بقلم: محمد غنيم
عندما وقعت عيناي على كتاب فرانسيس فوكوياما «نهاية الإنسان»، لم أتوقف طويلًا عند العنوان بقدر ما توقفت أمام السؤال الذي أثاره في داخلي: هل يقترب الإنسان حقًا من نهايته، أم أن ما يتراجع هو إنسانيته؟
لقد تقدمنا في العلم، وأحطنا أنفسنا بالآلات، واتسعت قدرتنا على امتلاك الأشياء، لكننا لم نتقدم بالقدر نفسه في معرفة ما يكفينا منها. أصبح الإنسان أكثر قدرة على السيطرة على العالم، وأقل قدرة على تهدئة نفسه؛ يملك الكثير، لكنه يعيش خائفًا من فقدانه، ويسعى إلى المزيد من دون أن يعرف متى يقول: كفى.
نشعر جميعًا بخلل عميق في العلاقات الأسرية والإنسانية. نشكو تراجع القيم، وتقهقر الفضيلة، وضياع الألفة تحت وطأة حياة مادية لا تمنح الإنسان وقتًا ليتأمل نفسه أو يصغي إلى غيره. والأغرب أننا نتحدث عن هذا الانحدار كأننا مجرد شهود عليه، لا شركاء في صنعه.
نسأل عن اختفاء القيم التي عرفناها، وعن السبب الذي جعل المادة تطغى على الروح، لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا: ماذا فعل كل واحد منا لحماية ما تبقى من إنسانيتنا؟
لا تكمن المشكلة في المال ذاته؛ فالمال ضرورة من ضرورات الحياة، والعمل من أجل حياة كريمة حق لا يجوز لأحد مصادرته. تبدأ المشكلة حين يتحول المال من وسيلة إلى غاية، وحين نقيس البشر بما يملكون لا بما يحملونه في داخلهم من صدق ورحمة ونبل.
وحين فكرت في هذا التناقض، تذكرت أبي.
لم يقرأ أبي فوكوياما، ولم تشغله المصطلحات الفلسفية الكبرى، لكنه أدرك بفطرته حقيقة عجزت كتب كثيرة عن اختصارها: أن الإنسان لا يصبح غنيًا بكثرة ما يملك، بل بقدر ما يستطيع الاستغناء عنه من دون أن يفقد سلامه.
القرية التي تسكنني
قبل عقود، كانت قريتي تعيش بإيقاع مختلف. لم تكن الحياة سهلة، ولم يكن أهلها بمنأى عن الفقر والتعب والخلافات، لكن البساطة كانت تمنح الأشياء معنى أوضح.
كان الناس يفلحون الأرض ليحصدوا القمح ويصنعوا منه خبزهم، ويعتنون بالماشية ليحصلوا على اللبن والجبن والزبد، ويجتنون الثمار ليأكلوا بعضها ويصنعوا من بعضها الآخر ما يكفيهم لأيام الشتاء.
لم يكن الإنسان منفصلًا عن الأرض؛ يعرف مواسمها، وينتظر خيرها، ويدرك أن الحصاد لا يأتي من دون صبر وعمل. وكان الناس، رغم ما يقع بينهم من خلافات، يشعرون بأنهم ينتمون إلى حياة واحدة؛ يفرحون معًا، ويحزنون معًا، ويسند بعضهم بعضًا حين تشتد الأيام.
ربما لم تكن القرية فاضلة كما تصوّرها الذاكرة، فالذاكرة تنتقي من الماضي أجمل ما فيه، لكن المؤكد أن العلاقات لم تكن قد تحولت بعد إلى تلك الحسابات الباردة التي تحاصرنا اليوم. كانت للألفة قيمة، وللكلمة وزن، ولرضا النفس معنى لا يُقاس بما في الجيوب.
كلما ابتعدت عن قريتي، عادت إليّ رائحتها؛ رائحة التراب بعد الماء، والخبز الخارج من الفرن، وأصوات الناس في المساء. ووسط هذه الصور جميعًا، كان وجه أبي يطل عليّ.
سكينة أبي
كان والدي، رحمه الله، رجلًا بسيطًا. يؤمّ الناس في صلاة الفجر، ثم يعود إلى البيت مسبحًا وداعيًا. لم تكن البسمة تفارق شفتيه، وكانت تحيط به سكينة غريبة، كأن بينه وبين الحياة عهدًا خفيًا لا نعرفه.
لم يكن غنيًا، لكنه لم يشعر بالفقر. لم يمتلك من الدنيا الكثير، غير أنه امتلك شيئًا عجز كثير من الأثرياء عن شرائه: راحة البال.
كنت أنظر إليه وأتساءل: من أين يأتي بكل هذا الهدوء؟ كيف يستطيع الإنسان أن يعيش وسط مشقة الحياة من دون أن يتحول قلبه إلى ساحة للغضب والخوف؟
سألته ذات يوم:
«من أين أتيت بهذه السكينة والرضا يا أبي؟»
ابتسم، وصمت قليلًا، ثم بدأ يحكي لي قصة ظل معناها يسكنني سنوات طويلة.
قال:
«قبل أن تولد، اختلفت أنا وأخي على ميراث قليل تركه لنا والدنا. لم يكن الميراث يستحق الخصام، لكن النفس حين يسيطر عليها الطمع تستطيع أن تجعل من القليل شيئًا عظيمًا، وأن تحول الأخ إلى خصم.»
وفي ليلة الخلاف، استسلم للنوم وهو مثقل بالحزن والغضب. رأى في منامه مياه النيل كأنها ترياق يشفي كل ألم، ورأى الأراضي الجافة التي يمر بها تتحول إلى خضرة.
وقبل الفجر، سمع صوتًا يوقظه:
«قُم وتخلص من غفلتك، وانفض عن قلبك أحزانه. كنزك ليس فيما تتقاتلان عليه، بل هناك، عند الشجرة التي اعتدت أن تستظل بها وقت القيلولة.»
كانت الشجرة صفصافة جميلة تتفرد بخضرتها عند حافة جدول صغير. وكان أبي يتخذ من ظلها مكانًا للراحة والصلاة والتأمل.
توقفت عن الاستماع إليه لحظة، ثم سألته مازحًا:
«وهل وجدت الكنز يا أبي؟»
ابتسم وقال بثقة:
«نعم، وجدته.»
اقتربت منه وسألته بفضول:
«وأين هو؟»
أدخل يده في جيبه، وأخرج كيسًا صغيرًا مطويًا بعناية، ثم ناولني إياه وقال:
«احتفظ به، ولا تفتحه إلا بعد وفاتي.»
أخذت الكيس وأنا أتوقع أن يخفي سرًا أو خريطة أو شيئًا ثمينًا. غير أن أبي لم يفسر شيئًا. اكتفى بأن حدثني عن حبه للشمس، وخشيته من الظلام، وإيمانه بأن الخير، مهما بدا ضعيفًا، أكثر بقاءً من الشر.
كان يؤمن بالعمل والجهد، ويؤمن كذلك بأن الإنسان قادر على تغيير حياته، وأن الشعوب لا تنهض إلا حين تتحرك من داخلها وتدرك قيمة المعرفة والعمل.
لم تكن القناعة عنده كسلًا أو استسلامًا، ولم تكن دعوة إلى قبول الفقر أو الظلم. كانت قدرة على التمييز بين الحاجة والطمع، وبين الطموح الذي يرفع الإنسان والجشع الذي يستعبده.
الكنز الحقيقي
مضت السنوات، وسافرت بعيدًا. وعندما عدت إلى مصر، أخبروني أن أبي قد رحل.
في لحظة الفقد، عادت إليّ صورته تحت شجرة الصفصاف، وعاد صوته وهو يوصيني ألا أفتح الكيس إلا بعد وفاته.
بحثت عنه، وحين وجدته ارتجفت يداي. فتحته ببطء، فوجدت في داخله ورقة صغيرة مطوية أكثر من مرة، تفوح منها رائحة عطرة. فردتها بعناية، فلم أجد عليها سوى كلمات قليلة:
«القناعة كنز لا يفنى.»
ظللت أحدّق في العبارة طويلًا. كنت أعرفها منذ طفولتي، وسمعتها مئات المرات، لكنها في تلك اللحظة لم تعد مثلًا شائعًا. أصبحت حياة أبي كلها مختصرة في كلمات أربع.
والورقة، كما بقيت في ذاكرتي، لم تكن وثيقة أو وصية بالمعنى المألوف، بل رمزًا لدرس حقيقي تعلمته منه.
فالكنز الذي أشار إليه لم يكن مدفونًا تحت شجرة الصفصاف، ولم يكن ذهبًا أو فضة، وإنما كان تلك القدرة النادرة على أن يعيش الإنسان من دون أن تستعبده رغباته.
لقد عمل أبي واجتهد، لكنه لم يجعل المال سيدًا على قلبه. اختلف مع أخيه على ميراث قليل، ثم أدرك أن الأرض التي قد يربحها لا تساوي أخًا يخسره، وأن الإنسان قد يمتلك الأشياء كلها، لكنه يظل فقيرًا إذا فقد طمأنينته.
أدرك أبي أن المال إذا بقي في اليد خدم الإنسان، أما إذا استقر في القلب استعبده. وعرف أن القناعة لا تعني التوقف عن السعي، بل أن نسعى من دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
وقد يظن بعض الناس أن القناعة تعني أن يقبل الفقير فقره، أو أن يصمت المظلوم عن ظلمه، أو أن يتخلى الإنسان عن حقه في حياة أفضل. وهذا فهم قاصر للقناعة.
القناعة الحقيقية لا تعادي الطموح، بل تحميه من التحول إلى جشع. وهي لا تمنع الإنسان من طلب حقه، بل تمنعه من بناء سعادته على سلب حقوق الآخرين.
أن تكون قنوعًا لا يعني ألا تحلم، وإنما أن تعرف الفرق بين الحلم الذي يوسع إنسانيتك والرغبة التي تلتهمها. أن تعمل من أجل بيت أفضل أمر مشروع، لكن أن تهدم بيوت الآخرين لتبني بيتك هو الفقر الحقيقي، مهما بلغت ثروتك.
القناعة ليست أن تملك القليل بالضرورة، بل أن تعرف قيمة ما تملك، وألا تجعل سعادتك معلقة دائمًا بشيء لم تحصل عليه بعد.
من نهاية الإنسان إلى بدايته
عندها فهمت الصلة بين سؤال فوكوياما وحكاية أبي. فنهاية الإنسان لا تبدأ حين تعجز التكنولوجيا عن حماية جسده، بل حين يعجز هو عن حماية روحه من الجشع. ولا تضيع الإنسانية لأننا أصبحنا أكثر تقدمًا، بل حين نسمح لما نملكه بأن يصبح أثمن ممن نحب.
نحن اليوم نمتلك أكثر مما امتلك آباؤنا، لكننا لا نشعر دائمًا بالرضا الذي عرفوه. اتسعت البيوت وضاقت الصدور، وتكاثرت وسائل الاتصال وقلّ التواصل، وأصبحت قيمة الإنسان تُقاس أحيانًا بوظيفته وسيارته ورصيده، لا بعلمه أو رحمته أو أثره الطيب.
ومع ذلك، ليس الحل أن نهرب إلى الماضي أو نقدسه؛ فالماضي كانت له أوجاعه ونقائصه. إنما علينا أن نستعيد منه ما يجعل حاضرنا أكثر إنسانية: معنى الأسرة، وكرامة العمل، والوفاء، والقناعة، والشعور بأن الآخر ليس منافسًا يجب إقصاؤه، بل شريك في هذه الرحلة القصيرة.
المجتمع الفاضل لا يولد من الخطب، ولا تصنعه القوانين وحدها، بل يبدأ من الإنسان حين يراجع علاقته بالمال والسلطة والآخرين. يبدأ من بيت لا يُهان فيه الضعيف، ومن عمل لا تُسرق فيه حقوق الناس، ومن قلب يعرف أن كرامته لا تأتي مما يملك، بل مما يكونه.
رحم الله أبي. لم يترك لي أرضًا واسعة ولا مالًا كثيرًا، لكنه ترك لي معنى أعيش به: أن أسعى من دون جشع، وأن أطمح من دون أن أفقد نفسي، وأن أعرف أن القناعة ليست نهاية الحلم، بل الحد الذي يمنع الحلم من التحول إلى عبودية.
لم يترك لي أبي ثروةً تفنى، بل ترك لي كنزًا لا يستطيع الزمن أن يفنيه.
اقرأ للكاتب:
يا وزير التعليم… أصلحوا المدارس قبل أن تحاكموا أفراح الأطفال
الانشغال بالمظاهر وتجاهل الجوهر: أزمة المجتمع العربي والإسلامي في مسار التقدم
الإسلاموفوبيا وصورة الإسلام في الغرب