطي البطني، ومناقشة فحص البروستاتا مع الطبيب.
ففحص سرطان الرئة، على سبيل المثال، لا يُطلب لجميع الأشخاص، بل يُوصى به لفئات محددة من المدخنين أو المدخنين السابقين وفق العمر ومدة التدخين. وبالمثل، تختلف مواعيد قياس كثافة العظام وغيرها من الفحوصات بحسب عوامل الخطورة والإرشادات المحلية.
اللقاحات درع مهم بعد الستين
تتراجع كفاءة الجهاز المناعي تدريجيًا مع العمر، ما قد يجعل بعض العدوى أشد خطورة ويزيد احتمالات دخول المستشفى.
لذلك ينبغي مراجعة سجل التطعيمات مع الطبيب، والتأكد من الحصول على اللقاحات الموصى بها وفق العمر والحالة الصحية والبلد، والتي قد تشمل الإنفلونزا الموسمية وكوفيد-19 والمكورات الرئوية والهربس النطاقي وفيروس الجهاز التنفسي المخلوي «RSV»، إلى جانب الجرعات الداعمة للكزاز والدفتيريا والسعال الديكي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التطعيم يقي من عشرات الأمراض الخطيرة، بينما تختلف مواعيد الجرعات والفئات المستهدفة بحسب الأنظمة الصحية والحالة الفردية. منظمة الصحة العالمية، مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها
خطة يومية بسيطة
يمكن تحويل هذه الإرشادات إلى خطوات عملية قابلة للاستمرار:
- المشي أو ممارسة نشاط هوائي معظم أيام الأسبوع.
- أداء تمارين القوة والتوازن مرتين أسبوعيًا على الأقل.
- تناول الخضراوات والفاكهة والبروتين في وجبات متوازنة.
- شرب الماء بانتظام وفق إرشادات الطبيب.
- تقليل الجلوس الطويل والسكريات والملح والتدخين والكحول.
- الالتزام بمواعيد النوم والاستيقاظ.
- تخصيص وقت للتعلم والتواصل مع الآخرين.
- مراجعة الأدوية والفحوصات واللقاحات دوريًا مع الطبيب.
- عدم تجاهل فقدان الوزن أو الذاكرة أو التوازن أو السمع.
العمر لا يحدد وحده جودة الحياة
العيش بصحة جيدة بعد الستين لا يعتمد على وصفة سحرية، ولا يعني مطاردة الشباب أو إنكار التغيرات الطبيعية للجسد.
الهدف الحقيقي هو الحفاظ على القدرة على الحركة والتفكير والاستقلال والاستمتاع بالحياة لأطول فترة ممكنة.
وتتحقق هذه الغاية من خلال خطوات صغيرة ومتواصلة، تبدأ من الطعام والحركة، وتمتد إلى النوم والعلاقات والوقاية الطبية.
فالعناية بالنفس بعد الستين ليست محاولة لإيقاف الزمن، بل وسيلة لعيش سنواته المقبلة بأفضل صورة ممكنة.
تنبيه: المعلومات الواردة للتوعية العامة، ولا تغني عن استشارة الطبيب، خاصة قبل بدء برنامج رياضي جديد أو تغيير النظام الغذائي أو تلقي اللقاحات.
“أهمية تناول الألياف وممارسة الرياضة في تحسين صحة الأمعاء ومقاومة عملية الشيخوخة”