جدل في إيطاليا بعد نشر بيانات مزعومة لمديري «حركة 17 أكتوبر»
كتبت: د/ مروة غنيم
أثار نشر معلومات شخصية نُسبت إلى مسؤولين عن الحسابات الإلكترونية لـ«حركة 17 أكتوبر» في إيطاليا موجة من الجدل، وسط تحذيرات من خطورة عمليات كشف الهوية عبر الإنترنت والاعتماد على بيانات غير موثقة لتوجيه اتهامات جنائية أو سياسية.
وظهرت الحركة عقب الاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن إيطالية ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، واعتمدت على منصة «إنستغرام» ومجموعات خاصة على «تيليجرام» للدعوة إلى استمرار التعبئة وتنظيم فعاليات في عدد من المدن.
وتداولت تقارير صحفية معلومات عن وجود أدلة للمشاركة في المظاهرات، وإرشادات لحماية الهوية، ونقاشات متباينة بين أعضاء المجموعات بشأن الاحتجاج السلمي والمواجهة مع الشرطة وأعمال التخريب.
جهة يمينية متطرفة تنشر «نتائج تحقيق إلكتروني»
بدأ الجدل بعدما نشرت قناة على «تيليجرام» تابعة لجبهة فكرية يمينية متطرفة، تُعرف اختصارًا باسم «TND»، ما وصفته بنتائج «تدقيق إلكتروني» استهدف تحديد الأشخاص الذين يديرون حسابات الحركة ومجموعاتها.
وتقدم هذه الجهة نفسها بوصفها تنظيمًا منتميًا إلى أقصى اليمين، وتستخدم خطابًا قوميًا وعنصريًا مناهضًا لليسار، مستندة إلى أفكار تنسبها إلى الفيلسوفين ماكس شتيرنر وفريدريش نيتشه.
ونشرت القناة أسماء وملفات شخصية قالت إنها تعود إلى مسؤولين عن إدارة «حركة 17 أكتوبر»، من دون تقديم أدلة مستقلة يمكن من خلالها التحقق بصورة قاطعة من صحة جميع البيانات أو طبيعة أدوار الأشخاص الواردة أسماؤهم.
ولهذا يمتنع هذا التقرير عن إعادة نشر الأسماء أو المعلومات الشخصية المتداولة، خصوصًا في غياب تأكيد قضائي أو أمني رسمي بشأن هوية أصحابها ومسؤوليتهم عن أي مخالفات.
اتهامات خطيرة تفتقر إلى إثبات قضائي
وصفت الجهة اليمينية الحركة بأنها «مجموعة إرهابية يسارية متطرفة» أُنشئت لتنظيم أعمال شغب ونهب، وربطتها بالعنف الذي شهدته بعض المدن الإيطالية خلال الاحتجاجات الأخيرة.
إلا أن هذا الوصف يمثل اتهامًا صادرًا عن جهة سياسية معادية للحركة، وليس تصنيفًا قضائيًا نهائيًا أو حقيقة مثبتة بحكم قضائي.
وأظهرت تقارير اطلعت على المناقشات داخل مجموعات «تيليجرام» وجود انقسام بين مشاركين يدعون إلى التصعيد وأعمال التخريب، وآخرين يرفضون العنف ويحذرون من أن الاعتداء على المتاجر والممتلكات يخدم خصوم الاحتجاجات ويقوض المطالب الاجتماعية.
كما تحدثت تقارير أخرى عن وجود حسابات مجهولة وملفات مزيفة وآلية داخل المجموعات، ما يزيد صعوبة تحديد المسؤولية الحقيقية عن الرسائل المنشورة أو معرفة ما إذا كان أصحابها أعضاء فعليين أم جهات تحاول التأثير في النقاش.
ما علاقة «حركة 17 أكتوبر» بـ«إيطاليا في الساحة»؟
وفق الرواية التي نشرتها القناة اليمينية، خرجت «حركة 17 أكتوبر» من مجموعة أقدم تحمل اسم «إيطاليا في الساحة»، قبل أن تنفصل عنها بسبب خلافات تتعلق بطريقة الاحتجاج والخط السياسي.
وتشير تقارير صحفية إيطالية إلى أن «حركة 17 أكتوبر» ظهرت باسمها الجديد عقب اضطرابات منتصف أكتوبر، وأطلقت قنواتها على مواقع التواصل، معلنة نيتها تنظيم احتجاجات أسبوعية في عدة مدن.
لكن يجب التمييز بين المجموعتين؛ إذ لا تعني مشاركة أفراد في مجموعات إلكترونية متداخلة وجود قيادة موحدة أو مسؤولية جماعية عن جميع الرسائل والتصرفات.
