أفلاطون.. «الجهل هو البذرة الأولى لكل شر»

0 10

كتبت: د/ سارة غنيم

كان أفلاطون يرى أن الإنسان لا يرتكب الشر وهو يعلم، في أعماقه، أنه شر. ومن هنا صاغ واحدة من أكثر أفكار الفلسفة الإغريقية تأثيرًا، حين ربط بين الحكمة والفضيلة، وجعل الجهل الأصل الذي تتفرع منه الخطايا كلها.

ليست أفكار الحكماء الكبار مما يهرمه الزمن. فكلما تغير العالم، ازدادت بعض كلماتهم حضورًا، وكأنها كُتبت لعصرنا لا لعصور مضت. ومن بين تلك الكلمات تبرز مقولة أفلاطون الشهيرة:

«الجهل هو البذرة الأولى لكل شر

هذه العبارة تختزل ما يُعرف في تاريخ الفلسفة بـ العقلانية الأخلاقية؛ ذلك المبدأ الذي ورثه أفلاطون عن معلمه سقراط، ثم وسّعه حتى أصبح رؤية فلسفية متكاملة للإنسان والوجود.

وخلاصتها أن من يعرف الخير معرفةً حقيقية لا يمكنه إلا أن يسلك سبيله، أما من يختار الشر، فليس لأنه عشق الشر، بل لأنه لم يدرك بعد حقيقة الخير.

وُلد أفلاطون في أثينا نحو عام 427 قبل الميلاد، في زمن كانت المدينة تتهاوى تحت وطأة الحروب والأوبئة والانقسامات السياسية. فقد أنهكتها الحرب البيلوبونيسية، وحصد الطاعون أرواح الآلاف، فنشأ في عالم فقد توازنه، واختلطت فيه القيم بالمصالح.

ورغم انتمائه إلى أسرة أرستقراطية، وما أتاحه له ذلك من قربٍ إلى دوائر الحكم، فإن تجربته السياسية انتهت مبكرًا بعد محاكمة أستاذه سقراط وإعدامه سنة 399 قبل الميلاد؛ ذلك الحدث الذي ترك في نفسه جرحًا لم يندمل، ودفعه إلى هجر السياسة والتفرغ للسؤال الأكبر: لماذا تستطيع مدينة كاملة أن تحكم بالموت على أكثر رجالها عدلًا؟

ومنذ ذلك اليوم، اتخذت حياته مسارًا آخر. جاب البلدان، وكتب محاوراته الخالدة، وتأمل العدالة والجمال والحقيقة والسلطة، ثم أسس «الأكاديمية»، التي ستصبح أول مؤسسة فلسفية كبرى في الغرب، ويتخرج فيها لاحقًا تلميذه الأشهر أرسطو.

غير أن الأكاديمية لم تكن أعظم إنجازاته؛ بل كان إنجازه الحقيقي أنه جعل من الفلسفة بحثًا دائمًا عن الأسباب العميقة التي تجعل الإنسان يضل الطريق.

وكان جوابه بسيطًا في ظاهره، بالغ العمق في جوهره:

لأن الإنسان يعيش أسير جهله.

الجهل… الجذر الخفي للشر

لم يكن أفلاطون يقصد بالجهل نقص المعلومات، ولا ضآلة الثقافة، ولا عدم الإلمام بالوقائع. فالمرء قد يكون واسع الاطلاع، ويحمل في ذاكرته آلاف المعارف، ومع ذلك يظل جاهلًا بالمعنى الأعمق للحياة.

إن الجهل، في نظره، هو العجز عن معرفة الخير، وعدم القدرة على إدراك العدالة، والخلط بين ما يغذي الروح وما يشبع الرغبات العابرة.

فالظالم لا يظلم لأنه يعشق الظلم، والطاغية لا يبطش لأنه يهوى الشر لذاته، وإنما لأن كليهما يتوهم أن السلطة أو المال أو اللذة أو الانتقام تمثل خيرًا يستحق السعي إليه.

وهنا يكمن الوهم الكبير.

فالإنسان قد يطارد ما يظنه خيرًا، بينما هو في الحقيقة يسير نحو ما يفسد نفسه ويقوده إلى هلاكه.

ولهذا كان أفلاطون يردد، مقتفيًا أثر سقراط، أن لا أحد يرتكب الشر عن علم حقيقي؛ فلو انكشف له الخير كما هو، لما اختار نقيضه.

فالشر ليس اختيارًا واعيًا بقدر ما هو ثمرة رؤية ناقصة، وبصيرة غائمة.

