كتب: أحمد السيد رفعت
ليست كل المعارك على الجبهة؛ فبينما تتبادل الجيوش القذائف، تدور معركة أخرى لا تُرى بالعين، لكنها تستهدف العقول والإرادة والوعي.
في الحرب الروسية الأوكرانية، لم تعد أرقام الخسائر مجرد بيانات عسكرية محايدة. كل طرف يعلن الأرقام التي تدعم روايته، وكل رقم يعبر الحدود يتحول إلى رسالة تقول: نحن نتقدم، والعدو ينزف.
قد يكون الرقم دقيقًا، وقد يكون مبالغًا فيه، غير أن تأثيره لا يتوقف على مدى صحته وحدها؛ ففي زمن الحرب، قد تتجاوز أهمية المعلومة مضمونها إلى الأثر النفسي والسياسي الذي تتركه. وقد تصبح صورة دبابة محترقة أكثر تأثيرًا من تدمير الدبابة نفسها، كما تستطيع شائعة واحدة أن تحقق ما تعجز عنه عشرات القذائف.
من هنا تبدأ «الحرب الأخرى»: حرب نفسية تستهدف إرادة القتال، وحرب إعلامية تتصارع على امتلاك الرواية، ودبلوماسية تضغط على الخصم وتحشد الحلفاء، وحرب معلومات تجعل من المعرفة نفسها سلاحًا.
لم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول امتلاك القدرة على تفسير ما يحدث فوقها، وإقناع العالم بهذا التفسير.
معركة تبدأ قبل إطلاق النار
الحرب النفسية قديمة قدم الصراعات البشرية، وهدفها الأساسي بث الخوف في صفوف الخصم، وإضعاف ثقته بنفسه، وكسر إرادته قبل أن تبدأ المواجهة العسكرية.
ومع تطور وسائل الاتصال، تغيرت أدوات هذه الحرب واتسع نطاقها. جاءت الصحافة، ثم الراديو والسينما والتلفزيون، فأصبحت الرسالة قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت واحد.
خلال الحرب العالمية الأولى، تحولت الدعاية إلى جزء أساسي من إدارة الصراع، واستُخدمت لرفع المعنويات، وتعبئة الشعوب، وحشد الجنود، وتشويه صورة العدو.
وفي الحرب العالمية الثانية، بلغت الدعاية مستوى غير مسبوق من التنظيم، وتحولت في ألمانيا النازية إلى آلة ضخمة كان جوزيف جوبلز من أبرز مهندسيها. لم يعد المطلوب أن يعرف الناس ما يحدث فحسب، بل أن يروا الأحداث من الزاوية التي تريدها السلطة، وأن يتبنوا التفسير الذي يخدم أهدافها.
ثم جاءت الحرب الباردة لتثبت أن الدول تستطيع خوض صراع طويل من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. تحولت الأفكار إلى جبهة، والإذاعة إلى سلاح، والصحيفة إلى سلاح، والسينما إلى ساحة للتأثير.
لم يكن الصراع يدور على الأرض وحدها، بل حول سؤال أكبر: أي نظام يستطيع إقناع العالم بأنه الأقدر على صناعة المستقبل؟
ومع كل تطور في وسائل الاتصال، اتسعت ساحة الحرب. واليوم، لم تعد الحرب النفسية تحتاج إلى طبول أو منشورات تُلقى من الطائرات؛ فقد يكفي مقطع مصور بهاتف جندي لزعزعة المعنويات قبل أن يصل الخبر إلى غرف العمليات.
أكتوبر.. حين سبقت الخطة المدافع
في حرب أكتوبر 1973، لم تكن المفاجأة العسكرية وحدها هي السلاح. فقد كان المطلوب أن تنظر إسرائيل إلى الاستعدادات المصرية، من دون أن ترى الحرب القادمة.
ترسخ لدى القيادة الإسرائيلية، لسنوات، اعتقاد بأن مصر لن تخوض حربًا واسعة من دون امتلاك تفوق جوي يسمح لها بحماية قواتها، وأن عبور قناة السويس في مواجهة التحصينات الإسرائيلية يمثل مغامرة شديدة الصعوبة.
لكن مصر لم تعمل فقط على تغيير ميزان القوة، بل سعت أيضًا إلى التأثير في تقديرات إسرائيل لنواياها. ساهمت المناورات المتكررة وتحركات القوات والإشارات المتعددة في جعل الاستعداد الحقيقي يبدو امتدادًا لنشاط عسكري مألوف.
لم يكن المطلوب أن تصدق إسرائيل قصة واحدة محددة، بل أن تجد لكل إشارة تفسيرًا يدفعها إلى استبعاد احتمال الحرب.
وهنا تتجلى إحدى أخطر قواعد الخداع والحرب النفسية: ليس عليك دائمًا إقناع خصمك بما تريد منه أن يصدقه؛ فقد يكفي أن تساعده على تصديق ما يريد هو تصديقه.
في السادس من أكتوبر، تحولت الإشارات إلى واقع، وعبرت القوات المصرية قناة السويس. وسقط جزء كبير من الحاجز النفسي قبل أن تسقط أجزاء من التحصينات الإسرائيلية.
غير أن الحرب النفسية لم تنتهِ مع بدء القتال؛ فقد انطلقت معركة جديدة حول كيفية شرح ما يجري للشعوب، والحفاظ على معنويات الجنود، وكسب تأييد الحلفاء، وإقناع العالم بأن رواية كل طرف هي الأقرب إلى الحقيقة.
عند هذه النقطة، يصبح الإعلام جزءًا من المعركة، لا مجرد ناقل لها. فالبيان العسكري، والصورة، وطريقة صياغة الخبر، وما يتصدر نشرات الأخبار، كلها أدوات تدخل ضمن حسابات الحرب.
ومن هنا يقدم أكتوبر درسًا يتجاوز عبور القناة وتحطيم خط بارليف: يمكنك مواجهة الجيش بالسلاح، لكنك تواجه قدرته على الصمود بالمعلومة.
الحرب الروسية الأوكرانية.. صراع على الرواية
تكشف الحرب الروسية الأوكرانية بوضوح عن طبيعة الحروب المعاصرة، حيث تتوازى العمليات العسكرية مع صراع إعلامي ومعلوماتي واسع.
كل تقدم على الأرض يحتاج إلى صورة تثبته، وكل خسارة تحتاج إلى رواية تفسرها أو تقلل من أثرها. وتنشر الأطراف المتحاربة بيانات متباينة عن أعداد القتلى والمعدات المدمرة ومساحات الأراضي التي تمت السيطرة عليها، بينما يجد الجمهور نفسه أمام روايات يصعب التحقق منها بصورة مستقلة.
كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا مباشرًا من ساحة المواجهة. تنتشر عبرها مشاهد القتال، والتسجيلات المقتطعة، والخرائط، والشهادات، والأخبار الصحيحة والمضللة بالسرعة نفسها تقريبًا.
وفي هذه البيئة، لا يصبح السؤال فقط: ماذا حدث؟ بل أيضًا: من نشر الخبر أولًا؟ وكيف صاغه؟ ومن صدقه؟ وما الأثر الذي تركه؟
قد تخسر قوة ما موقعًا على الأرض، ثم تحاول استعادة أثر الخسارة عبر رواية تقنع جمهورها بأن ما جرى انسحاب تكتيكي. وقد تحقق تقدمًا محدودًا، ثم تقدمه إعلاميًا باعتباره تحولًا كبيرًا في مسار الحرب.
وهكذا تتحول الرواية إلى امتداد للعملية العسكرية، ويصبح التحكم في تدفق المعلومات جزءًا من إدارة المعركة.
جبهات متعددة وحرب واحدة
في الحروب الحديثة، لم تعد هناك جبهة واحدة. هناك جيش يقاتل على الأرض، وإعلام يقاتل عبر الشاشات، ودبلوماسية تتحرك على طاولات المفاوضات، وأجهزة تجمع المعلومات وتحللها، ومنصات رقمية تعيد تشكيل صورة الصراع، وحرب نفسية تستهدف الإنسان قبل الموقع العسكري.
وقد تخسر دولة معركة ميدانية، ثم تحاول استعادة أثرها عبر رواية تقنع جمهورها بأنها لم تُهزم. كما قد تحقق انتصارًا عسكريًا، لكنها تفشل في تحويله إلى مكسب سياسي أو إعلامي.
لذلك، لم تعد الحرب الحديثة مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت صراعًا على الإرادة والصورة والمعنى. وفي هذا الصراع، تدخل المعلومة ضمن عناصر القوة؛ فتُستخدم للتضليل والضغط، ورفع المعنويات، وكسر إرادة الخصم، وحشد الحلفاء، وتشكيل صورة الحرب أمام الرأي العام العالمي.
الخبر طلقة.. والصورة سلاح
هنا، تحديدًا، تبدأ الحرب الأخرى؛ حرب لا تحتاج إلى مدافع كي تترك أثرها، ولا إلى جبهة واضحة كي تدور.
في هذه الحرب، يصبح الخبر طلقة، والصورة سلاحًا، والرقم رسالة، وقد يتحول الصمت نفسه إلى موقف محسوب.
إنها معركة لا تستهدف احتلال الأرض وحدها، بل السيطرة على الطريقة التي يفهم بها الناس ما يحدث فوقها. فالجيوش تقاتل لتغيير الواقع، بينما تقاتل وسائل الإعلام والدعاية والمعلومات من أجل تحديد المعنى الذي سيُمنح لهذا الواقع.
وفي النهاية، قد تنتهي المعارك العسكرية، لكن معركة الروايات تستمر طويلًا؛ لأن الطرف الذي ينجح في تثبيت روايته لا يكتفي بتفسير الحرب، بل يشارك أيضًا في كتابة تاريخها.
اقرأ أيضاً:
من نورد ستريم إلى مضيق هرمز.. كيف تحولت طاقة أوروبا إلى ساحة حرب؟
«محمد رمضان… الطموح الذي لا يخشى الفشل»