كما لا يمكن نسبة أعمال العنف التي ارتكبها بعض المشاركين إلى كل المتظاهرين أو إلى كل أعضاء القنوات الرقمية، قبل انتهاء التحقيقات وتحديد المسؤوليات الفردية.
ارتباك بشأن إلغاء الاحتجاجات
تحدثت منشورات متداولة عن إلغاء الدعوة إلى الاحتجاج بعد انتشار معلومات عن هويات المسؤولين عن القنوات، لكن التقارير المتاحة تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فقد أعلنت مجموعة «إيطاليا في الساحة» انسحابها من بعض فعاليات 24 أكتوبر، محذرة من احتمال تكرار أعمال العنف، بينما قالت «حركة 17 أكتوبر» إنها ستغير نقاط التجمع وتعلن مواقعها في اللحظات الأخيرة بدلًا من التراجع الكامل عن التعبئة.
وبالتالي، لا يصح التعامل مع المجموعتين باعتبارهما كيانًا واحدًا، أو القول إن جميع الدعوات أُلغيت بسبب كشف هويات القائمين عليها، ما لم يصدر تأكيد واضح من الحسابات الرسمية أو السلطات المختصة.
ما المقصود بكشف الهوية عبر الإنترنت؟
تُعرف ممارسة جمع البيانات الشخصية ونشرها من أجل تحديد صاحب حساب مجهول باسم «Doxxing»، وتشمل عادة نشر معلومات مثل:
- الاسم الكامل.
- محل الإقامة أو العمل.
- أرقام الهواتف.
- حسابات التواصل الشخصية.
- صور أفراد الأسرة.
- تفاصيل الدراسة أو الوظيفة.
وتزداد خطورة هذه الممارسة عندما ترتبط باتهامات بالإرهاب أو التحريض والعنف؛ لأنها قد تعرض الأشخاص للتهديد أو الانتقام أو التشهير، حتى إذا اتضح لاحقًا أن بعض المعلومات غير صحيحة أو تخص أشخاصًا لا علاقة لهم بالقضية.
كما قد تُستخدم البيانات المنشورة في حملات مضادة بين الجماعات السياسية المتطرفة، ما ينقل الصراع من الساحات العامة إلى ملاحقات شخصية وحملات ترهيب إلكترونية.
التحقيقات الأمنية هي الفيصل
تواصل السلطات الإيطالية فحص الحسابات والمجموعات التي استخدمت في الدعوة إلى الاحتجاجات، إلى جانب تحليل الرسائل التي قد تتضمن تحريضًا على العنف أو إرشادات لاستهداف المتاجر والممتلكات.
كما تدرس أجهزة التحقيق طبيعة الحسابات التي أدارت حملات التعبئة، ومدى وجود تنسيق منظم أو تلاعب إلكتروني أو حسابات مزيفة ساهمت في دفع الشباب إلى الشوارع.
ولا تزال هوية المسؤولين الفعليين عن بعض القنوات وطبيعة علاقتهم بأحداث العنف موضع تحقيق، ولذلك تبقى المعلومات التي تنشرها جهات سياسية منافسة ادعاءات تحتاج إلى تحقق مستقل.
معركة موازية على الفضاء الرقمي
تكشف القضية عن انتقال جانب من الصراع السياسي في إيطاليا إلى شبكات التواصل؛ فالحركات الاحتجاجية تستخدم «تيليجرام» و«إنستغرام» للحشد بعيدًا عن الأحزاب والنقابات التقليدية، بينما تلجأ جماعات مضادة إلى مراقبة الحسابات وتتبع أصحابها ونشر بياناتهم.
وبين الحسابات المجهولة والملفات المزيفة والاتهامات المتبادلة، تصبح مهمة التحقق أكثر صعوبة، خصوصًا حين تختلط المطالب الاجتماعية المشروعة بالدعوات إلى التخريب، وحين تتحول التحقيقات الإلكترونية غير الرسمية إلى وسيلة للتشهير أو التحريض.
وتظل المسؤولية الجنائية فردية، ولا يمكن إثباتها بمنشور مجهول أو «تدقيق» حزبي، بل عبر التحقيقات الرسمية والأدلة التي تخضع للفحص القضائي. وحتى ظهور نتائج هذه التحقيقات، ينبغي التعامل بحذر مع الأسماء والاتهامات المتداولة، وعدم تحويل شبكات التواصل إلى محكمة بديلة.
اقرأ أيضا:
تأهب أمني واسع في إيطاليا مع مظاهرات جديدة و«حركة 17 أكتوبر» تغيّر مواقع تجمعاتها