فكرة الخير… الشمس التي تنير الوجود

في كتابه «الجمهورية» يبلغ فكر أفلاطون ذروته حين يتحدث عن فكرة الخير.

فالعالم الذي نراه بحواسنا، في نظره، ليس سوى عالم متغير، ناقص، زائل. أما الحقيقة الكاملة فتقيم في عالم أعلى، هو عالم المثل؛ عالم الصور الخالدة التي لا يطالها الفساد.

وفي قمة هذا العالم تتربع فكرة الخير، التي تنبع منها الحقيقة، ويستمد منها الجمال جماله، والعدل عدله.

ولهذا فإن الخطأ الأخلاقي ليس مجرد زلة سلوك، بل هو ضياع في الرؤية نفسها.

إن الجاهل يشبه سجينًا يعيش داخل كهف، لا يرى إلا ظلال الأشياء، فيحسبها الحقيقة كلها.

وهنا تتجلى أسطورة الكهف، أشهر استعارات أفلاطون، حيث يقبع البشر مقيدين أمام الجدار، يراقبون الظلال، ويظنون أنهم يعرفون العالم.

أما الخروج من الكهف، فليس انتقالًا من مكان إلى مكان، بل ولادة جديدة للروح، وانتقالًا من ظلمة الوهم إلى نور الحقيقة.

عدالة النفس

غير أن الأخلاق، عند أفلاطون، لا تنفصل عن بنية النفس الإنسانية.

فالنفس تتألف من ثلاث قوى: العقل، والعزيمة، والشهوة.

ولا تتحقق الفضيلة بإلغاء الرغبات، بل بإقامة انسجام بينها، بحيث يتولى العقل قيادة النفس، وتخضع له الإرادة، وتبقى الشهوات في حدودها الطبيعية.

وعندما يتحقق هذا التوازن، تصبح النفس عادلة، ويغدو الإنسان سعيدًا؛ لأن السعادة ليست هبةً تمنحها الظروف، بل ثمرة انسجام داخلي.

هل تكفي المعرفة لصنع الفضيلة؟

لم يوافق أرسطو أستاذه على هذا الرأي. فقد رأى أن الإنسان قد يعرف الخير معرفة كاملة، ثم يعجز، رغم ذلك، عن اتباعه، لأن الشهوة قد تغلب العقل، ولأن الإرادة ليست دائمًا أسيرة المعرفة.

وتجاربنا اليومية تبدو شاهدة على ذلك؛ فكم مرة أدركنا الصواب، ثم اخترنا غيره؟

ومع ذلك، لم تفقد رؤية أفلاطون بريقها.

فالشر، في صورته الأكثر شيوعًا، لا يولد دائمًا من نية شريرة، بل من نوع من العمى الداخلي؛ من التعصب، ومن التضليل، ومن خداع الإنسان لنفسه، ومن عجزه عن رؤية الآخر إنسانًا كامل الكرامة، لا وسيلة لتحقيق رغباته.

ولعل أعظم ما أراد أفلاطون أن يقوله هو أن المعرفة ليست ترفًا فكريًا، بل فعل خلاص؛ وأن الإنسان لا يصبح أكثر حرية إلا بقدر ما يصبح أكثر قدرة على رؤية الحقيقة.

فالجهل لا يحجب المعرفة فحسب، بل يحجب الإنسان عن ذاته أيضًا.

ولعل أفلاطون، لو عاد إلى عالمنا اليوم، في زمن تتسارع فيه وتيرة التضليل، وتختلط فيه الحقائق بالأوهام، وتتعالى فيه الآراء أكثر مما تتسع له المعرفة، لأعاد التأكيد على فكرته القديمة: لا حرية حقيقية من دون تربيةٍ للعقل، ولا استقلال للرأي من دون تهذيبٍ لملكة الحكم.

فالمجتمع الذي لا يعرف الخير يظل أسير رغباتٍ مضللة، وأهواءٍ عابرة، وصورٍ زائفة تُقدَّم له على أنها حقائق.

ولهذا لم يكن التعليم، في نظر أفلاطون، مجرد اكتسابٍ للمعلومات، بل تدريبًا للنفس على أن ترى الأشياء كما هي، لا كما تبدو.

وأن تُرهف بصيرتها حتى تستطيع أن تميّز الخير كلما تجلّى، والحق كلما ظهر، وسط الضجيج والالتباس.

وربما لهذا السبب ما زال صوته، بعد أكثر من ألفي عام، يبدو وكأنه يخاطب إنسان هذا العصر قبل أي عصر آخر.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق