من «طفل متوازن» إلى تشديد الرقابة الرقمية.. العالم يبحث عن معادلة جديدة لحماية الأطفال على الإنترنت

0 53

الجمهورية والعالم

لم تعد حماية الأطفال تقتصر على توفير بيئة آمنة داخل المنزل أو المدرسة، إذ فرض العالم الرقمي تحديًا جديدًا أمام الأسر والحكومات، مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وتزايد المخاوف من تأثيراتها على الأطفال والمراهقين.

وفي الوقت الذي تتجه فيه دول عديدة إلى فرض قيود عمرية أكثر صرامة على استخدام منصات التواصل الاجتماعي، تتزايد الدعوات إلى تعزيز الصحة النفسية للأطفال، وتوفير بيئة تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وطلب المساعدة، وهو ما يتقاطع مع أهداف المبادرة الوطنية المصرية «طفل متوازن.. مجتمع متماسك»، التي حظيت بالرعاية الكريمة للسيدة انتصار السيسي، حرم رئيس الجمهورية.

وتطرح هذه التحركات سؤالًا رئيسيًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الطفل من مخاطر العالم الرقمي، وبين الحفاظ على حقه في استخدام التكنولوجيا والوصول إلى الإنترنت؟

«طفل متوازن.. مجتمع متماسك».. حماية الطفل تبدأ من الصحة النفسية.

في مصر. يأتي الاهتمام بالصحة النفسية والاجتماعية للأطفال ضمن جهود تستهدف بناء شخصية متوازنة، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع التحديات المختلفة.

وحظيت المبادرة الوطنية «طفل متوازن.. مجتمع متماسك» بالرعاية الكريمة للسيدة انتصار السيسي، في إطار دعم الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال، وحمايتهم من المخاطر والتحديات التي يمكن أن تواجههم، والعمل على توفير بيئة آمنة وداعمة لنموهم بصورة متوازنة.

واستعدادًا للإطلاق الرسمي للمبادرة، عقد المجلس القومي للطفولة والأمومة، برئاسة الدكتورة سحر السنباطي، اجتماعًا تنسيقيًا مع الجهات الشريكة، بحضور السفيرة نبيلة مكرم، رئيس ومؤسس مجلس أمناء مؤسسة فاهم للدعم النفسي، والدكتورة آمال إمام، المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر المصري، والدكتور عبد الناصر عمر، رئيس مجلس إدارة مستشفى المشفى.

وبحث الاجتماع الاستعدادات الخاصة بالإطلاق الرسمي، إلى جانب آليات التنفيذ وخطة العمل خلال المرحلة المقبلة.

وتستند المبادرة إلى رؤية تهدف إلى ترسيخ مجموعة من القيم الإيجابية لدى الأطفال، من بينها الاحترام والتعاون وتحمل المسؤولية وتقبل الآخر والامتنان والهوية والانتماء، إلى جانب تعزيز السلوكيات التي تساعد الطفل على التعامل بصورة إيجابية مع نفسه ومع الآخرين.

كما تنظر المبادرة إلى الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من حق الطفل في النمو الآمن والمتوازن، من خلال رفع الوعي باحتياجاته النفسية والاجتماعية، ودعم الأسرة، وبناء قدرات المتعاملين مع الأطفال، والوقاية من التنمر والعنف والإساءة، وتشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وطلب الدعم عند الحاجة.

برامج داخل المدارس ودعم الأسرة

وأوضحت الدكتورة سحر السنباطي أن المرحلة الأولى من المبادرة تتضمن إطلاق مجموعة من البرامج التنفيذية، من بينها برامج للصحة النفسية داخل المدارس، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، إلى جانب برامج للإسعاف النفسي الأولي ودعم الأسرة في التربية الواعية بالمشاركة.

كما تتضمن المبادرة إطلاق حملة إعلامية ومجتمعية وطنية لنشر الوعي بالصحة النفسية للأطفال داخل المدارس والمجتمع.

وتشمل الخطة أيضًا اختيار مجموعة من السفراء من الشخصيات المؤثرة في مجالات الفن والإعلام والرياضة والشباب والمجتمع، للمساهمة في نشر رسائل المبادرة والوصول بها إلى شرائح أكبر.

ويواصل المجلس القومي للطفولة والأمومة دوره في التنسيق الوطني ووضع الأطر والسياسات والمعايير المرتبطة بحماية الطفل، وربط المبادرة بالجهات والمؤسسات الحكومية المعنية، ودعم منظومة الإبلاغ والإحالة والحماية.

الهلال الأحمر ومؤسسة فاهم.. دعم نفسي وميداني

وتشارك جهات متعددة في الجانب التنفيذي والميداني للمبادرة، من بينها مؤسسة فاهم للدعم النفسي، والهلال الأحمر المصري، ومستشفى المشفى، بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة.

وأكدت الدكتورة آمال إمام أن الصحة النفسية للأطفال تمثل جزءًا أساسيًا من جهود حماية الطفل وتعزيز جودة حياته، مشيرة إلى أن مشاركة الهلال الأحمر المصري تأتي انطلاقًا من خبراته في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي والعمل المجتمعي.

وتستهدف المشاركة توظيف إمكانات وخبرات المتطوعين في دعم الأطفال والأسر، وتعزيز الوعي باحتياجاتهم النفسية والاجتماعية، إلى جانب توفير بيئة تتيح للأطفال التعبير عن مشاعرهم وطلب المساعدة.

من جانبها، أكدت السفيرة نبيلة مكرم أن الرعاية الرئاسية للمبادرة تمثل دفعة لاستكمال جهود المؤسسات الشريكة وتحويلها إلى عمل أوسع، مشيرة إلى أن القضية تمس كل بيت، خاصة فيما يتعلق بالصحة النفسية للأطفال وما يحتاجونه من أمان واستماع واحتواء.

وتتضمن المرحلة المقبلة، وفق ما ورد في المادة، التوسع في برامج التدريب والتوعية والإسعاف النفسي الأولي، وتنفيذ برامج ميدانية داخل المدارس والمؤسسات التي يتعامل فيها الأطفال، إلى جانب حملات مجتمعية وإعلامية تعزز ثقافة الاستماع والحماية وطلب المساعدة.

من الصحة النفسية إلى العالم الرقمي

في الوقت نفسه، تتصاعد المخاوف عالميًا من تأثير الاستخدام المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين.

وتتمثل أبرز المخاوف المطروحة في التنمر الإلكتروني، والإدمان الرقمي، والتعرض للمحتوى الضار، إلى جانب المشكلات النفسية والاستغلال عبر الإنترنت.

ودفعت هذه المخاوف عددًا متزايدًا من الحكومات إلى دراسة أو تطبيق إجراءات تستهدف الحد من وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع اختلاف السن المستهدف وآليات التنفيذ من دولة إلى أخرى.

وهنا تبرز العلاقة بين حماية الطفل نفسيًا واجتماعيًا، وبين تنظيم البيئة الرقمية التي يقضي فيها جانبًا من حياته اليومية.

أستراليا تبدأ الحظر الشامل

وفقًا كانت أستراليا أول دولة تطبق حظرًا شاملًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، ودخل القانون حيز التنفيذ في ديسمبر 2025.

وشمل الحظر عددًا من المنصات، من بينها فيسبوك وإنستجرام وسناب شات وثريدز وتيك توك وإكس وريديت وتويتش، مع استثناء واتساب ويوتيوب كيدز وفق ما ورد في المادة.

ويلزم القانون شركات التكنولوجيا باتخاذ إجراءات للتحقق من أعمار المستخدمين، مع فرض غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على الشركات المخالفة.

وأصبحت التجربة الأسترالية نموذجًا تتابعه دول أخرى، في ظل النقاش حول كيفية حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، ومدى قدرة التشريعات على تحقيق ذلك عمليًا.

دول أخرى تتحرك.. والسن يختلف من دولة إلى أخرى

لم يتوقف الاتجاه عند أستراليا، إذ تتضمن المادة المرسلة عددًا من الدول التي أعلنت عن قوانين أو مشروعات قوانين أو خطط تتعلق بتقييد استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي.

ففي فرنسا، أُقر قانون يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عامًا، مع الإشارة إلى دخوله حيز التنفيذ في سبتمبر المقبل، إلى جانب توسيع حظر استخدام الهواتف المحمولة ليشمل المدارس الثانوية.

وفي كندا، قُدم مشروع قانون لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 16 عامًا، مع منح الشركات فرصة لتجنب الحظر إذا أثبتت امتلاكها سياسات فعالة لحماية المستخدمين الصغار.

أما الدنمارك فتستعد، بحسب المادة، لحظر استخدام المنصات لمن هم دون 15 عامًا، مع تطوير تطبيق للتحقق من العمر.

وفي اليونان، أُعلن عن بدء منع الأطفال دون 15 عامًا من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي اعتبارًا من يناير 2027.

كما تتجه إندونيسيا إلى منع الأطفال دون 16 عامًا من استخدام عدد من المنصات والخدمات الرقمية.

وتشمل قائمة الدول التي تدرس أو تعمل على تشريعات مماثلة النمسا وألمانيا وماليزيا وبولندا وسلوفينيا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة، مع اختلاف الأعمار.

Visited 2 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق