عيد الأم ليس مجرد احتفال… الحقيقة أعمق مما تظن

0 78

كتبت: د/سارة غنيم

ليست كل الأيام تُقاس بالتاريخ، فبعضها يُقاس بالأثر. وعيد الأم واحد من تلك الأيام التي لا تعيش في التقويم بقدر ما تعيش في الوجدان.

هو ليس مجرد مناسبة عابرة، بل لحظة يتباطأ فيها إيقاع الحياة، لنمنح المعنى اسمًا، ولنعطي لما هو بديهي—كالحب والرعاية—حقه في الظهور والاعتراف.

في ظاهره، يبدو عيد الأم احتفالًا بسيطًا: وردة، كلمة، اتصال هاتفي. لكن في عمقه، هو محاولة إنسانية لالتقاط ما يصعب قوله. فالأمومة، بطبيعتها، لا تُعلن عن نفسها.

إنها حضور صامت، يتجلى في التفاصيل اليومية: في القلق غير المرئي، في العطاء الذي لا ينتظر مقابلًا، في الاستمرار رغم التعب.

ولهذا، فإن تخصيص يوم لها ليس تكريمًا بقدر ما هو تذكير… تذكير بأن ما نعتبره “طبيعيًا” هو في الحقيقة استثنائي.

تاريخيًا، لم يولد هذا اليوم من فراغ. فمنذ الحضارات القديمة، حاول الإنسان أن يمنح الأمومة بعدًا رمزيًا، فربطها بالخصوبة والطبيعة، وجعلها امتدادًا لدورة الحياة نفسها.

في تلك الطقوس القديمة، لم تكن الأم مجرد فرد، بل كانت فكرة: أصلًا، ومنبعًا، وقوةً خفية تحفظ التوازن.

ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه الفكرة إلى شكل اجتماعي أكثر وضوحًا، حتى بلغت صورتها الحديثة في القرن العشرين، حيث أصبحت الأم شخصية يُحتفى بها علنًا.

لكن المفارقة أن هذا التحول، رغم أهميته، حمل معه خطرًا آخر: خطر اختزال المعنى. فحين يتحول الاعتراف إلى طقس سنوي، قد يفقد شيئًا من صدقه، ويصبح أقرب إلى واجب اجتماعي منه إلى شعور حقيقي.

وربما لهذا السبب، اعترضت بعض الأصوات على تحويل عيد الأم إلى مناسبة تجارية، لأن القيمة التي يحملها لا يمكن أن تُختصر في هدية أو مناسبة عابرة.

ومع ذلك، يظل هذا اليوم قائمًا.

ليس لأنه مثالي، بل لأنه ضروري. فهو يمنحنا فرصة نادرة للتوقف، لإعادة النظر في علاقاتنا، وللتعبير عمّا نؤجله دائمًا. هو تذكير بأن الامتنان لا يجب أن يُؤجَّل، وأن الاعتراف—even لو جاء متأخرًا—يبقى أفضل من الصمت.

عيد الأم، في جوهره، لا يتحدث عن الأم فقط، بل عن العلاقة: عن الرعاية التي تُشكّلنا، وعن الحضور الذي يصنعنا دون أن نشعر، وعن تلك القوة الهادئة التي ترافق الإنسان منذ بدايته.

وربما لهذا يستمر، رغم تغيّر الأزمنة والثقافات… لأنه لا يخص زمنًا بعينه، بل يخص الإنسان في أكثر حالاته صدقًا.

في النهاية، ليس السؤال متى نحتفل بعيد الأم، بل: هل نُدرك فعلًا ما نحتفل به؟ وهل نملك الشجاعة لنحوّل هذا اليوم من لحظة عابرة إلى وعيٍ دائم بقيمة من صنعت بداياتنا الأولى؟

Visited 15 times, 15 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق