حين تتراجع المعرفة: من يقود المجتمع؟

0 10

كتب: محمد غنيم

في اللحظات التي يتراجع فيها دور العلم والعلماء، لا يبقى الفراغ طويلًا؛ إذ سرعان ما تُملؤه قوى بديلة تعيد تشكيل المشهد وفق منطق مختلف. ليست المشكلة في بروز فئات تمتلك الثروة أو النفوذ بحد ذاته، فالتنوع في مصادر القوة أمر طبيعي في أي مجتمع حيّ، لكن الإشكال يبدأ حين تنفصل المكانة عن القيمة، ويغيب المعيار الذي يربط الصدارة بالإسهام الحقيقي في بناء الوعي والمعرفة.

حينها، تتبدّل المعايير بهدوء: لا يعود التقدير قائمًا على ما يُنتَج من فكر أو ما يُقدَّم من علم، بل على ما يُملَك من قدرة على التأثير والسيطرة. وتتحول “الصفوة” من نخبة معرفية تُسهم في توجيه المجتمع، إلى نخبة نفوذ تُعيد صياغة الذوق العام وفق مصالحها. في هذا السياق، تصبح الثقافة والفن ساحات عرض لاختلال المعايير، حيث يُحتفى بما هو أكثر جذبًا أو ربحًا، لا بما هو أعمق أو أصدق.

ولا يقف الأمر عند حدود الثقافة؛ إذ يمتد هذا التحول إلى الحياة السياسية والاقتصادية، حيث تُصاغ القرارات وتُوجَّه السياسات بمنطق القوة لا بمنطق الحكمة. ومع الوقت، يتشكل وعي جمعي جديد يعتاد هذا الانزياح، فيغدو الاستثناء قاعدة، ويُنظر إلى المعرفة بوصفها ترفًا لا ضرورة.

غير أن السؤال الأهم يبقى: هل المشكلة في صعود هذه القوى، أم في تراجع البديل القادر على موازنتها؟ فالمجتمعات التي تُقصي العلم لا تُلغيه، بل تستبدله. وإذا غاب صوت المعرفة، ارتفعت أصوات أخرى، أكثر ضجيجًا وأقل عمقًا.

إن استعادة التوازن لا تعني إقصاء أي فئة، بل إعادة الاعتبار للمعيار ذاته: أن تكون القيمة في ما يُبنى ويُضاف، لا في ما يُملَك ويُفرض. فحين تستعيد المعرفة مكانتها، لا تُقصي غيرها، بل تمنح المجتمع بوصلة تميّز بين التأثير العابر والأثر الباقي.

اقرأ للكاتب:

“رسالة إلى وزارة الأوقاف: أين السكينة في بيوت الله؟”
من إيطاليا إلى العالم.. الحضارة يصنعها التنوع لا التفوق
“شاهد: الفيلم التسجيلي عن حياة الأديب محمد غنيم.. أيقونة الربط بين مصر وإيطاليا” 

 

Visited 3 times, 3 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق