بوتين في بكين بعد زيارة ترامب.. الصين تمسك بخيوط التوازن العالمي

بكين مركز الدبلوماسية العالمية.. بوتين يصل والصين تناور بين أمريكا وروسيا

0 19

في توقيت يحمل رسائل سياسية واستراتيجية متعددة، يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارة رسمية إلى الصين تستمر يومين، بعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، في مشهد يعكس احتدام التنافس الدولي على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى العالمية.

الزيارة، التي تأتي وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وآسيا، تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق الروسي ـ الصيني، وحدود التقارب بين بكين وواشنطن، ومستقبل التحالفات الدولية في عالم يشهد تحولات متسارعة.

بوتين في بكين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الصين

يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين اليوم في زيارة رسمية تستمر يومين، بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون الشامل بين موسكو وبكين، وفق ما أعلنه الكرملين.

وأكدت الرئاسة الروسية أن المحادثات المرتقبة بين بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ ستتناول ملفات دولية وإقليمية رئيسية، إلى جانب توقيع بيان مشترك يعكس مستوى التنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الوفد الروسي يضم عدداً من نواب رؤساء الوزراء والوزراء ورؤساء كبرى الشركات الروسية العاملة في السوق الصينية، مشيراً إلى أن الزيارة تحمل طابعاً اقتصادياً واستراتيجياً واسعاً.

ورداً على تساؤلات بشأن المقارنة بين حجم الوفد الروسي والوفد الأمريكي الذي رافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى الصين، قال بيسكوف إن موسكو “لا تتنافس مع أحد في ما يتعلق بتشكيل الوفود الرسمية“.

تقارير: شي أبلغ ترامب بأن بوتين قد يندم على الحرب

وفي تطور لافت، كشفت صحيفة فاينانشال تايمز أن الرئيس الصيني شي جين بينغ أبلغ ترامب خلال محادثاتهما الأخيرة بأن الرئيس الروسي قد يندم مستقبلاً على قرار غزو أوكرانيا عام 2022.

وبحسب الصحيفة، فإن تصريحات شي تمثل واحدة من أوضح الإشارات الصينية بشأن الحرب الأوكرانية منذ اندلاعها، رغم استمرار بكين في تبني موقف دبلوماسي حذر ومتوازن تجاه النزاع.

وتتمسك الصين رسمياً بالدعوة إلى احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ضرورة مراعاة ما تصفه بـ”المخاوف الأمنية المشروعة” لجميع الأطراف، في إشارة متكررة إلى المطالب الروسية المرتبطة بتوسّع حلف شمال الأطلسي.

مقارنات مع زيارة ترامب لبكين

ورغم محاولات موسكو التقليل من أهمية توقيت الزيارتين، يرى مراقبون أن زيارة بوتين تأتي في سياق سياسي حساس، بعد أيام فقط من زيارة ترامب التي هدفت إلى تخفيف التوتر بين واشنطن وبكين.

وتختلف طبيعة زيارة الرئيس الروسي عن زيارة ترامب، إذ يتوقع أن تركز المحادثات الروسية ـ الصينية على تنسيق المواقف الجيوسياسية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والنقل وأمن سلاسل الإمداد، إضافة إلى توسيع الشراكات الاقتصادية طويلة المدى.

وذكرت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” أن بكين تسعى من خلال استقبال الزعيمين الأمريكي والروسي في فترة زمنية متقاربة إلى ترسيخ موقعها كلاعب محوري في الدبلوماسية الدولية.

الصين تسعى لترسيخ موقعها العالمي

من جهتها، اعتبرت صحيفة “جلوبال تايمز” الصينية الرسمية أن استضافة ترامب وبوتين خلال أيام قليلة تعكس صعود بكين كمركز رئيسي للدبلوماسية العالمية، في ظل تصاعد الأزمات الدولية وعدم الاستقرار الجيوسياسي.

وأضافت الصحيفة أن الصين تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع كل من موسكو وواشنطن، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وآسيا.

ولم تحضر الحرب الأوكرانية بقوة في البيانين الصيني والأمريكي عقب لقاء شي وترامب، حيث ركزت المحادثات بشكل أساسي على ملفات التجارة وتايوان وأمن الملاحة في الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز.

صداقة بلا حدود” وتعاون اقتصادي متصاعد

وشهدت العلاقات الروسية ـ الصينية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد إعلان البلدين، قبيل اندلاع الحرب الأوكرانية، إقامة “صداقة بلا حدود“.

ومنذ فبراير 2022، عززت الصين وروسيا تعاونهما الاقتصادي بشكل كبير، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري إلى مستويات قياسية،

بينما أصبحت الصين أكبر مشترٍ للنفط الروسي، ما وفر لموسكو عائدات ضخمة ساعدتها على مواجهة العقوبات الغربية وتمويل عملياتها العسكرية.

في المقابل، ساهمت الإمدادات الروسية في تعزيز أمن الطاقة الصيني، خاصة مع اضطراب أسواق الطاقة العالمية والتوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

تايوان والطاقة في صدارة الحسابات الاستراتيجية

ويرى محللون غربيون أن ملف تايوان قد يكون من أبرز القضايا المطروحة خلال لقاء بوتين وشي، في ظل مخاوف صينية من أي مواجهة مستقبلية محتملة في مضيق تايوان وتأثيرها على إمدادات الطاقة.

وقال الباحث في المجلس الأطلسي جوزيف ويبستر إن بكين قد تسعى إلى تعزيز اتفاقيات الطاقة مع موسكو لضمان تدفق الإمدادات في حال وقوع أزمة إقليمية كبرى.

وأشار إلى أن مشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2″، الذي تسعى روسيا إلى تسريع تنفيذه، يمكن أن يشكل عنصراً مهماً في تعزيز أمن الطاقة الصيني، رغم عدم الإعلان حتى الآن عن توقيع اتفاقات جديدة مرتبطة بالمشروع خلال الزيارة الحالية.

ومن المنتظر أيضاً أن يعقد بوتين اجتماعاً منفصلاً مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ لبحث ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

محطات مقبلة في العلاقات الثنائية

وتأتي الزيارة الحالية في إطار استعداد البلدين للاحتفال خلال عام 2026 بمرور ثلاثين عاماً على الشراكة الاستراتيجية الروسية ـ الصينية، و25 عاماً على توقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بينهما.

ومن المقرر أن يعود بوتين إلى الصين مجدداً في نوفمبر المقبل للمشاركة في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ “أبيك” التي تستضيفها مدينة شنتشن الصينية.

ويرى محللون صينيون أن بكين لا تعتبر تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وتوسيع التعاون مع روسيا مسارين متناقضين، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على توازن العلاقات بين القوى الكبرى وضمان الاستقرار الدولي.

اقرأ أيضاً:

Visited 5 times, 5 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق