حين تعبر الألوان الحدود.. الفن البوسني والسعودي يلتقيان في «انعكاسات فنية» بالأوبرا

0 59

متابعة: د. أمل درويش

شهدت قاعة نقابة الفنانين التشكيليين بساحة دار الأوبرا المصرية لقاءً بصريًا مميزًا جمع بين الفن البوسني والسعودي، من خلال أعمال الفنانتين أديسا سوجكيتش وعائدة التركستاني، ضمن معرض «انعكاسات فنية».

وافتُتح المعرض مساء السبت 5 سبتمبر، تحت رعاية ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية، وسط حضور عدد من الفنانين والمثقفين ومحبي الفنون، الذين أشادوا بتنوع الأعمال وقدرتها على التعبير عن تجربتين تنتميان إلى بيئتين ثقافيتين مختلفتين.

«انعكاسات فنية».. حوار بين الذاكرة والوجدان

يحمل عنوان المعرض دلالة تتجاوز انعكاس الصورة على سطح الأشياء، ليشير إلى الأثر الداخلي الذي تتركه التجارب والمشاعر والذكريات في وجدان الفنان.

وقال الفنان التشكيلي مصطفى السكري، رئيس ومؤسس وقيّم ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية، إن الأعمال المشاركة تمثل انعكاسات للروح والتجربة الإنسانية، حيث تتحول الألوان إلى مشاعر، واللوحة إلى ذاكرة، والفن إلى مساحة للنقاء والجمال.

وأوضح أن اختيار عنوان «انعكاسات فنية» جاء للتعبير عن الطريقة التي يعيد بها الفنان صياغة ما يراه ويعيشه من خلال رؤيته الخاصة، بما يمنح الجمهور فرصة للتأمل واكتشاف المعاني الكامنة خلف الشكل الظاهر.

وحرص السكري على تقديم الأعمال في سياق بصري منظم يبرز خصوصية كل تجربة، ويكشف نقاط الاختلاف والتلاقي بين الفنانتين.

الفن يبني جسورًا بين البوسنة والسعودية

اكتسب المعرض أهمية خاصة من الجمع بين تجربتين تنتميان إلى البوسنة والهرسك والمملكة العربية السعودية، بما تحمله كل بيئة من ملامح حضارية وتراثية وإنسانية مختلفة.

وجسد هذا التنوع قدرة الفن التشكيلي على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وبناء جسور للحوار بين الشعوب، وتحويل الاختلاف الثقافي إلى مصدر للمعرفة والجمال والإبداع.

ولاقت اللوحات المعروضة تفاعلًا ملحوظًا من الزوار، الذين أشادوا بما قدمته من رؤى وأساليب فنية متنوعة تعكس ثقافتين ثريتين، مع احتفاظ كل فنانة بصوتها البصري وتجربتها الخاصة.

عائدة التركستاني: الإنسان محور تجربتي الفنية

تضع الفنانة السعودية عائدة التركستاني الإنسان ومشاعره الداخلية في قلب تجربتها الفنية، إذ تنظر إليه باعتباره عالمًا متكاملًا من الأحاسيس والذكريات والتساؤلات.

وتسعى التركستاني عبر لوحاتها إلى تحويل المشاعر التي يصعب التعبير عنها بالكلمات إلى لغة بصرية تحمل معاني نفسية ورمزية، مستفيدة من الوجوه والملامح الإنسانية بوصفها عناصر رئيسية في أعمالها.

وترى أن كل وجه يحمل حكاية، وأن النظرة الواحدة قد تختزن ذكرى أو سؤالًا أو حالة شعورية، لذلك لا تتعامل مع الملامح باعتبارها مجرد أشكال، وإنما باعتبارها نافذة إلى أعماق الإنسان.

وتمزج الفنانة في أعمالها بين الواقع والتجريد والتعبير والرمز، مع توظيف الضوء والظل لإبراز الأبعاد النفسية، بينما تستخدم اللون لبناء العلاقات الشعورية والتشكيلية داخل اللوحة.

وتقترب تجربتها من التجريد التعبيري الرمزي، إذ لا تهدف إلى نقل الشكل كما يبدو في الواقع، وإنما تبحث عن جوهره والأثر الذي يتركه في النفس، متناولة حالات مثل التأمل والحنين والقلق والقوة والأمل.

وأكدت التركستاني أنها تتعامل مع اللوحة باعتبارها مساحة مفتوحة للحوار، ولا تسعى إلى فرض تفسير واحد على الجمهور، بل تمنح المتلقي حرية اكتشاف معناه الخاص واستحضار مشاعره وذكرياته أمام العمل.

أديسا سوجكيتش.. من سماء الطيران إلى عالم التجريد

أما الفنانة البوسنية أديسا سوجكيتش، المقيمة في القاهرة، فتقدم تجربة فنية يغلب عليها الطابع التجريدي، وتعتمد فيها على التجريب الحر بالألوان والخطوط والأشكال والخامات المختلفة.

وكشفت سوجكيتش أن ارتباطها بالرسم بدأ منذ الطفولة، إذ كان الفن بالنسبة إليها وسيلة للتعبير عن الذات والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية والشعور بالحرية.

وعملت الفنانة لمدة 15 عامًا مضيفة طيران، ما أتاح لها السفر حول العالم والتعرف إلى شعوب وثقافات متعددة. ورغم ارتباطها بعملها، ظل الفن حاضرًا في حياتها حتى قررت منحه مساحة أكبر والانطلاق في مرحلة إبداعية جديدة.

ولا تبدأ سوجكيتش لوحاتها دائمًا بصورة نهائية محددة، وإنما تترك الألوان والمشاعر تقود عملية التكوين بصورة طبيعية، حتى يتطور العمل تدريجيًا ويكشف عن ملامحه الخاصة.

وترى أن الفن التجريدي لا يخضع لقواعد صارمة، وأن جماله يكمن في تعدد القراءات؛ فقد يرى المتلقي في اللوحة معنى أو شعورًا مختلفًا تمامًا عما تخيلته الفنانة أثناء تنفيذها.

ووصفت مشاركتها في المعرض بأنها خطوة شخصية مهمة، خاصة أنها تميل إلى الخجل وتجد في عرض أعمالها أمام الآخرين نوعًا من الكشف عن جانب شديد الخصوصية من حياتها.

وأكدت أن الوقت لا يفوت أبدًا لملاحقة الشغف، معربة عن سعادتها بامتلاك الشجاعة لبدء هذا الفصل الجديد من مسيرتها الفنية.

حضور فني وثقافي في افتتاح المعرض

شهد افتتاح «انعكاسات فنية» حضور الفنان طارق الكومي، نقيب الفنانين التشكيليين، وحسن عبد العزيز، مدير النقابة، وزياد الشاذلي، مدير إدارة علاقات العملاء بمجموعة طلعت مصطفى ورئيس منتدى مدينتي الثقافي.

كما حضر الدكتور هدى مبارك، ومحمد مصطفى، العضو المنتدب لشركة مصر للمستحضرات الطبية، وجون ستيوارت من المملكة المتحدة، إلى جانب مجموعة من الفنانين التشكيليين والشخصيات الثقافية ومحبي الفنون.

ومثّل المعرض مساحة للقاء بين تجارب وثقافات متنوعة، مؤكدًا أن اللوحة لا تحتاج إلى لغة مشتركة كي تصل إلى الجمهور، وأن الفن يستطيع بناء حوار إنساني تتجاور فيه الذاكرة والمشاعر والهوية عبر اللون والخط والتكوين.

اقرأ أيضاً:
ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية يفتتح معرض «انعكاسات فنية 2 – ما لا يُرى» بدار الأوبرا المصرية

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق