لسنا فقراء فقط… نحن نُنتج الفقر يوميًا

0 55

كتب: محمد غنيم

في كل مرة تُعلن فيها الدولة رقمًا جديدًا عن الزيادة السكانية، نتعامل معه كخبر عابر، رغم أنه في الحقيقة جرس إنذار يُدق بعنف.
109
ملايين نسمة داخل بلد يعاني أصلًا من ضغط اقتصادي هائل، ومليون مولود جديد خلال أقل من تسعة أشهر، بمعدل مولود كل 15 ثانية تقريبًا.

أرقام كهذه لا تعني فقط زيادة في عدد السكان، بل تعني مزيدًا من الضغط على الغذاء والمياه والكهرباء والتعليم والصحة وفرص العمل والسكن. ومع ذلك، لا يزال كثيرون يتعاملون مع القضية وكأنها “بركة مطلقة” لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو التفكير.

المشكلة لم تعد في كثرة المواليد وحدها، بل في الثقافة التي تُحيط بالأمر.

ثقافة تُحوّل الإنجاب من مسؤولية أخلاقية واقتصادية إلى مجرد عادة اجتماعية، أو وسيلة لإثبات الفحولة، أو مشروع اتكال طويل المدى على الدولة والأبناء معًا.

أتذكر رجلًا أعرفه جيدًا؛ لديه اثنان وعشرون طفلًا من أربع زوجات. يجلس أغلب يومه كملكٍ مترهل، يدخّن المعسل بلا اكتراث، بينما يخرج أبناؤه منذ الصباح الباكر للعمل في المزارع بالأجر اليومي.

يعودون آخر النهار بما جمعوه من تعب الشمس وانحناء الظهور، فيضعونه بين يديه، ثم يعود هو لجلسته الوادعة وكأن الأمر حقّ طبيعي لا يستحق حتى الامتنان.
بعض هؤلاء الأطفال لم يعرف المدرسة أصلًا، وآخرون دفعتهم الحاجة إلى التسول، بينما تستمر الدولة في دعمه بالتموين والمساعدات، وكأن المجتمع كله مُطالب بأن يتحمّل نتائج هذا العبث الإنساني إلى ما لا نهاية.

هذه ليست حكاية فردية بقدر ما هي صورة مكثفة لأزمة أعمق؛ أزمة مجتمع لا يزال يخلط بين “الرزق” وغياب المسؤولية، وبين التوكّل والكسل، وبين الأبوة الحقيقية والقدرة البيولوجية على الإنجاب.
فالطفل ليس رقمًا يُضاف إلى دفتر العائلة، ولا مشروع عاملٍ صغير يُلقى به في الحقول والشوارع ليُطعم أبًا عاجزًا عن تحمّل معنى الأبوة نفسه.

ثم نجلس بعد ذلك على المقاهي نلعن الفقر، ونشكو غلاء الأسعار، وتدهور الخدمات، وضيق الحال، وكأن المشكلة هبطت علينا من السماء فجأة، لا من تراكم الجهل وإنكار الواقع والهروب المستمر من مواجهة الحقيقة.

إن الدول لا تنهار فقط بالحروب، بل أيضًا حين يتكاثر البشر أسرع من قدرة المجتمع على التعليم والإنتاج والاحتواء.

وحين يصبح الإنجاب فعلًا بلا وعي، يتحول الأطفال من نعمة إلى ضحايا، ويتحول الوطن إلى مساحة مكتظة بالأحلام المكسورة والاحتياجات التي لا تنتهي.

ربما آن الأوان أن نفهم أن قيمة الأوطان لا تُقاس بعدد السكان، بل بنوعية الإنسان الذي تربيه.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأفواه الجائعة، بل إلى عقول متعلمة، وأسرٍ تعرف أن الإنجاب مسؤولية، لا هواية اجتماعية تُمارس بلا حساب.

اقرأ للكاتب:
حين تتراجع المعرفة: من يقود المجتمع؟
من إيطاليا إلى العالم.. الحضارة يصنعها التنوع لا التفوق      

“شاهد: الفيلم التسجيلي عن حياة الأديب محمد غنيم.. أيقونة الربط بين مصر وإيطاليا”

Visited 9 times, 9 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق