كوبا وواشنطن.. 60 عامًا من الإخفاقات الأمريكية تعود للواجهة باتهام راؤول كاسترو
من كلينتون إلى أوباما.. كيف تحطمت رهانات أمريكا على سقوط كاسترو؟
كتبت: د/ سارة غنيم
أعادت الاتهامات الأمريكية الجديدة بحق راؤول كاسترو فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقة بين واشنطن وهافانا، وهي قضية إسقاط الطائرتين المدنيتين التابعتين لمنظمة “الإخوة للإنقاذ” عام 1996، في حادثة لا تزال تمثل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة المنفيين الكوبيين بالولايات المتحدة، وتكشف في الوقت نفسه عن عقود طويلة من الإخفاقات الأمريكية في التعامل مع النظام الكوبي.
أعادت التطورات الأخيرة المتعلقة باتهام راؤول كاسترو، الرئيس الكوبي السابق، بإصدار أوامر بإسقاط طائرتين مدنيتين أمريكيتين عام 1996، تسليط الضوء مجددًا على سجل طويل من التوترات والإخفاقات التي طبعت السياسة الأمريكية تجاه كوبا منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959.
ورغم مرور أكثر من ستة عقود على القطيعة السياسية والحصار الاقتصادي، لا يزال النظام الكوبي قائمًا،
بينما تحولت الجزيرة الصغيرة الواقعة على بعد أميال قليلة من السواحل الأمريكية إلى واحدة من أعقد ملفات السياسة الخارجية في تاريخ واشنطن الحديث.
حادثة أعادت فتح جراح الحرب الباردة
القضية تعود إلى 24 فبراير 1996، عندما أسقطت مقاتلات كوبية من طراز “ميغ-29” و”ميغ-23” طائرتين مدنيتين صغيرتين تابعتين لمنظمة “الإخوة للإنقاذ” المناهضة لنظام كاسترو، فوق مضيق فلوريدا.
وأدى الهجوم إلى مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة مواطنين أمريكيين ومقيم دائم في الولايات المتحدة، في حادثة اعتبرتها واشنطن آنذاك “إعدامًا متعمدًا ضد مدنيين”.
وبينما أكدت هافانا أن الطائرتين انتهكتا المجال الجوي الكوبي، خلصت تحقيقات منظمة الطيران المدني الدولية لاحقًا إلى أن إسقاط الطائرتين وقع في المياه الدولية، ما عزز الرواية الأمريكية.
واليوم، تقول وزارة العدل الأمريكية إن سلسلة القيادة العسكرية التي كان يقودها راؤول كاسترو، وزير القوات المسلحة آنذاك، تتحمل مسؤولية إصدار الأوامر بإسقاط الطائرات.
كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
لفهم دلالات الحادثة، لا بد من العودة إلى منتصف التسعينيات، حين كانت كوبا تمر بواحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وفقدان الدعم المالي القادم من موسكو.
ودخلت البلاد ما عرف بـ”الفترة الخاصة”، التي شهدت أزمات حادة في الغذاء والطاقة والنقل، إلى جانب موجات هجرة جماعية عبر البحر نحو ولاية فلوريدا الأمريكية.
وفي تلك الأجواء ظهرت منظمة “الإخوة للإنقاذ”، التي أسسها المنفي الكوبي والطيار السابق خوسيه باسولتو، بهدف إنقاذ اللاجئين الفارين من الجزيرة، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى منصة سياسية مناهضة لنظام كاسترو، عبر رحلات جوية وإلقاء منشورات فوق هافانا.
كلينتون ومحاولة الانفتاح الضائعة
في ذلك الوقت، كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون يسعى إلى اتباع نهج أكثر مرونة تجاه كوبا، قائم على تخفيف التوتر وتشجيع الانفتاح التدريجي بدلًا من سياسة العزل الكامل.
وبدأت بالفعل محادثات بين واشنطن وهافانا بعد أزمة اللاجئين عام 1994، وسط آمال أمريكية بأن يقود الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي إلى تغييرات داخلية تدريجية في النظام الكوبي، على غرار ما حدث لاحقًا مع الصين.
لكن حادثة إسقاط الطائرتين أنهت تلك المساعي بصورة مفاجئة.
وأدت الصدمة السياسية والغضب داخل الولايات المتحدة إلى دفع إدارة كلينتون نحو تشديد العقوبات، عبر توقيع قانون “هيلمز-بيرتون”، الذي عزز الحصار الاقتصادي وحوله إلى قانون فيدرالي يصعب التراجع عنه.
إخفاقات متكررة في تغيير النظام
وتشير تقارير وتحليلات أمريكية وأوروبية إلى أن واشنطن فشلت، على مدار عقود، في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في تغيير النظام الكوبي، سواء عبر العقوبات أو محاولات الانفتاح الدبلوماسي.
وتكرر السيناريو نفسه خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي أعلن عام 2014 تطبيع العلاقات مع كوبا، وأعاد فتح السفارة الأمريكية في هافانا، قبل أن يقوم بزيارة تاريخية إلى الجزيرة عام 2016.
وكانت الإدارة الأمريكية آنذاك تراهن على أن الانفتاح الاقتصادي وزيادة التواصل الثقافي والسياحي سيقودان تدريجيًا إلى إصلاحات سياسية داخلية.
إلا أن النظام الكوبي، بحسب مراقبين، استثمر المكاسب الاقتصادية دون تقديم تنازلات سياسية حقيقية، بينما استمرت الاعتقالات والتضييق على المعارضين ووسائل الإعلام المستقلة.
كوبا بين الأسطورة والواقع
ولعقود طويلة، احتفظت الثورة الكوبية بصورة رمزية لدى قطاعات من اليسار العالمي باعتبارها نموذجًا لمقاومة النفوذ الأمريكي.
لكن منظمات حقوقية دولية وثقت، على مدار سنوات، انتهاكات واسعة شملت الاعتقال التعسفي، والتضييق على الحريات، وغياب التعددية السياسية، وملاحقة المعارضين، إلى جانب الرقابة الأمنية الواسعة.
ويرى محللون أن النظام الكوبي اعتمد تاريخيًا على استمرار الصراع مع الولايات المتحدة كوسيلة لتعزيز شرعيته الداخلية وتبرير القبضة الأمنية.
اتهامات جديدة ورسائل سياسية

ورغم أن راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عامًا، من غير المرجح أن يمثل فعليًا أمام القضاء الأمريكي، فإن إعادة فتح القضية تحمل أبعادًا سياسية ورمزية مهمة.
وتعتبر واشنطن أن القضية تمثل تأكيدًا على أن إسقاط الطائرتين لم يكن “حادثًا عرضيًا” بل قرارًا متعمدًا ضد مدنيين.
وفي الوقت نفسه، يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى مقاربة أكثر براغماتية، تركز على تقليص النفوذ الروسي والصيني داخل كوبا، أكثر من السعي الفوري لإسقاط النظام.
وبحسب تقديرات سياسية، فإن واشنطن تدرك أن سجلها في فرض “تغيير الأنظمة” حول العالم، سواء في العراق أو أفغانستان أو ليبيا، لم يحقق النتائج المرجوة، ما يدفعها إلى تفضيل استراتيجيات الضغط التدريجي وإعادة التموضع الجيوسياسي بدلًا من المواجهات المباشرة.
وبعد نحو ثلاثة عقود على حادثة إسقاط الطائرتين، لا تزال كوبا تمثل أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الأمريكية، بين محاولات الاحتواء، ورهانات الانفتاح، واستمرار نظام تمكن من البقاء رغم العزلة والعقوبات والضغوط الدولية المتواصلة.
اقرأ أيضاً:
إيران قبل الثورة: من الإمبراطورية الفارسية إلى الدولة الحديثة… تاريخ هوية تتجاوز “فارس”